اتفاق وقف النار في لبنان من طرف واحد... عام الخروقات الإسرائيلية

27 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:18 (توقيت القدس)
من عدوان إسرائيلي على المصيلح، 11 أكتوبر 2025 (محمود زيّات/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل خروقات إسرائيلية تجاوزت العشرة آلاف مرة، مما أبقى الوضع هشاً، مع تهديدات إسرائيلية بشن حرب جديدة إذا لم يسلم حزب الله سلاحه، بينما التزم حزب الله بالصبر في ظل انتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً وتشكيل حكومة جديدة.

- استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على مراكز الجيش اللبناني وقوة "يونيفيل"، مما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، ورفضت إسرائيل الانسحاب من النقاط المحتلة جنوباً، مستهدفة القرى الحدودية والضاحية الجنوبية لبيروت.

- اتخذ لبنان خطوات لحصر السلاح بيد الدولة، ووافقت الحكومة على أهداف الورقة الأميركية، بينما أبدت "يونيفيل" تعاوناً مع الجيش اللبناني لدعم تطبيق القرار 1701، وأكد الرئيس جوزاف عون استعداد لبنان للتفاوض مع إسرائيل لتحقيق وقف نهائي للاعتداءات.

في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ، بيد أن بنوده بقيت منذ اليوم الأول حبراً على ورق من الجانب الإسرائيلي، بخرقه أكثر من عشرة آلاف مرة، ما أبقى الاستقرار في لبنان هشّاً، وسيناريو عودة العدوان الواسع على الطاولة، خصوصاً في ظلّ تصعيد الاحتلال عملياته خلال الشهرين الماضيين، ورفع منسوب تهديداته بتكثيف ضرباته، زاعماً أنه يمنع حزب الله من إعادة بناء ترسانته العسكرية. ورغم محاولة الولايات المتحدة أداء دور "الوسيط" عبر موفديها، وعلى رأسهم مورغان أورتاغوس وتوم برّاك، إلا أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان يحوز على ضوء أخضر منها.

ويوم أمس، هدّد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشنّ حرب جديدة على لبنان إذا لم يسلم حزب الله سلاحه، فضلاً عن إعادة إسرائيل النظر في اتفاقية الحدود البحرية بين الجانبين. وقال خلال جلسة الهيئة العامة للكنيست: "سنُعيد النظر في موقفنا بشأن اتفاق الحدود البحرية مع لبنان، إذ توجد فيه نقاط ضعف عديدة وقضايا إشكالية". كما قال إن "أميركا ألزمت حزب الله بالتخلي عن سلاحه في نهاية العام الحالي"، مستبعداً أن "يتخلى حزب الله عن سلاحه طوعاً". ورأى كاتس أن "الأميركيين ألزموا الحزب بأن يتخلى عن سلاحه بنهاية 2025"، لكنه أشار إلى أنه لا يرى ذلك يحصل عملياً على الأرض، محذراً من أنه "إذا لم يحدث، فلن يكون هناك مفرّ من العمل بقوة مرة أخرى في لبنان".

شملت الاعتداءات الإسرائيلية هذا العام مراكز للجيش اللبناني ولقوة "يونيفيل"

عدوان متصاعد على لبنان

وكان من المفترض أن ينهي اتفاق وقف النار حرباً طويلة بين حزب الله وإسرائيل، انطلقت مع فتح حزب الله جبهة إسناد غزة في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وأسفرت عن سقوط 3961 شهيداً و16520 جريحاً، ونزوح أكثر من مليون شخص، وخلّفت دماراً واسعاً في مختلف القطاعات (أطلقت إسرائيل في الأول من أكتوبر 2024 عدواناً برّياً على لبنان ترافق مع عدوان جوي، بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في 27 سبتمبر/ أيلول من ذلك العام). بيد أن إسرائيل لم تلتزم بالاتفاق، وتجاوزت خروقاتها له عتبة العشرة آلاف خرق، ما أدى إلى سقوط 339 شهيداً، و978 جريحاً، في رصد لبيانات وزارة الصحة حتى تاريخ 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي. يذكر أن القوات الأممية المؤقتة العاملة في لبنان (يونيفيل) أعلنت في 20 نوفمبر الحالي، عبر منصة "إكس"، أنها "سجلت منذ اتفاقية وقف الأعمال العدائية العام الماضي أكثر من 7500 انتهاك جوي ونحو 2500 انتهاك برّي في شمال الخط الأزرق (خط الانسحاب بين إسرائيل ولبنان الذي رسمته الأمم المتحدة)، كما وجدت ما يزيد عن 360 مخبأ متروكاً للأسلحة أحيلت إلى الجيش اللبناني، وتُرفع التقارير عن كل هذه الانتهاكات إلى مجلس الأمن"، وفق منشور لها.

