إيطاليا: قضية الجنرال الليبي أسامة نجيم تتدحرج في وجه ميلوني مع تجاهل مذكرة المحكمة الجنائية الدولية
استمع إلى الملخص
- تسبب الإفراج عن نجيم في غضب سياسي وقضائي، حيث يحقق المدعي العام في روما مع ميلوني ووزرائها، وتواجه ضغوطاً من المعارضة التي تطالب بإقالة بعض الوزراء، مما يهدد استقرار الحكومة.
- تزايدت الدعوات لفتح ملفات الاتفاقيات الإيطالية الليبية، خاصة المتعلقة بوقف الهجرة، حيث يُعتقد أن هذه الاتفاقيات قد تكون وراء عدم تسليم نجيم للمحكمة الجنائية الدولية.
باتت تداعيات إطلاق سراح الجنرال الليبي المثير للجدل أسامة نجيم المعروف بـ"المصري" والمتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تتسع أكثر بالنسبة للحكومة الإيطالية برئاسة المتشددة جيورجيا ميلوني، من حزب إخوة إيطاليا شبه الفاشي. وبدأت القضية في الثامن عشر من يناير/كانون الثاني أثناء مباراة كرة قدم في تورينو بين يوفنتوس وغريمه ميلان، إذ كانت وحدة مكافحة الإرهاب الإيطالية "ديغوس" تراقب عن كثب من بين أكثر من أربعين ألف مشجع، مجموعة من المشجعين الليبيين الذين وصلوا إلى إيطاليا بنفس اليوم من خلال سيارة مستأجرة تحمل لوحة ترخيص ألمانية.
وكان من بين المجموعة الليبية المسؤول الشرطي الليبي المثير للجدل أسامة نجيم المعروف بـ"المصري"، والصادرة بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، إذ ألقي القبض عليه بداية من فندقه في تورينو بعد انتهاء المباراة، لكن سرعان ما تدحرجت قضيته بعنوان "قضية المصري" (Caso Almasri) بعد تجاهل السلطات مذكرة الإنتربول ومعاهدة روما لتوقيف المطلوبين للجنائية الدولية للتحقيق معهم في ما ينسب إليهم من اتهامات.
وتوجه المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي اتهامات لنجيم بقيامه "بتعذيب السجناء وإطلاق النار عليهم والاعتداء عليهم جنسياً وضربهم حتى الموت بشكل منهجي في السجن، وإصداره أوامر لحراس السجن بالقيام بنفس الشيء"، وغيرها من تهم. واستعانت وسائل الإعلام والمعارضة في روما بلوائح الاتهامات الخطيرة التي جاءت في تقرير صدر في 2018 عن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الظروف المروعة في السجن، مؤكدة أن التقرير شدد استنادا على روايات الشهود على وجود منهجية في "التعذيب والعنف الجنسي والعبودية وأن القتل جزء من الحياة اليومية في السجن".
ما كان متوقعاً على المستويين القضائي والسياسي هو استجابة الحكومة لمذكرة الإنتربول، لكن ما جرى أنه وبعد أربعة أيام فقط من توقيف نجيم أطلق ورُحل "رسمياً على نفقة الدولة الإيطالية"، كما قال زعيم حزب تحيا إيطاليا المعارض، ماتيو رينزي. واتهم رينزي ميلوني بـ"النفاق والتواطؤ"، وبأنه "لا يليق بها ترؤس حكومة البلد".
وبرر وزير داخلية ميلوني، ماتيو بيانتيدوسي، إطلاق نجيم وإعادته إلى ليبيا بأنه "شكل خطرا على المجتمع (الإيطالي)"، وفقا لما نقلت وكالة الأنباء الإيطالية (انسا). وذكرت وسائل إعلام إيطالية أن المدعين العامين لم يتبعوا الإجراءات القانونية اللازمة ما توجب الإفراج عن نجيم على الفور.
ميلوني في مواجهة كرة الثلج: أرفض الابتزاز
وأثار اعتقال نجيم وإطلاقه خلال 96 ساعة فقط، موجة غضب متواصل على المستويات السياسية والقضائية والإعلامية. إذ إن إيطاليا عضو مؤسس في المحكمة الجنائية الدولية، التي أنشئت بموجب معاهدة روما في عام 1998، وتلتزم كبقية الدول الأطراف في معاهدة روما باعتقال الأشخاص المطلوبين وتسليمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وقالت الأخيرة إنه لم يجر إخطارها ولا مشاورتها في قرار الإفراج.
