اتفاقية "نيو ستارت" تحت اختبار التمديد

06 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 23:03 (توقيت القدس)
خلال عرض عسكري في موسكو، 7 مايو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اتفاقية "نيو ستارت": وُقعت في 2010 بين الولايات المتحدة وروسيا للحد من الرؤوس الحربية النووية، وتم تمديدها في 2021 لمدة خمس سنوات لتعزيز الأمن الأمريكي.

- التحديات والمفاوضات: فشلت الولايات المتحدة في تمديد الاتفاقية خلال إدارة ترامب، وعلقت روسيا مشاركتها في 2023 وسط التوترات الأوكرانية، مما زاد من مخاطر المواجهة النووية.

- مخاطر وآفاق المستقبل: انتهاء الاتفاقية يثير مخاوف من سباق تسلح نوعي، مع تركيز على أنظمة الإطلاق المتقدمة، ويؤكد الخبراء على أهمية تجديدها لمناقشة العقيدة النووية للطرفين.

يعود توقيع اتفاقية "نيو ستارت" بين الولايات المتحدة وروسيا في مدينة براغ إلى عام 2010، من قِبل الرئيسين حينها، الأميركي باراك أوباما

والروسي دميتري ميدفيديف. وقد حملت اسماً رسمياً لها: "تدابير زيادة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها". وفي التفاصيل تتعلق الاتفاقية بالحد من عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يمكن للبلدين نشرها. وجوهرها الأساسي الحد من تسلّح روسيا، الدولة الوحيدة القادرة على تدمير أميركا.

تعد اتفاقية "نيو ستارت" آخر عملية لمراقبة الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو، وجاءت إثر معاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية لعام 2002 التي انتهى العمل بها مع دخول الاتفاقية الجديدة حيز التنفيذ عام 2011. ومنذ ذلك الحين خضعت للشد والجذب، وفي كل مرة ينتهي أجلها، ويجري الحديث عن تمديدها، تستنفر واشنطن وموسكو من أجل تحسين شروط كل منهما تبعاً للتطورات الدولية ومستوى العلاقات الثنائية.

 أخطأت إدارة ترامب الأولى في تقدير درجة اهتمام موسكو بتمديد المعاهدة 


ومرت الأعوام العشرة الأولى من عمر اتفاقية "نيو ستارت" من دون تجاذبات كثيرة، ولم تنسحب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب

الأولى منها، حين وصل إلى البيت الأبيض عام 2017. ومع ذلك، فشلت في تمديدها لمدة تصل إلى خمس سنوات، حينما عرض الجانب الروسي التمديد الكامل. وبدلاً من الموافقة، أخطأت إدارة ترامب في تقدير درجة اهتمام موسكو، وطالبت بشروط للتمديد لمدة عام واحد، وهو ما رفضته روسيا، وانهارت على أثره المفاوضات أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2020.

رحل ترامب ولم يقم بالمهمة، وتركها لخلفه جو بايدن، الذي مددت إدارته معاهدة "نيو ستارت" في عام 2021 لمدة 5 سنوات، بعد أن أدرك بايدن أن الحد من التسلح يمكن أن يساهم في أمن الولايات المتحدة. وعلى هذا الأساس وافق على التمديد، وكان هدف إدارته تجاوز ذلك، والتفاوض على مزيد من التخفيضات للأسلحة النووية. واستمر هذا الوضع حتى عام 2023، عندما أعلنت روسيا عن تعليق المشاركة بالاتفاقية، بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وموقف إدارة بايدن الداعم لكييف. وجاء ذلك وسط تصعيد لهجة روسيا من خطر نشوب صراع نووي باعتباره حقيقياً، وقالت إنه ينبغي عدم الاستهانة به، لكن يجب تجنبه بأي ثمن. وزادت المخاوف من حدوث مواجهة نووية منذ الحرب الروسية على أوكرانيا، وهو ما بدا واضحاً في خطابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

، إذ ذكّر العالم عدة مرات بحجم ترسانة موسكو وقوتها، وأبدى استعداده لاستخدام كل الوسائل الضرورية للدفاع عن "وحدة أراضي" روسيا.

