اتفاقية مكة تربك حسابات الصين

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
مسيّرة "وينغ لونغ"، تشوهاي، جنوبي الصين، 15 نوفمبر 2024 (Getty)

يبدو أن اتفاقية مكة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان باتت تربك الحسابات الاستراتيجية للصين، فمن جهة ترحب بكين بتآكل احتكار الولايات المتحدة للأمن في منطقة الخليج العربي، إذ يُعزز تحالف دفاعي مكتفٍ ذاتياً يضم قوى إقليمية كبرى رؤية الصين لنظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث تتولى الجهات الفاعلة الإقليمية إدارة الأمن الإقليمي.

أيضاً وفق المنظور الصيني، فإن استقرار البحر الأحمر والخليج العربي من شأنه أن يحمي طرق التجارة البحرية وخطوط الطاقة الحيوية في إطار مبادرة الحزام والطريق. لكن من جهة أخرى، فإن المخاطر لا تقلّ خطورة، وأبرزها خطر زعزعة التوازن الدبلوماسي الدقيق للصين في الشرق الأوسط، وتحديداً شراكتها الاستراتيجية مع إيران. فقد اعتمدت بكين بشكل كبير على النفط الإيراني، وأمضت سنوات في ترسيخ مكانتها بوصفها وسيطاً محايداً، وتجلى ذلك في وساطتها في التقارب السعودي الإيراني عام 2023. غير أن اتفاقية مكة قد تُضيّق هامش المناورة أمام الصين، فإذا ما اندلعت أعمال عدائية بين تحالف اتفاقية مكة وإيران، فإن بكين تُخاطر بأن تُجبَر على الاختيار بين مورديها الرئيسيين للطاقة وأقرب شركائها في جنوب آسيا.

وترسّخ اتفاقية مكة التزاماً دفاعياً، إذ يُعتبر أي هجوم مسلح على أحد الأطراف بمثابة اعتداء على جميع الأطراف. واستناداً إلى اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية الموقّعة في سبتمبر/ أيلول الماضي، يربط هذا الترتيب الثلاثي بين رأس المال المالي لدولة خليجية، والقوة الصناعية والعسكرية لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والقدرة العملياتية لدولة جنوب آسيوية تمتلك أسلحة نووية.

اتفاقية مكة تمثل تحدياً لطموحات الصين

ورأى خبراء صينيون أن اندماج رأس المال السعودي والتكنولوجيا العسكرية التركية والقوى العاملة الباكستانية يخلق كتلة دفاعية مستقلة مصممة لردع التهديدات من دون التنازل عن السيادة للقوى العظمى. وفي هذا السياق، ووفق التقديرات الصينية، فإن الاتفاقية تمثل أيضاً تحدياً لطموحات الصين في مجال الصناعات الدفاعية، إذ تتنافس طائرة "كان" التركية من الجيل الخامس، ومنظومة الطائرات المسيّرة المتطورة، بشكل مباشر مع الصادرات الدفاعية الصينية، مثل مقاتلة "إف سي-31" الشبحية وطائرات "وينغ لونغ" المسيّرة، لا سيما في أسواق باكستان والخليج. كما تنظر بكين بحذر إلى النفوذ الاستراتيجي التركي المتنامي في جنوب آسيا، متخوفةً من تأثير أنقرة على طول محيط الصين الغربي.

تحولات في سياسات بكين

وقال الباحث في دراسات الشرق الأوسط في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية ماو يانغ، في حديث مع "العربي الجديد"، إن اتفاقية مكة تلزم الصين بإعادة النظر في استراتيجيتها المرتبطة بالشرق الأوسط، وقد يستدعي ذلك تحولاً في السياسات لتجاوز دور الماكينة التي تحرك عجلة الاقتصاد، إلى قوة دبلوماسية فاعلة، قادرة على التأثير على صنّاع القرار بما يضمن مصالحها الأمنية والتجارية وضمان تدفق إمدادات الطاقة.


ماو يانغ: اتفاقية مكة تلزم الصين بإعادة النظر في استراتيجيتها المرتبطة بالشرق الأوسط


وأضاف أن هذه المتطلبات ستفرض على بكين المزيد من الحذر بشأن النزاعات العسكرية في المنطقة، وبالتالي قد يترتب على ذلك لعب دور أكبر في مسألة الوساطة وتحييد الصدامات التي قد تفضي إلى مواجهات مباشرة. ولكن هذا لا يعني إهمال الروابط الاقتصادية، ولا يمكن أن يأتي على حساب المشاريع الصينية الضخمة في المنطقة، ضمن مبادرة الحزام والطريق، لأنه كلما تم ربط اقتصادات هذه الدول بالصين، كلما كان لبكين دور أكبر في الحفاظ على الأمن والاستقرار.

ولفت ماو يانغ إلى أن الصين تتلقف جيداً، في المسار ذاته، الثمار التي تأتي بها اتفاقية الدفاع المشتركة، وفي مقدمتها إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط خارج التصورات الأميركية، وهذا بطبيعة الحال يخدم رؤية بكين لعالم متعدد الأقطاب، باعتبار أن الاتفاقية مؤشر إلى نهاية حقبة أمنية سيطرت على دول المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. وتابع: من الجيد بالنسبة للصين أن ترى دولاً تعد حليفة لواشنطن تتحرك خارج المدار الأميركي في سعيها لضمان أمنها ومصالحها الاستراتيجية الخاصة.


إعلام صيني: موقف بكين الرسمي سيظل براغماتياً وداعماً بحذر للشراكة الدفاعية


وفي حديث سابق لـ"العربي الجديد"، حول التحالف الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، رأى أستاذ العلاقات الدولية في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية جيانغ لي، أن التحالفات الدفاعية المشتركة تعكس مخاوف الحلفاء، سواء في منطقة الخليج العربي أو في شرق آسيا وجنوبها. وقال إن بعض الأطراف في التحالفات الأمنية الإقليمية لديها علاقات جيدة مع الصين، مثل باكستان، والسعودية، وهذا يمنح بكين اندماجاً غير مباشر في شراكات طويلة الأمد تقوم على أساس التعاون الأمني والعسكري، ويشمل ذلك صفقات الأسلحة ومعسكرات التدريب. وأضاف أن تراجع المظلة الأمنية الأميركية يمثل فرصة لبكين من أجل تعزيز وجودها العسكري وتوسيع نفوذها في محيطها، والتركيز بصورة أعمق على تطوير ترسانتها الصاروخية، وتحديث قطاعات الجيش الصيني والتنسيق في ما بينها، بما في ذلك القوات البحرية والقوات الجوية، ووحدة الدعم الاستراتيجي.

إلى ذلك، قالت وسائل إعلام صينية إن موقف بكين الرسمي سيظل براغماتياً وداعماً بحذر للشراكة الدفاعية، وأنها ستؤيد المبادرة تحت شعار السيادة الإقليمية على الأمن وعدم التدخل، مشجعةً الدول الموقعة على اتفاقية مكة على الحفاظ على الاستقرار دون تدخل غربي. وعلى الصعيد غير الرسمي، سيعمل الدبلوماسيون الصينيون على ضمان عدم تحول التحالف إلى كتلة معادية لإيران بشكل صريح، ما قد يشعل فتيل صراع إقليمي أوسع.

شريف (يمين)، بن سلمان (وسط) وأردوغان في مكة، 7 أغسطس 2026 (رويترز)
تقارير عربية
التحديثات الحية