إقرار المشروع الأميركي بشأن غزة: وصاية ومخاوف من احتكاك قادم
استمع إلى الملخص
- مخاطر القرار على مستقبل غزة: أشار أحمد عطاونة إلى أن القرار يهدد بفصل غزة عن الحالة الوطنية الفلسطينية ويضعها تحت إدارة دولية، مما قد يؤدي إلى تهجير وتأخير الإعمار ونزع السلاح.
- التحديات الاستراتيجية والمرحلة المقبلة: أكد أحمد الطناني أن القرار يفرض وصاية دولية تهدد القيادة الفلسطينية، مشددًا على ضرورة حوار داخلي لمواجهة المخاطر وإعادة صياغة الواقع الميداني في غزة.
قرار مجلس الأمن ينطوي على خطورة عالية بشأن مستقبل قطاع غزة
مضامين القرار تكرّس فصل قطاع غزة عن الحالة الوطنية الفلسطينية
القرار يفرض وصاية دولية تتجاوز النظام السياسي الفلسطيني
نجح مجلس الأمن في تمرير مشروع القرار الأميركي 2803، الذي يدعم اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي جرى التوصل إليه وفق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنقاطها العشرين، وحصل المشروع على تأييد 13 دولة، بينما امتنع كلٌّ من روسيا والصين عن التصويت. ولم يحمل التصويت أي مفاجأة خصوصاً بعد البيان العربي الإسلامي الذي دعّم مشروع القرار الأميركي، بعد تعديلات جرت عليه مرتين قبل عرضه للتصويت، على الرغم من وجود مشروع قرار روسي مضاد لم يجر تمريره وعرضه.
وانتقدت حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" القرار، إذ قالت حماس إنّ القرار الذي صاغته واشنطن "لا يرتقي إلى مستوى مطالب وحقوق شعبنا الفلسطيني السياسية والإنسانية، ولا سيما في قطاع غزة، الذي واجه على مدى عامين كاملين حربَ إبادةٍ وحشية وجرائم غير مسبوقة ارتكبها الاحتلال الإرهابي أمام سمع وبصر العالم، ولا تزال آثارها وتداعياتها ممتدة ومتواصلة، بالرغم من الإعلان عن إنهاء الحرب، وفق خطة الرئيس دونالد ترامب".
أما حركة "الجهاد" فأعلنت رفضها القرار الأميركي لما يشكّله من وصاية دولية على قطاع غزة، نظراً إلى أنه يهدف إلى تحقيق أهداف لم يتمكن الاحتلال من إنجازها عبر حروبه المتكررة، وشددت على أن "حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة هو حقّ كفله القانون الدولي، ويشكل سلاح المقاومة ضمانةً لهذا الحق، لذا، فإن أي تكليف لقوة دولية بمهام تشمل نزع سلاح المقاومة يحوّلها من طرف محايد إلى شريك في تنفيذ أجندة الاحتلال".
درجة عالية من الخطورة
وقال مدير مركز رؤية للتنمية السياسية، أحمد عطاونة، إن قرار مجلس الأمن الأخير يحمل في ظاهره إشارات إيجابية تتعلق بوقف الحرب وتسهيل الإغاثة وفتح الباب أمام إعادة الإعمار على المدى البعيد، إلا أنه ينطوي في جوهره على "درجة عالية من الخطورة" بشأن مستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية عموماً. وأوضح عطاونة لـ"العربي الجديد" أن أخطر ما في القرار هو ما يحمله من مضامين سياسية "تكرّس عملياً فصل قطاع غزة عن الحالة الوطنية الفلسطينية"، ووضعه تحت "إدارة دولية أو وصاية قد تتطور إلى شكل من أشكال الاستعمار الدولي الجديد"، من خلال تجريده من أي صيغة سياسية فلسطينية جامعة.