آخر المعاهدات النووية

بقيت اتفاقية "نيو ستارت" الوحيدة بين الولايات المتحدة وروسيا لمراقبة الأسلحة النووية، بعد انسحابهما عام 2019 من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى الموقعة بينهما عام 1987. ومع نهاية المهلة القانونية للاتفاقية أول من أمس الخميس، يوم 5 فبراير/شباط الحالي، برزت مؤشرات على استئناف الحوار بشأنها، مثل تصريحات عن تحقيق "تقدم مثمر وبنّاء" في محادثات السلام الأوكرانية في أبو ظبي، والتي أوفد إليها الرئيس الأميركي مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، خلال الأيام الماضية. ودعا ترامب أول من أمس الخميس، إلى إبرام "معاهدة جديدة محسّنة ومحدّثة" مع روسيا. وكتب على منصته للتواصل الاجتماعي تروث سوشال أنّه بدلاً من تمديد معاهدة "نيو ستارت" ينبغي أن "نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسّنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل". وأشار إلى أن المعاهدة "تم التفاوض بشأنها على نحو سيئ أميركياً (في عهد باراك أوباما)، وانتُهكت بشكل فاضح".

وحددت اتفاقية "نيو ستارت" للولايات المتحدة وروسيا ما لا يزيد عن 700 صاروخ باليستي عابر للقارات (ICBM)، وصواريخ باليستية تطلق من الغواصات (SLBM) وقاذفات ذات قدرة نووية، فضلاً عمّا لا يزيد عن 1550 رأساً حربياً استراتيجياً منتشراً، وهي أدنى المستويات منذ الستينيات. كما تُرسخ أحد أكثر أنظمة التحقق شمولاً على الإطلاق، بما في ذلك عمليات التفتيش الميدانية، وتبادل البيانات المستمر، والإخطارات الحكومية المتبادلة بشأن تجارب الصواريخ، وتحركات الأسلحة، والتغييرات التي تطرأ على القوات النووية. وساهم تمديد معاهدة "نيو ستارت" في تقييد القوات الاستراتيجية الروسية حتى الآن، فيما تضمنت إجراءات التحقق استمرار الجيش والاستخبارات الأميركية في تلقي معلومات مهمة حول القوات الروسية بما في ذلك أنواع جديدة من الأسلحة الاستراتيجية الروسية التي لا تغطيها الاتفاقية، مثل طوربيد يعمل بالطاقة النووية ومسلح نووياً.

لكن، هناك قضايا مطروحة للمراجعة، هي ما إذا كان ينبغي على واشنطن أن تجعل ردع أي هجوم نووي على الولايات المتحدة وحلفائها هو الهدف الوحيد للأسلحة النووية الأميركية. أيد بايدن هذه الفكرة في الماضي، على الرغم من أن تبنيها يجب أن يتبع فقط التشاور مع حلفاء الولايات المتحدة، وعلى إدارة ترامب فحص ذلك من جديد. يتطلب ذلك مراجعة الوضع النووي للقوات الاستراتيجية الأميركية الحالية والمخطط لها. وكانت وزارة الدفاع الأميركية تعتبر أن نشر حوالى ألف رأس حربي استراتيجي سيكون كافياً. هل هذا التقدير لا يزال صالحاً اليوم؟ يشكك العديد من الخبراء في ذلك، ويقترحون سحب الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. كما يشمل إجراء المراجعة العقيدة النووية للطرفين، والقوات النووية الاستراتيجية، والأسلحة النووية غير الاستراتيجية، والدفاع الصاروخي، وأنظمة الضربات التقليدية بعيدة المدى الموجهة بدقة، والأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، والقوات النووية للدول الثالثة. ويمكن أن تنظر المحادثات أيضاً في كيفية تأثير التطورات في الفضاء والعالم الإلكتروني على الاستقرار الاستراتيجي.

يرى مراقبون أنه من خلال توفير الشفافية بشأن أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، قلّلت اتفاقية "نيو ستارت" من خطر إساءة تفسير أي من الطرفين للنشاط العسكري العادي على أنه استعداد لضربة نووية، وذلك في وقت تعتمد بشكل أقل على تصاعد المخاطر وأكثر على الإشارات السياسية المتعمدة. وبالتالي، لا يظهر الحدّ من التسلح إلّا عندما يرغب الطرفان في تبادل إشارات حسن النية لأنهما يريان فائدة في تعزيز تعاونهما في مجالات تتجاوز الحد من التسلح. ومن الضروري الأخذ في عين الاعتبار، أنّ ازدياد خطر اندلاع نزاع لا يدفع الدولتين، في حد ذاته، إلى طاولة مفاوضات الحد من التسلح، فالمسألة أعقد من ذلك حين يتعلق الأمر بواشنطن وموسكو، وطبيعة العلاقات بينهما.

