اجتماعات الأمم المتحدة: محاولة لتنشيط التضامن وسط استقطابات حادة

اجتماعات الأمم المتحدة: محاولة لتنشيط التضامن وسط استقطابات حادة

19 سبتمبر 2023
متظاهرون ضد الوقود الأحفوري في نيويورك أمس (إدواردو مونوز/رويترز)
+ الخط -

تفتتح اليوم الثلاثاء في نيويورك اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تستمر لمدة أسبوع، بحضور أكثر من 145 رئيساً ورئيس وزراء وقادة دول، ناهيك عن وزراء الخارجية وغيرهم من الحشود الدبلوماسية.

وليس صدفة أن تعقد اجتماعات هذا العام، وهي الأكبر منذ جائحة كورونا، تحت عنوان "استعادة الثقة وتنشيط التضامن العالمي". ويسود الاستقطاب ونقص التعاون بين القوى الكبرى والفاعلة أكثر من أي وقت مضى في العقود الأخيرة.

يأتي كل هذا في ظل زيادة في عدد الصراعات، كالحرب الروسية في أوكرانيا، إضافة إلى استمرار الفشل في حل تلك الدائرة منذ عقود في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. هذا إلى جانب أزمات اقتصادية ومناخية آخذة بالزيادة، ناهيك عن ارتفاع أسعار الأغذية، وزيادة في نسبة الفقر منذ جائحة كورونا، وما تلاها من أزمة صحية ومالية وتدهور اقتصادي، وتراجع في تحقيق أي من الأهداف التي قطع هؤلاء القادة وعوداً بتنفيذها، سواء كانت التنمية المستدامة أو الأهداف المناخية وغيرها.

سيمضي بايدن جزءاً مهماً من تواجده في نيويورك في جمع التبرعات لحملته الانتخابية

وبعد مداخلة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، ورئيس الجمعية العامة دينيس فرانسيس من دولة ترينيداد وتوباغو، سيقدّم الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مداخلته ورؤيته، ثم يليه الرئيس الأميركي جو بايدن وبعدها باقي القادة، على مدار أسبوع.

وسيحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الاجتماعات كذلك، ومن المتوقع أن يلقى حضوره زخماً إعلامياً يخشى البعض أن يغطي على التغطية الإعلامية التي تأمل الأمم المتحدة أن يركز فيها الإعلام على قضايا محورية وقمم تعقد على هامش الاجتماعات رفيعة المستوى، بما فيها قمم التنمية المستدامة، والمناخ، والصحة، وغيرها.

الرئيس الأميركي والحملة الانتخابية

ومن اللافت للانتباه أن الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي حضر مساء الأحد الماضي إلى نيويورك وسيغادرها غداً الأربعاء، سيمضي جزءاً مهماً من تواجده في المدينة في جمع التبرعات لحملته الانتخابية والحزب الديمقراطي، بحسب برنامجه الرسمي، وهو شارك أمس الاثنين في حفلي استقبال لحملته الانتخابية في نيويورك.

أما اليوم الثلاثاء، فإلى جانب مداخلته أمام الجمعية العامة، فإنه سيكون له اجتماع ثنائي مع غوتيريس، ومن ثم يستضيف اجتماع مجموعة آسيا الوسطى "5+1". وسيستضيف في حفل استقبال ومأدبة عشاء مساء اليوم الثلاثاء قادة الدول. وفي العادة، مع بعض الاستثناءات، يجري هذا الحفل في مقر الأمم المتحدة، لكنه هذه السنة سيكون في متحف متروبوليتان للفنون.

أما لقاءاته الثنائية مع قادة الدول فستقتصر على مسؤولين اثنين، هما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولولا، الذي سيشارك معه بعدها في اجتماع يركز على العمل والعمالة، ليتوجه بعدها مجدداً لحضور حفلي استقبال إضافيين في نيويورك لحملته الانتخابية، قبل أن يعود إلى واشنطن ليل الأربعاء.

وسيحضر وزير خارجيته أنتوني بلينكن وآخرون العديد من الاجتماعات والقمم رفيعة المستوى التي ستعقد في نيويورك. وسيجتمع بايدن بالرئيس الأوكراني في لقاء ثنائي، ولكن في واشنطن التي سيتوجه إليها زيلينسكي في وقت لاحق من الأسبوع الحالي.

غياب ماكرون وسوناك عن نيويورك

ومن اللافت للانتباه، أنه على الرغم من حضور أكثر من 145 رئيساً وقادة دول ومسؤولين كبار، إلا أن هناك رؤساء وقادة سيغيبون عن نيويورك، من بينهم أربعة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهم رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك وكل من رؤساء فرنسا إيمانويل ماكرون والصين شي جين بينغ وروسيا فلاديمير بوتين. وإن كان عدم حضور الأخير متوقعاً، خصوصاً في ظل الملاحقات القضائية من المحكمة الجنائية الدولية ومذكرة التوقيف بحقه، لكن غياب ماكرون وسوناك بدا مستغرباً للبعض في مقر الأمم المتحدة.

