استمع إلى الملخص
- الانتخابات المقبلة ستركز على التكتيكات داخل معسكر اليمين، حيث يحتاج بنيت إلى تحالف مع وسط اليمين، بينما يسعى نتنياهو لمنع المعارضين من تحقيق أغلبية 61 مقعداً.
- استراتيجية نتنياهو تركز على زيادة مقاعد التحالف، الحفاظ على مكانة الليكود، ومنع تشكيل ائتلاف بديل، مستغلاً الخطاب اليميني وإنجازاته العسكرية.
لم يعد بالإمكان في إسرائيل تشكيل حكومة لحزب من خارج معسكر اليمين
يسعى سموتريتش إلى تمييز خطابه واستمالة قواعد اليمين المتطرف
يُظهر نتنياهو ميلاً واضحاً إلى المراوغة في اتخاذ قرار بشأن غزة
منذ الانتخابات الإسرائيلية عام 2009، وعودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، لم يعد بالإمكان في إسرائيل تشكيل حكومة لحزب من خارج معسكر اليمين. حتى ما سُمِّي بـ"حكومة التغيير"، التي تشكّلت عام 2021 بالشراكة بين يئير لبيد ونفتالي بنيت، لم تكن لتقوم لولا انضمام عدد من الأحزاب المحسوبة تقليدياً على معسكر اليمين واليمين المتطرف إلى المعسكر المعارض لنتنياهو.
تشكل أحزاب اليمين في الوضع القائم حالياً في الكنيست الإسرائيلي الأغلبية المطلقة من عدد المقاعد. لكن ليست جميعها شريكة في التحالف الحكومي. للتحالف الحكومي 68 عضو كنيست حالياً، وإذا ما أضفنا إليهم ستة نواب من حزب "يسرائيل بيتنو" اليميني، يصل مجموع أعضاء النواب المحسوبين على معسكر اليمين واليمين المتطرف إلى 74 عضو كنيست (من أصل 110 أعضاء كنيست من الأحزاب الصهيونية و10 أعضاء من الأحزاب العربية)، يشكلون نحو 67% من مجمل أعضاء الكنيست باستثناء الأحزاب العربية.
ويعكس ذلك أيضاً التقسيم داخل المجتمع الإسرائيلي، بحيث عرّف نحو 57% من المستطلعين في استطلاعات الرأي العام التي أجريت قبيل الانتخابات الإسرائيلية عام 2022 عن أنفسهم يميناً ويميناً متطرفاً. وترتفع هذه النسبة إلى نحو 60%، وفقاً لـ"مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية" لعام 2024، الصادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في نهاية العام الماضي.
تُظهر جميع استطلاعات الرأي التي نُشرت أخيراً أن المنافسة المحتملة الوحيدة ستكون بين الليكود وبنيت
تشكل هذه الخلفية الموجزة حول تقسيم المعسكرات السياسية في إسرائيل، واستمرار هيمنة الفكر والخطاب اليميني في المجتمع الإسرائيلي، الأساس الذي ستجري على أرضيته المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وتُظهر جميع استطلاعات الرأي العام التي نُشرت في الأشهر الأخيرة أن المنافسة المحتملة الوحيدة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستكون بين حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو، وبين رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بنيت، في حال قرّر تأسيس حزب جديد وخوض الانتخابات، وهو سيناريو يُرجَّح حدوثه. وعليه، فإن ساحة التنافس ستظل ضمن معسكر اليمين ذاته، وليس بين معسكر اليمين ومعسكر وسط اليمين بقيادة لبيد أو بني غانتس، اللذين خرجا فعلياً من دائرة المنافسة على رئاسة الحكومة منذ فترة.
بذلك، لن تكون الانتخابات الإسرائيلية المقبلة منافسة بين مشاريع سياسية مختلفة جوهرياً من حيث الأيديولوجيا والرؤية، بل ستكون منافسة تدور حول التفاصيل والتكتيك السياسي. فالمشروع السياسي لنفتالي بنيت لا يختلف في جوهره عن مشروع نتنياهو، سواء في ما يتعلق بقضية الاحتلال والاستيطان، أو في موقفه تجاه حرب الإبادة على قطاع غزة، أو في القضايا الداخلية المرتبطة بجوهر الدولة ومكانة المواطنين الفلسطينيين داخلها.
الفرق الجوهري يكمن في أن بنيت سيكون بحاجة إلى تحالف مع أحزاب من معسكر وسط اليمين، مثل "يوجد مستقبل" برئاسة لبيد، و"المعسكر الرسمي" بقيادة بني غانتس، وحزب "يسرائيل بيتينو" بقيادة أفيغدور ليبرمان؛ وهي أحزاب ترفض في غالبيتها حتى الآن الدخول في تحالف مع نتنياهو. في المقابل، فإن نتنياهو لن يكون بمقدوره تشكيل حكومة مقبلة فقط من خلال مكونات ائتلافه الحالي، بل سيحتاج إلى دعم إضافي من خارج ما يُسمى بـ"تحالف نتنياهو". ومع ذلك، فإن هذا السيناريو ليس مستحيلاً في السياق السياسي الإسرائيلي، خصوصاً إذا نجح تحالف نتنياهو في الحصول على عدد مقاعد يقترب من 55، ومنع المعسكر المعارض من بلوغ 61 مقعداً أو أكثر، والتوقع بحصول الأحزاب العربية على ما بين 10 إلى 14 مقعداً.