وبعد دخول اتفاق وقف النار حيّز التنفيذ، شُكِّلت لجنة خماسية، ترأسها الولايات المتحدة، وفيها ممثلون عن فرنسا ولبنان ويونيفيل وإسرائيل، مهمتها الإشراف على وقف العمليات العدائية، وعقدت لغاية اليوم 13 اجتماعاً في رأس الناقورة، إلا أنها بدأت اجتماعاتها بوتيرة بطيئة وسط امتعاض لبناني من طريقة عملها، إلى أن كثّفت في الشهرين الماضيين اجتماعاتها على وقع المخاوف من التصعيد الإسرائيلي، ومطالبات لبنانية بتعزيز أدائها، على أن تتولى أيضاً مسار التفاوض لإنهاء الاحتلال، وهو ما لم يلقَ قبولاً بعد من إسرائيل. وتسمّى اللجنة بـ"لجنة الميكانيزم"، ويرأسها حالياً الجنرال جوزيف كليرفيلد.

وفي الوقائع الميدانية، رفضت إسرائيل الانسحاب من النقاط التي تحتلها جنوباً، رغم انقضاء مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في الاتفاق، وكانت محددة في 26 يناير/ كانون الثاني الماضي، ومن ثم مدّدتها حتى 18 فبراير/ شباط الماضي، ولا تزال موجودة حتى اليوم في خمس تلال أساسية، هي: الحمامص، مقابل بلدة الخيام، الدواوير مقابل بلدة مركبا، جبل الباط مقابل بلدة عيترون، اللبونة مقابل بلدة الناقورة، جبل بلاط مقابل بلدة مروحين، ووسّعت تمركزها في محيطها وبنت جدراناً تؤشر إلى عدم مغادرتها في وقت قريب.

وتواصل إسرائيل أيضاً اعتداءاتها اليومية على الأراضي اللبنانية، حيث ركّزت خلال الأسابيع الأولى على القرى الحدودية الواقعة جنوبي لبنان، مع مواصلتها اعتماد سياسة الأرض المحروقة بتفجير وتفخيخ الأراضي والمباني، مع بعض التوغلات البرية، قبل أن تشنّ أول غارة على شرق البلاد في 25 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ومن ثم أول غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت في مارس/ آذار الماضي، وتستمر في هجماتها بوتيرة مختلفة، أحياناً خفيفة ومرّات مكثفة، إلى أن نفذت الضربتين الكبريين، الأولى في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا، ليل 18 نوفمبر الحالي، ما أسفر عن استشهاد 13 شخصاً، والثانية يوم الأحد الماضي لمنطقة حارة حريك، مستهدفة للمرة الأولى اجتماعاً عالي المستوى يضمّ أحد أبرز القيادات العسكرية في حزب الله هيثم علي الطبطبائي وأربعة مجاهدين، ما أدى إلى استشهادهم.