وأضاف أن "التفويض يمتد لعامين فقط، لكن التجربة التاريخية تجعل هذا "المؤقت" مرشحاً للتحول إلى دائم، كما حدث في أوسلو التي كانت لخمس سنوات فقط، واليوم مرّ عليها أكثر من 32 عاماً من دون أن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم، بل توسّع الاستيطان وتفاقم الحصار والحروب". وأشار عطاونة إلى أن وضع القطاع تحت إدارة دولية، ومنح القوات الأجنبية صلاحيات أمنية واسعة، يفتح الباب أمام مخاطر متعددة، بينها التهجير الهادئ وطويل الأمد عبر التحكم بملف الإعمار وتأخيره، ما يدفع الفلسطينيين إلى الهجرة بفعل الضغط الإنساني.
ورأى أن البند المتعلق بنزع السلاح وربط انسحاب الاحتلال من أجزاء من القطاع بتحقيق هذا الشرط، إضافة إلى الإبقاء على شريط أمني يشكل ما بين 20 و25% من مساحة غزة تحت سيطرة الاحتلال هو أمر غاية في الخطورة. ولم يستبعد عطاونة أن تساهم هذه البنود في دخول القوات الدولية في صدام مباشر مع فصائل المقاومة، ما يجعل القرار بالغ الخطورة في حال تطبيقه، مؤكداً أنّ التاريخ يشهد على أن أكثر من 50 قراراً لمجلس الأمن وأكثر من 1000 قرار أممي بشأن فلسطين لم يُنفذ منها شيء تقريباً.
مخاطر استراتيجية
إلى ذلك، قال مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، أحمد الطناني، إن قرار مجلس الأمن الأخير يحمل مخاطر استراتيجية عميقة تمس جوهر القيادة الوطنية الفلسطينية، وتهدد الكثير من المنجزات التي راكمها الفلسطينيون عبر عقود من النضال والتضحيات، الأمر الذي يستدعي أعلى درجات اليقظة السياسية. وأضاف الطناني لـ"العربي الجديد" أن أخطر ما في القرار يتمثل في فرض وصاية دولية تتجاوز النظام السياسي الفلسطيني الرسمي، والسعي إلى إعادة تشكيل "نظام جديد منزوع الوطنية ومحيد الفعل"، على حد وصفه.
وأضاف أن استقدام قوات دولية، جوهر تفويضها يقوم على الإنفاذ، يعني عملياً احتكاكاً مباشراً مع السكان في قطاع غزة، وما قد يترتب على ذلك من توترات ميدانية وربما اشتباكات، مشيراً إلى أن النصوص المبهمة في القرار، إلى جانب تثبيت عناوين سياسية خطيرة، تؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج أهداف الحرب الإسرائيلية بصيغة دولية، هذه المرة عبر قرار صادر عن مجلس الأمن، ما يجعله "قيداً سياسياً" يضغط على الفاعلين الفلسطينيين في المرحلة المقبلة.
وتابع الطناني: "لا يمكن للفلسطينيين فتح مواجهة مع النظام الدولي بأسره، كما لا يمكنهم في الوقت ذاته منح القرار شرعية وطنية أو تبنيه"، مؤكداً أن المطلوب فلسطينياً هو حوار داخلي معمق يشخص هذه المخاطر بدقة، ويضع آليات للتعامل معها وتفكيكها تدريجياً. وفيما يتعلق بالمرحلة المقبلة، شدد مدير مركز عروبة على أنها ستكون مليئة بالتحديات، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً في كيفية إعادة صياغة الواقع الميداني في قطاع غزة، بما يشمل إدارة الاحتكاك اليومي مع المواطنين، وآليات فرض الأمن والنظام خلال المرحلة الانتقالية.
وبيّن الطناني أن الطبيعة العامة والفضفاضة للكثير من نصوص القرار تترك هامشاً يمكن استثماره في مسار تفاوضي، يحمل الموقف الفلسطيني الموحد إلى الدول العربية والإسلامية، وخاصة الدول الثماني المنخرطة في تفاصيل التطبيق، والتي لعبت دوراً محورياً في بلورة مبادرة ترامب والضغط باتجاه قبولها.