ووصل الأمر إلى ذروته الثلاثاء الماضي، حين قرر المدعي العام في روما التحقيق مع ميلوني ووزرائها بشأن تعاملهم مع القضية، وأضاف قرار المدعي العام في رومافرانشيسكو لو فوي فتح تحقيق مع ميلوني ووزيري الداخلية والعدل أبعادا أخرى إلى محاصرة ميلوني، التي دافعت عن نفسها بالقول: "لن نخضع للابتزاز أو الترهيب من قبل القضاء".
وجاء قرار المدعي العام في وقت تواصل المعارضة البرلمانية استغلال القضية لإحراج ميلوني، حيث شدد رينزي، على أن تصرف ميلوني يعد "جنونا ولا يليق بإيطاليا"، فيما طالب بعض البرلمانيين بإقالة/استقالة وزير العدل كارلو نورديو، في تصرف أولي.
وبينما تصادمت ميلوني سابقا مع القضاء، حيث عطلت محاكم روما نهاية خريف 2024 نقل آلاف طالبي اللجوء المهاجرين نحو معسكرين فوق أراضي ألبانيا، فإن قضية نجيم تعد أكثر جدية في سياق تدحرج "كرة الثلج" في طريقها، إلى حد وصفها من بعض الخبراء كـ"زلزال سياسي".
ويبدو أن تزايد الدعوات إلى فتح ملف ما تحتويه اتفاقية 2017 بشأن وقف الهجرة من شواطئ ليبيا، وبمساهمة حثيثة من وزير الداخلية السابق وزميل ميلوني في التشدد القومي، ماتيو سالفيني، بات يقلق ميلوني وائتلافها، مع تزايد الاتهامات بأن روما متواطئة مع انتهاكات جسيمة بحق المهاجرين. وغير بعيد عن ذلك، رأى رئيس منظمة إنقاذ ركاب قوارب الهجرة في البحر الأبيض المتوسط "ميدتيرانيا لإنقاذ البشر"، لوكا كاساريني، أن عدم تسليم نجيم للجنائية الدولية وراءه خوف من "تكشف تواطؤ إيطاليا في الانتهاكات المنهجية التي يتعرض لها اللاجئون/المهاجرون".
ومؤخرا بدأت بعض وسائل الإعلام في روما النبش في اتفاقيات عقدت مع خفر السواحل والشرطة الليبية لمكافحة تهريب مهاجرين إلى جزرها المتوسطية. وتعتبر بعض الأحزاب أن الوقت حان لفتح ملفات "المصالح السياسية والتجارية الكبرى، بما في ذلك اتفاقيات الاستثمار والتطوير في مشاريع النفط والغاز". أما ميلوني فقد أظهرت تحديا، وقالت على موقعها في منصة إكس: "التزامنا هو بالدفاع عن إيطاليا، وسيستمر بدون تردد، وحين يكون أمن الأمة ومصالح الإيطاليين على المحك فلا مجال للتراجع عن الطريق الصحيح".
وتحاول ميلوني، بحسب ما تذهب المعارضة البرلمانية، ومن بينها يسار الوسط في الحزب الديمقراطي زعامة إيلي كلاين، رمي المسألة على بعض القضاة، والاكتفاء بالتصريح إنه يجري التحقيق (داخل حكومتها) مع وزيري العدل والداخلية ووكيل وزارة شؤون الاستخبارات، ألفريدو مانتوفانو. في المقابل، تتوعد بعض الأحزاب السياسية بإجبار حكومة ميلوني على كشف كل الأوراق أمام البرلمان ومجلس الشيوخ. ويشهد الثلاثاء القادم (4 فبراير/شباط) جلسة استماع برلمانية لكشف حيثيات "قضية المصري".
هل تؤثر قضية أسامة نجيم على ثقة الإيطاليين بميلوني؟
يمكن القول إن "قضية المصري" واقعيا لم تؤثر كثيراً في ثقة الشارع بميلوني، التي تتقدم في الاستطلاعات التي تزامنت مع اندلاعها وأجريت بين 22 و28 يناير/كانون الثاني، بنحو 47% على بقية الأحزاب بمن فيها ليغا (نحو 9%) والنجوم الخمس (11%)، ويحقق الحزب الديمقراطي (يسار الوسط بزعامة كلاين) أكثر من نحو 25%، وتصل شعبية أقصى اليسار إلى نحو 6.5%.