وشملت الاعتداءات الإسرائيلية مرات عدّة خلال هذا العام مراكز للجيش اللبناني، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، ولقوة "يونيفيل" وتعرض بعض أفرادها لإصابات، سواء بهجمات مباشرة أو غير مباشرة، ما دفع الأخيرة إلى رفع حدة بياناتها في الفترة الماضية، الموجّهة ضد إسرائيل، والطلب منها وقف أنشطتها داخل لبنان، لكن بياناتها كلّها لم تلقَ أي تجاوب إسرائيلي، لا بل عرّضتها إلى مزيد من الاعتداءات، في وقت كانت إسرائيل ترفض فيه التمديد لمهام "يونيفيل" في لبنان للعام المقبل (عاد مجلس الأمن وتبنى في أغسطس/ آب الماضي تمديد ولاية "يونيفيل" للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر 2026، وأن يبدأ خفض قوامها وانسحابها بشكل منظم وآمن اعتباراً من ذلك التاريخ وفي غضون سنة واحدة).

كذلك، لا تزال إسرائيل تُبقي على الأسرى اللبنانيين داخل سجونها، وعددهم الموثق 20 أسيراً، علماً أن تسعة منهم جرى أسرهم بعد دخول وقف النار حيّز التنفيذ، عند محاولتهم العودة إلى قراهم التي كانت محتلة تنفيذاً للاتفاق، فيما لم تتمكن الجهات الرسمية والمعنية بالملف من معرفة أي معلومة عنهم وعن ظروفهم، خصوصاً أن من بينهم جرحى.

كانديس أرديل: لم نرَ أي دليل على نشاط عسكري لحزب الله في منطقة عمليات يونيفيل

في المقابل، لم يُسجَّل طوال هذا العام أي ردّ من حزب الله على الاعتداءات الإسرائيلية، متمسّكاً وفق تعبيره، بـ"الصبر"، خصوصاً بعدما دخلت البلاد عهداً جديداً بانتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً في التاسع من يناير الماضي وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام. هذا العهد حاز بداية على دعم خارجي لافت، أميركي تحديداً، قبل أن تبدأ الانتقادات لتطاول المقاربة المتبعة لسحب سلاح حزب الله وبسط سلطة الدولة على أراضيها، وتشتدّ الضغوط الأميركية من أجل الإسراع في بتّ الملف، بما في ذلك الدعوة لمداهمة المنازل بالقوة. وآخر هذه الهجمات كان على قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ما أدى إلى إلغاء زيارته التي كانت مقررة قبل نحو أسبوع إلى واشنطن.

وخلال هذه السنة، اتخذ لبنان جملة خطوات في مسار حصر السلاح بيد الدولة، أبرزها مقررات جلستي الحكومة في الخامس والسابع من أغسطس الماضي، اللتين وافقت خلالهما على أهداف الورقة الأميركية والطلب من الجيش وضع خطة لسحب السلاح، وهو ما عرّض الحكومة لهجوم من حزب الله، لكنها مضت بقراراتها. ووضع الجيش اللبناني خطة من خمس مراحل، تبدأ من جنوب نهر الليطاني، ليصبح منزوع السلاح بحلول نهاية العام الحالي، وذلك فيما نفّذ أكثر من عملية لسحب السلاح من المخيمات الفلسطينية، وقدّم حتى الساعة تقريرين شهريين بشأن مسار تنفيذ خطته. ورغم ذلك واصلت إسرائيل اعتداءاتها، رغم أن المبعوث الأميركي توم برّاك كان قد رحّب بخطوات لبنان، واعتبر أن على إسرائيل أن تقوم بخطوة في المقابل، قبل أن تتراجع واشنطن وتواصل ضغطها الوحيد على الدولة اللبنانية.