إذاً، هدف نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن يكون بالضرورة تحقيق أغلبية 61 مقعداً لتحالفه، بل سيتمحور بالأساس حول منع المعسكر المعارض من بلوغ هذه العتبة. أي في هذا السياق، سيُركّز نتنياهو جهوده على نزع الشرعية عن أي محاولة لتشكيل حكومة بديلة بدعم أحزاب عربية، سواء من داخل الائتلاف أو من خارجه.
سترتكز استراتيجية نتنياهو في الانتخابات المقبلة على "منع الأغلبية" بدلاً من "تحقيق الأغلبية"
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ومفاوضات غزة
تدرك أحزاب التحالف الحكومي تماماً صورة توزيع المقاعد المتوقع في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة كما تدرك أن المنافسة الحقيقية ستكون داخل معسكر اليمين نفسه. هذا الواقع يُلقي بظلاله المباشرة على سلوك هذه الأحزاب، وعلى مواقفها، خصوصاً في ما يتعلق بملف التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى والمحتجزين، ووقف إطلاق النار في غزة، وربما إنهاء حرب الإبادة بصيغتها الحالية.
في هذا السياق، لا تنبع مواقف هذه الأحزاب من اعتبارات أيديولوجية فقط، بل تحكمها أيضا حسابات انتخابية تتعلق بمكانة كل حزب داخل المعسكر، ومحاولاته تعزيز موقعه في مواجهة حلفائه وخصومه المحتملين داخل اليمين ذاته. لذا، تُستخدم المواقف من المفاوضات الجارية كأداة لتعزيز الحضور الانتخابي أو لتمييز الخطاب السياسي أمام الجمهور اليميني المتشدد.
كان حزب "العظمة اليهودية" اليميني المتطرف، برئاسة إيتمار بن غفير، الحزب الوحيد ضمن التحالف الحكومي الذي تمكن من تحسين موقعه وزيادة عدد المقاعد المتوقعة له في الانتخابات المقبلة، منذ الإخفاق الكبير في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. بناءً على هذا "الإنجاز"، من المتوقع أن يبذل بن غفير كل ما في وسعه للحفاظ عليه وتعزيزه. تُعدّ الانتخابات المقبلة بالنسبة لبن غفير فرصةً لإثبات قدرته على خوض الانتخابات بشكل مستقل، بعدما خاض الانتخابات الأخيرة بالشراكة مع حزب الصهيونية الدينية (بقيادة بتسلئيل سموتريتش) وتحقيق تمثيل برلماني واسع، وربما التحوّل إلى القوة الثانية من حيث الحجم داخل معسكر اليمين المتطرف غير الحريدي.
تنعكس هذه الاعتبارات بشكل مباشر على مواقف إيتمار بن غفير تجاه مفاوضات الصفقة المحتملة مع حركة حماس، وربما تجاه أي ترتيبات لوقف حرب الإبادة على غزة. إذ تتقاطع اعتبارات بن غفير الانتخابية مع مواقفه الأيديولوجية. ويسعى بن غفير للتميّز عن موقف نتنياهو وترسيخ صورته صوتاً مستقلاً و"أصيلاً" لليمين المتطرف، بهدف استثماره في حملته الانتخابية المقبلة، وإظهار نفسه بديلاً أكثر "صلابة" في قضايا الأمن والسيادة والهوية اليهودية.
ينطبق المنطق ذاته على حزب "الصهيونية الدينية" برئاسة بتسلئيل سموتريتش، الذي تتأرجح نتائجه الانتخابية في جميع استطلاعات الرأي الأخيرة حول نسبة الحسم (3.35%). بذلك، فإن موقف سموتريتش من احتمال التوصل إلى اتفاق تبادل ووقف إطلاق نار في غزة، وربما وقف حرب الإبادة بصيغتها الحالية، لا يعكس فقط مواقف أيديولوجية فاشية وعنصرية تجاه الفلسطينيين، بل يُعبّر أيضاً عن اعتبارات انتخابية وتكتيكية واضحة.
يسعى سموتريتش إلى تمييز خطابه عن حزب الليكود، واستمالة قواعد اليمين المتطرف، وخصوصاً المؤيدين للصهيونية الدينية، بما يضمن له تجاوز نسبة الحسم. كما يهدف إلى تعزيز موقعه التفاوضي استعداداً لاحتمال فرض تحالف انتخابي مشترك مجدداً مع حزب "العظمة اليهودية" برئاسة بن غفير، إذا ما قرّر نتنياهو الدفع نحو توحيد قوائم اليمين الديني لمنع تسرّب أصوات. وفي هذا السياق، فإن عبور حزب الصهيونية الدينية لنسبة الحسم أو انضمامه إلى بن غفير يشكّل عاملاً حاسماً في تحديد موازين القوى بين المعسكرات المتنافسة في الانتخابات المقبلة.