ورغم أجواء التفاؤل لا يبدو أن تمديد الاتفاقية سيسير بسهولة، في ظل المناخ الدولي الحالي الذي يمر في لحظة توتر جيوسياسي غير مسبوقة، والناجم عن تداعيات حرب روسيا على أوكرانيا، ووصول العلاقات الأميركية الروسية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، والتوترات بين الصين والولايات المتحدة، وتطورات الوضع في إيران، وتوسع قوى نووية أخرى في قدراتها مثل كوريا الشمالية. ويمكن أن يصبح الخطر النووي نفسه أداة يستخدمها أحد الطرفين للضغط على خصم أكثر حذراً من خلال استغلال مخاوف التصعيد، أو سباق تسلح غير منضبط. ومثال ذلك أنّ روسيا استخدمت الخطاب النووي والغموض النووي جزءاً من استراتيجيتها الحربية لترهيب الحكومات الغربية والحد من الدعم الغربي لأوكرانيا.

مخاطر انتهاء معاهدة "نيو ستارت"

وفي ظل هذا المناخ، لم تكن موسكو مهتمة بعمليات التفتيش أو الشفافية. ومن دونها، توقفت المعاهدة فعلياً عن العمل. هناك أسئلة كثيرة مطروحة حول المخاطر المرتبطة بانتهاء صلاحية الاتفاقية، وعدم توصل الطرفين إلى اتفاق من أجل تمديدها، وإمكانية بدء البلدين في بناء المزيد من الأسلحة النووية، ومدى سرعة ذلك. لكن الخطر الرئيسي لا يكمن في زيادة الأعداد (الأسلحة) فحسب، بل في عدم الاستقرار، خصوصاً أن الطرفين يعملان على تطوير أنواع جديدة من أنظمة الإطلاق التي لا تندرج ضمن فئات الحد من التسلح التقليدية.

ويمكن لهذه الابتكارات أن تخلق وهماً بأن أحد الطرفين قد يحقق تفوقاً، مما يُضعف الردع ويعزز الاعتقاد بإمكانية إدارة الأزمات أو استغلالها. وهناك مواقف تاريخية، ساد فيها الاعتقاد في أحد المعسكرين بأن الردع يتآكل، وكانت هي اللحظة الأخطر، كونها شجعت على المجازفة، وسياسة حافة الهاوية، وإغراء اختبار الحدود بدلاً من الحفاظ عليها.

في حال عدم تمديد "نيو ستارت" المرجح ليس زيادة عددية هائلة في إنتاج الأسلحة، بل سباق تسلح نوعي

في حال عدم التمديد، المرجح في المدى القريب ليس زيادة عددية هائلة في إنتاج الأسلحة، بل سباق تسلح نوعي، يعتمد على تركيز أكبر على أنظمة الإطلاق فرط الصوتية، والدفاعات الصاروخية، وقدرات مكافحة الفضاء، وأنظمة القيادة والسيطرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وبإمكان روسيا زيادة عدد رؤوسها الحربية المنتشرة بسرعة نسبية عن طريق إضافة رؤوس حربية إلى صواريخها الحالية، وهي عملية قد تستغرق من أشهر إلى بضع سنوات.أما بناء أنظمة إطلاق جديدة كلياً فيستغرق وقتاً أطول، عادةً من خمس إلى عشر سنوات، بينما تواجه الولايات المتحدة قيوداً صناعية أكبر، ما يعني أن أي توسع واسع النطاق سيستغرق سنوات، مع ذلك، باحتياطي كبير من الرؤوس الحربية غير المنتشرة التي يُمكن إعادة نشرها لاحقاً.

ويرى خبراء أوروبيون أن الأهم من ذلك هو أن مفاوضات تجديد اتفاقية "نيو ستارت" ستوفر فرصة مهمة لمسؤولي البلدين لمناقشة العقيدة النووية، في ظل اعتقاد البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) أن روسيا تبنت عقيدة "التصعيد لخفض التصعيد" التي تخفض العتبة النووية. ويمكن لعناصر مراجعة الموقف النووي لإدارة ترامب، مثل الرأس الحربي منخفض القوة لصواريخ ترايدنت SLBM، أن توحي لموسكو بأن الجيش الأميركي يخفض عتبته النووية. وفي الأحوال كافة، يشترك البلدان في مصلحة فهم، متى وتحت أي، ظروف قد يفكر الطرف الآخر في استخدام الأسلحة النووية.