وفي هذا الإطار، قال مصدر عسكري لبناني لـ"العربي الجديد"، إن "الجيش نفّذ أكثر من ستة آلاف مهمة وعملية منذ وقف إطلاق النار، في إطار تطبيق الخطة والقرار 1701، وأقفل أكثر من 25 نفقاً، وضبط ما يزيد عن ثمانية آلاف ذخيرة، وفكّك ما لا يقلّ عن 50 منصة صواريخ، وهو نفذ أيضاً عمليات عدة لتسلم السلاح من داخل المخيمات الفلسطينية، إلى جانب عملياته لضبط الحدود ومنع التهريب ومكافحة المخدرات، وهو ماض في تنفيذ المرحلة الأولى لسحب السلاح من جنوب نهر الليطاني بحلول نهاية العام الحالي، لكن هناك عراقيل لا تزال تحول دون استكمال الانتشار، على رأسها استمرار احتلال إسرائيل لأجزاء من جنوبي لبنان، ومواصلة اعتداءاتها، ومنها ما طاول مراكز للجيش ويونيفيل". وأضاف المصدر أن "الجيش يقوم بدور كبير، وهو مستمرّ بمهامه رغم حملات التشكيك والتحريض والهجمات التي يتعرض لها من بعض الداخل والخارج، ولن يقوم إلا بما من شأنه أن يحفظ أمن البلاد والسلم الأهلي، من هنا يطبق خطته بحكمة ودقة".

مصدر نيابي في حزب الله: لا نعرف إلى متى يمكن البقاء متفرجين على كل هذه الاعتداءات والعالم لا يتحرك بوجهها

من جهتها، قالت المتحدثة باسم "يونيفيل" كانديس أرديل لـ"العربي الجديد"، إن القوات الأممية أبلغت منذ 27 نوفمبر 2024 لغاية 18 نوفمبر الحالي عن أكثر من 7500 انتهاك جوي، وحوالي 1000 مقذوفة من جنوب الخط الأزرق إلى الشمال، و21 مساراً صاروخياً من شمال الخط الأزرق إلى الجنوب، وأكثر من 100 غارة جوية، وحوالي 2500 نشاط لجنود إسرائيليين في شمال الخط الأزرق، وعثرنا على أكثر من 360 مخبأ أسلحة في الأراضي اللبنانية جرت إحالتها إلى الجيش اللبناني للتعامل معها، مشيرة إلى أنه "لم نرَ أي دليل على نشاط عسكري لحزب الله في منطقة عملياتنا".

وشدّدت أرديل على أن "التعاون لا يزال قوياً ومثمراً بين الجيش اللبناني ويونيفيل، ونعمل يومياً في عشرات العمليات، وندعم أنشطته الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار وندعم تطبيقه للقرار 1701". وأضافت أن "يونيفيل عملت على دعم تطبيق القرار 1701، الذي لا يزال الإطار الأمثل لتحقيق استقرار طويل الأمد"، مشيرة إلى أن "وجود قوات حفظ السلام قوةً محايدة تراقب وتُبلغ عما يجري، له تأثير مطمئن ومُعزز للاستقرار، وحافظنا على تواصل مباشر مع الجيشين اللبناني والإسرائيلي، ما أتاح لنا نقل الرسائل لتجنب أي سوء فهم قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود، ودعونا جميع الأطراف علناً إلى ضبط النفس لتجنب تأجيج التوترات، ونواصل دعمنا للجيش اللبناني في تنفيذه للقرار 1701، ما يُساهم في الاقتراب من تحقيق الهدف النهائي للقرار، وهو الاستقرار على المدى الطويل".

وحول ما إذا كانت "يونيفيل" قد بدأت بخفض عدد قواتها في لبنان بالتزامن مع انتهاء ولايتها العام المقبل، قالت أرديل إنه "بسبب أزمة ميزانية على مستوى الأمم المتحدة، وكغيرها من بعثات حفظ السلام، نُضطر إلى خفض عدد قوات حفظ السلام بنحو 25%. وبدأت هذه العملية وستستمر حتى أوائل عام 2026. وللتوضيح، لا علاقة لذلك بقرار مجلس الأمن بإنهاء مهمتنا في نهاية عام 2026 وبدء الانسحاب في عام 2027"، لافتة إلى أن "هذا العجز المالي يؤثر على بعثات حفظ السلام والأمم المتحدة على الصعيد العالمي، وليس على يونيفيل فحسب، ونحن نعمل مع السلطات اللبنانية والدول المساهمة في قواتنا لضمان أن تتم هذه التخفيضات بأقل قدر ممكن من الاضطراب، مع ضمان قدرتنا على مواصلة التركيز على الجوانب الأساسية من ولايتنا، منها المراقبة والإبلاغ عن انتهاكات القرار 1701، والعمل من أجل الاستقرار على طول الخط الأزرق، ودعم القوات المسلحة اللبنانية".