ويخشى بعض المراقبين أن الانشغال الأميركي في الانتخابات الرئاسية العام المقبل، والذي بدا واضحاً حتى في برنامج الرئيس وزيارته لنيويورك، سينعكس سلباً على جدية الانخراط الأميركي الضروري والأساسي لمواجهة الكثير من التحديات، أو في طريقة نظر الدول الأخرى له، وسط تخوف من أن تأتي إدارة أخرى تقلب كل الموازين والالتزامات الدولية، كما حدث عند تولي دونالد ترامب الرئاسة عام 2016، وهو المرشح للعودة مجدداً في حال فاز في الانتخابات المقبلة.

البشرية بحاجة لقيادات حكيمة لمواجهة تحديات خطيرة

يواجه العالم تحديات كبيرة، وقائمة طويلة من الأمور التي يجب العمل عليها، وتخطي حالة الاستقطاب الشديدة بين الدول الغربية والصين وروسيا ودول كثيرة واقعة بين المطرقة والسندان في الجنوب العالمي.

سيغيب أربعة من رؤساء وقادة الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن عن الجمعية العامة

ولا تقتصر تلك التحديات على منطقة بعينها. وواحدة من أكبرها هي التغير المناخي، الذي لا يعرف الحدود، ولعله واحد من التحديات الأخطر والأكبر التي لم يتحرك قادة العالم بعد بما يكفي لمواجهتها.

ويشمل التحرك المطلوب تخصيص الموارد المالية اللازمة، ومساعدة الدول النامية والفقيرة على تحمل عبء التغيير المناخي وتبعاته، وهي غير مسؤولة عنه، بالإضافة إلى الاستثمار في الانتقال للطاقة النظيفة والحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون واستخدام الطاقة الأحفورية. وفي خضم كل ذلك، فإن الأزمة المالية وتبعات جائحة كورونا أدت إلى التخلف في تحقيق أهداف التنمية المستدامة حتى 2030.

وانعكست تلك التحديات في عمل مجلس الأمن الدولي، وقدرة الأمم المتحدة على القيام بمهامها في أكثر من مجال. وظهر هذا الاستقطاب بشدة في العلاقات الأميركية والغربية من جهة والصينية والروسية من جهة أخرى. وتجلى ذلك في الكثير من الأحيان في جلسات مجلس الأمن، والنقاشات اللانهائية بين الروس وبين الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الغربية حول تفاصيل عمل المجلس. وعقد عدد كبير من الاجتماعات حول أوكرانيا، بدون الإتيان بأي جديد في الغالب.

ناهيك عن تحديات إضافية ونشوب صراعات جديدة، كما في السودان، وانقلابات عسكرية في عدد من الدول الأفريقية، كالنيجر، كما الأوضاع في هايتي، بالإضافة إلى النزاعات والحروب الأخرى، وفشل بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في بقاع أخرى، مثل مالي، وانسحابها منها.

وتجلى الانقسام عندما لم يتمكن المجلس من التجديد لعملية المساعدات العابرة للحدود لشمال غرب سورية، في يوليو/تموز الماضي، بعد استخدام روسيا للفيتو. وعلى الرغم من أن الفيتو الروسي استخدم في الماضي في حالة مشابهة، إلا أن موسكو هذه المرة رفضت العودة والتفاوض من جديد، وتركت الكرة بساحة النظام السوري ومفاوضاته مع الأمم المتحدة حول استخدامها للنقاط العابرة للحدود لتقديم تلك المساعدات.

ويترأس غوتيريس قمة التنمية المستدامة التي بدأت أمس الاثنين وتنتهي اليوم الثلاثاء. وكان غوتيريس قد ركز في مداخلته يوم الاثنين على سبل الخروج من هذه الأزمة التي يواجهها العالم، وعلى عدد من النقاط، بما فيها الإعلان السياسي المفصل، والذي من المفترض أن تتبناه القمة، والذي يركز على عدد من الأمور، أبرزها تحسين قدرة الدول النامية في الوصول إلى التمويل اللازم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والذي يتطلب دعماً مادياً لتحفيز تلك الأهداف، بما لا يقل عن 500 مليار دولار سنوياً بحسب تقارير الأمم المتحدة، ناهيك عن وضع آلية فعالة من أجل تخفيف أعباء الديون، ودعم تعليق المدفوعات، بما فيها شروط إقراض أطول وأسعار فائدة أقل.

وناشد غوتيريس تغيير طريقة عمل بنوك التنمية متعددة الأطراف كي تتمكن البلدان النامية، بشكل خاص، من الاستفادة من التمويل الخاص بأسعار معقولة. يضاف إليها تحديات المناخ والصحة، والتي سيتم التطرق لها كذلك بقمم واجتماعات رفيعة المستوى هذا الأسبوع.

المساهمون