قد يُوظّف نتنياهو اتفاقاً محتملاً في غزة أداةً مركزية في حملته، للتميّز عن اليمين المتطرف
أما بالنسبة للأحزاب الحريدية، فهي لا تُعارض التوصل إلى اتفاق، ولم تتعامل مع هذا الملف بما هو محور أساسي في أدائها السياسي. فكما هو مألوف في سلوكها السياسي، تميل هذه الأحزاب إلى تبنّي مواقف توافقية مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في القضايا الأمنية والعسكرية، دون الانخراط في بلورة مواقف مستقلة أو نقدية. وتُفضل الأحزاب الحريدية ضمان مصالحها القطاعية.
نتنياهو يحاول كسب الوقت
يدرك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تماماً الاعتبارات السياسية والانتخابية التي تُحرّك أحزاب اليمين المتطرف، كما أنه هو ذاته يخضع لحسابات انتخابية وسياسية، إلى جانب قناعاته الأيديولوجية. في هذا السياق، يُظهر نتنياهو ميلاً واضحاً إلى المراوغة والمماطلة في اتخاذ قرار بشأن التقدّم نحو اتفاق تبادل أسرى ووقف إطلاق النار.
ويبدو أن هدفه من هذا التأجيل هو كسب الوقت إلى حين انتهاء الدورة الصيفية للكنيست، أو الاقتراب من الموعد، مع نهاية شهر يوليو/تموز الحالي، ودخول الكنيست في عطلة طويلة تمتد نحو ثلاثة أشهر. وبهذا، حتى في حال قرّر المضي في صفقة التبادل، وواجه معارضة من بن غفير وسموتريتش، أو حتى في حال تفكك الائتلاف الحكومي، الذي يواجه أصلاً تهديداً من قبل الأحزاب الحريدية على خلفية قانون إعفاء طلاب المعاهد الدينية (أعلن حزب "يهدوت هتوراه" بجناحيه، "ديغيل هتوراه" و"أغودات يسرائيل"، مساء الاثنين، انسحابه من الائتلاف الحكومي)، فإن الانتخابات المبكرة، إن حدثت، لن تُعقد قبل بداية عام 2026، ما يمنحه هامش مناورة واسعاً لإعادة ترتيب أوراقه السياسية والتحالفية.
من غير المستبعد أن يُوظّف نتنياهو التوصّل إلى اتفاق تبادل الأسرى والمخطوفين، في حال تم ذلك، أداة مركزية في حملته الانتخابية المقبلة، في مسعى للتميّز عن شركائه في اليمين المتطرف، لا سيّما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. سيقدّم نتنياهو نفسه زعيماً تحمّل كلفة سياسية باهظة واتخذ قراراً شجاعاً لصالح مصلحة الأسرى والمخطوفين، رغم معارضة حلفائه وتهديدهم بحل الائتلاف الحكومي. بهذا الخطاب سيحاول استقطاب أصوات من وسط اليمين، بما يُعزّز فرصه في منع معسكر المعارضة من بلوغ عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة بديلة.
استراتيجية نتنياهو: 3 أهداف مركزية
يعتمد بنيامين نتنياهو في المرحلة الحالية على استراتيجية سياسية تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية في الانتخابات المقبلة. أولاً، رفع عدد المقاعد المتوقعة للتحالف الحكومي الحالي إلى أقصى حد ممكن، بما يضمن بقاءه لاعباً رئيسياً في عملية تشكيل الحكومة. ثانياً، الحفاظ على مكانة حزب الليكود بوصفه أكبر حزب في الكنيست، مع طموح بالحصول على 26–27 مقعداً، ما يعزّز موقع نتنياهو الشخصي في المشهد السياسي. وثالثاً، منع المعسكر المعارض له من القدرة على تشكيل ائتلاف بديل بأي صيغة كانت.
يدرك نتنياهو أن هذه الأهداف ليست بعيدة المنال في ظل الأجواء السائدة داخل المجتمع الإسرائيلي، والتي تتسم بتصاعد الخطاب اليميني المتطرف، وتعاظم مشاعر العداء تجاه كل ما هو عربي أو إسلامي. كما يعتبر أن ما يُنظر إليه في الخطاب العام الإسرائيلي على أنه "إنجازات عسكرية استراتيجية" بعد الحرب الأخيرة على إيران، يُعزز صورته، ويوفر له الزخم السياسي اللازم لتحقيق طموحاته الانتخابية. في هذا السياق، لا تبدو أهدافه ضرباً من الأوهام، بل مشروعاً سياسياً محسوباً يسعى إلى ترجمته على أرض الواقع.