دمار كلّي

من جهته، قال مصدر نيابي في حزب الله لـ"العربي الجديد"، إن "حزب الله التزم باتفاق وقف النار، وكان متعاوناً جداً مع الجيش اللبناني والدولة في إطار تطبيق حصرية السلاح رغم العديد من التحفظات التي كانت موجودة لديه، فترك المسؤولية كلّها للدولة، ووقف خلفها ولا يزال رغم كل الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية، ولكن لا نعرف إلى متى يمكن البقاء متفرجين على كل هذه الاعتداءات والعالم لا يتحرك بوجهها".

ولفت المصدر إلى أن "الحكومة اللبنانية ارتكبت خطايا كبرى بقراراتها، وقدمت العديد من التنازلات، ورغم ذلك لم تأبه إسرائيل، وهو ما يحتّم على لبنان اختيار مسارات أخرى، ورفض أي إملاءات خارجية، والتمسك بوحدة الصف لا اتخاذ قرارات تؤدي إلى فتن داخلية، وهو ما يريده الإسرائيلي ومن خلفه الأميركي"، مشيراً إلى أن "هناك اتفاقاً تمت الموافقة عليه في نوفمبر 2024 على إسرائيل تطبيقه ووقف اعتداءاتها أولاً، ولا كلام آخر غير ذلك".

أما رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر، فأوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن القرى المدمَّرة كلياً هي في قضاء بنت جبيل عيتا الشعب وراميا ومارون الراس، وفي قضاء مرجعيون عديسة وكفركلا ومحيبيب، وفي قضاء صور مروحين وأم التوت والزلوطية والظهيرة ويارين والبستان. وأشار حيدر إلى أن الصعوبات بقيت موجودة رغم وقف إطلاق النار خصوصاً بالنسبة لسكّان قرى الحافة الأمامية الذين منعوا من العودة، في ظل وجود قرار إسرائيلي بإقامة منطقة شبه عازلة ممنوع الحياة فيها وإعادة الإعمار، وهذا واضح بالممارسات الإسرائيلية، لافتاً إلى أن "فرقنا باشرت منذ اليوم الأولى عمليات مسح الأضرار ورفع الردم والركام، رغم كل المخاطر واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتعرضت 326 آلية للاعتداء أو التدمير، ومع ذلك نحن مستمرون".

ولفت حيدر إلى "أننا أجرينا مسحاً شاملاً للأضرار، ونقوم بخطوات بسيطة بانتظار تأمين الاعتمادات اللازمة لإعادة الإعمار الشامل، بحيث رمّمنا 190 مدرسة، ومستشفيات في الجنوب، ومباني السرايا، وغيرها، وفتحنا بعض الطرقات التي تعرضت للقصف"، مشيراً إلى أن "الخسائر في المنازل والمحال والمؤسسات (مباني)، تقدر بحوالي خمسة مليارات دولار، أما البنى التحتية فحوالى 500 مليون دولار، وهذا لا يشمل الأضرار الزراعية والممتلكات والآليات التي تعرضت للاعتداءات".

واعتبر الباحث في الشؤون العسكرية والسياسية عمر معربوني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الكيان الإسرائيلي لم يلتزم حتى هذه اللحظة بأي بند من بنود الاتفاق، وهو يصرّ على استكمال مبدأ التوحّش لتحقيق الردع والصدمة والترويع، الأمر الذي أدخل لبنان في وضعية سيئة ومعقدة جداً"، مشيراً إلى أنّ الإسرائيلي يعتدي يومياً ويتحرّك داخل لبنان من دون أن يمنعه أحد، وتحت أنظار لجنة الميكانيزم، التي فيها خلل كبير، خصوصاً أن رئيسها أميركي، وواشنطن تجاهر عبر مسؤوليها، وأولّهم الرئيس دونالد ترامب، وحتى أدنى مسؤول في الإدارة الأميركية، بالانحياز للكيان الإسرائيلي، في حين أن الفرنسيين يمكن وصفهم بأن لا صوت لهم، بينما تكتفي "يونيفيل" بالقيام بدور المراقب.

