- الاتفاق يركز على تلبية الأولويات الأمنية الإسرائيلية ويضع الحكومة اللبنانية تحت وصاية أميركية وإسرائيلية، مما أثار استياء شريحة كبيرة من اللبنانيين.
- الاتفاق يثير تساؤلات حول سيادة الدولة اللبنانية وقدرتها على التفاوض بشكل مستقل، مع تقديم تنازلات دون مقابل واضح، مما يعكس فشلاً في تحقيق مصالح لبنان.
يمكن قراءة نص الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل أكثر من مرة، بالعربية والإنكليزية، بحثاً عن بند هنا أو هناك يمكن أن يبرر أو يشفع للمفاوضين أو المسؤولين اللبنانيين الذين هنأوا بعضهم البعض بالوصول إليه، لكن من دون جدوى.
وقْع الاتفاق على شريحة من اللبنانيين مرير ومؤلم إلى أبعد حد. لكن من السذاجة القول إن هناك من لم ير فيه "انتصارا سياسياً" له. تلك حقيقة الانقسام اللبناني. حتى وقت قريب، كان يمكن تفهّم ذهاب السلطة إلى المفاوضات مرغمةً بسبب شراسة العدوان الإسرائيلي، وأنها اختارت أهون الشرّين للجم الإجرام الإسرائيلي، لكن سيبقى السؤال الذي سيبحث طويلاً عن إجابة له يتمحور حول ما الذي أجبرها على التوقيع على الاتفاق الإطاري بالصيغة التي خرج بها؟
يمكن للمرء أن يكون من أشد معارضي حزب الله ولا يتردّد في تحميله مسؤولية حرب الإسناد التي خاضها وما جرّته من تداعيات كارثية على لبنان، والجنوب خصوصاً، لكن كل ذلك لا يمكن أن يبرر كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تذهب باتجاه اتفاق مذل كهذا. وإذا كان من مشهد يمكن أن يلخّص مدى سوء هذا الاتفاق، ويختصر على البعض محاولة التهرب والتلعثم عند تبريره، فإنه تكفي الإحالة إلى التصريحات الإسرائيلية وحجم الاحتفاء بالاتفاق لمعرفة مدى خطورته على لبنان.
وقّع المفاوضون على اتفاق لا يتضمن عبارة انسحاب إسرائيلي والتُفّ عليها بعبارات من قبيل إعادة انتشار، ومن دون أي جدول زمني، ليشرّع أمام الاحتلال البقاء أشهراً أو سنوات. كما وقعوا على اتفاق خلاصته التي لا تقبل أي تأويل ممجوج أنه يلبي الأولويات الأمنية الإسرائيلية على حساب لبنان، ويضع الحكومة نفسها والجيش تحت وصاية أميركية وإسرائيلية بإلزامه الحكومة "بتنفيذ صارم قائم على الأداء يهدف إلى تمكين القوات المسلحة اللبنانية من بسط السيطرة العسكرية والأمنية الكاملة داخل لبنان، وفقاً للترتيبات الأمنية التي يتم الاتفاق عليها في إطار المفاوضات" وكأننا أمام اتفاق قائم على تجميع النقاط، كلما حققت مطلباً إسرائيلياً أميركياً نالت الحكومة إشادة وجائزة ترضية هناك أو هناك.
ما لا يقل خطورة السماح بأن يبرَر العدوان في الاتفاق والموافقة على بند يفيد بأنه "تؤكد حكومة دولة إسرائيل أن عملياتها العسكرية في لبنان جاءت حصراً نتيجة للهجمات والتهديدات والنيات العدائية الصادرة عن الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، لا سيما حزب الله"، ليتبنى المفاوضون سردية الاحتلال، ولتكتمل الخطيئة بالتوقيع على بند يتضمن "وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية". رئيس الحكومة نواف سلام سبق أن رأس محكمة العدل الدولية، ويفترض أنه يفقه أن أخطر ما تواجهه إسرائيل بعد حرب إبادة غزة العزلة الدولية والمحاكمات التي تلاحق مسؤوليها. فكيف مرّ بند كهذا؟
لطالما كان حصر السلاح بيد الدولة واحتكار قرار الحرب والسلم مطلباً ينادي به طيف واسع من اللبنانيين، وأن هذا يتطلب عاجلاً أم آجلاً معالجة قضية حزب الله وسلاحه، بكل ما فيها من تعقيدات داخلية وإقليمية. ولم يؤد حزب الله طيلة السنوات الماضية أي دور مساعد، وتلك حقيقة أيضاً، لكن يصعب فهم قبول السلطة باتفاق إذعان على هذا النحو يحمل قائمة لا تنتهي من التنازلات المجانية وليس حتى بثمن بخس. وهي إن كانت تريد أن تثبت أنها سيّدة نفسها وقرارها، وأنها تفاوض حصراً باسم لبنان واللبنانيين، بعيداً عن مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، فإن الصيغة التي خرج بها الاتفاق توحي بالعكس وبأنها فشلت في تحقيق اتفاق لصالح لبنان واللبنانيين.