ولفت معربوني إلى أن إسرائيل صعّدت عملياتها تدريجياً منذ وقف النار وغيّرت معادلاتها الميدانية بعدما كانت تحرص بداية، على حدّ تعبيرها، على الجوانب الإنسانية، وها هي منذ فترة تستهدف أماكن مكتظة بالسكّان والمدنيين، وتنفذ ضربات بوجود حافلات تقل طلاباً، وتضرب مخيم عين الحلوة في موقع مدني بامتياز. وبرأيه، تبعاً لذلك، فـ"نحن أمام وضعية شديدة التعقيد، ويبقى الهدف المركزي الأساسي الأميركي والإسرائيلي الضغط على الدولة والشعب لدفعهم لخوض مفاوضات مباشرة، وهي إجراءات مرفوضة حتى اللحظة من الدولة اللبنانية".

يذكر أن الرئيس اللبناني جوزاف عون أكد، مساء الجمعة الماضي، عشية عيد الاستقلال (22 نوفمبر الحالي)، على استعداد لبنان للتفاوض مع إسرائيل "برعاية أممية أو أميركية أو دولية مشتركة" من أجل التوصل إلى "وقف نهائي" للاعتداءات الإسرائيلية. وأكد عون في كلمة متلفزة أن "الجيش اللبناني جاهز لتسلم النقاط المحتلة (من إسرائيل) على حدودنا الجنوبية، واستعداد الدولة اللبنانية لأن تتقدم فوراً ضمن اللجنة الخماسية (قطر والسعودية ومصر والولايات المتحدة وفرنسا) بجدول زمني واضح محدد للتسلم"، مضيفاً أن "القوى المسلحة اللبنانية مستعدة لتسلم النقاط فور وقف كافة الخروقات والاعتداءات وانسحاب الجيش الإسرائيلي من كل النقاط". من جهته، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في برقية تهنئة وجهها إلى عون لمناسبة الاستقلال، "تطلعه إلى تعميق الشراكة بين الولايات المتحدة ولبنان"، مضيفاً أن "لبنان موجود على مفترق طرق تاريخي، مع فرصة لرسم مسار نحو مزيد من الاستقرار والازدهار الاقتصادي للبنان وشعبه".

وخلال جولته الجديدة على المسؤولين اللبنانيين، أبدى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، أمس الأربعاء، "خشية القاهرة من أي احتمالات للتصعيد، وخشيتها على أمن واستقرار لبنان"، مضيفاً أنه "لذلك نحن لن نتوقف عن بذل أي جهد للعمل على تجنيب لبنان أي ويلات أو مخاطر للتصعيد"، وأكد على "دعم مصر الكامل للرئيس عون ولمبادرته بما في ذلك الأخيرة التي أطلقها خلال خطاب عيد الاستقلال"، علماً أن القاهرة تجري حراكاً على الساحة اللبنانية في محاولة للاستثمار في وساطتها بملف غزة، من أجل خلق مسار محتمل لوقف التصعيد وتثبيت وقف النار. وأكد عبد العاطي أمس، إثر لقائه عون، أن هذه الزيارة له هي الرابعة للبنان "خلال عام ونصف العام، بما يعكس حجم الانخراط المصري والاهتمام بالشأن اللبناني وحرصنا البالغ على أمن واستقرار لبنان"، لافتاً إلى أن مصر "معنية بشكل كامل باستقرار لبنان وبأهمية الانسحاب الكامل من كل الأراضي اللبنانية وتطبيق القرار 1701 بكل بنوده وجوانبه ودون انتقائية، وهو ما يتطلب وقف كل الانتهاكات الإسرائيلية فوراً".

المساهمون