إقالة سيرسكي وآفاق الحرب والسلام بين أوكرانيا وروسيا

24 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
زيلينسكي يتوسط دراباتي وسيرسكي وخمارا، كييف، 22 يوليو 2026 (حساب زيلينسكي على إكس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت أوكرانيا تغييرات كبيرة في القيادة العسكرية، حيث أقال الرئيس زيلينسكي القائد العام للجيش وعين ميخايلو دراباتي خلفاً له، استجابة لضغوط الشارع واحتجاجاته، ضمن خطة لتحديث الجيش ومواجهة التحديات الروسية بفعالية أكبر.

- التغييرات شملت أيضاً استقالة رئيسة الوزراء وتعيين سيرغي كوريتسكي، مما يعكس رغبة زيلينسكي في تعزيز استقلالية الهيئات الحكومية وتحديث الجيش باستخدام التكنولوجيا والطائرات المسيّرة.

- يواجه القائد الجديد دراباتي تحديات في تحديث استراتيجية الدفاع الأوكرانية، مع اعتماد كبير على الدعم الغربي، حيث تسعى كييف لتحقيق تسوية تُعتبر انتصاراً رغم التحديات الاقتصادية والسياسية.

أجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

، الثلاثاء الماضي، أكبر تغيير في القيادات العسكرية للجيش والأركان منذ إقالة القائد العام السابق للجيش الأوكراني فاليري زالوجني في 2024، بإقالة القائد العام للجيش أولكسندر سيرسكي، وتعيين ميخايلو دراباتي خلفاً له. وفي حين ينظر إلى قرار زيلينسكي على أنه رضوخ للشارع في أوكرانيا تحت ضغط الاحتجاجات للمرة الثانية في أقل من عام، من غير المستبعد أن تكون التغييرات جزءاً من خطة شاملة لإنهاء شكل القيادة السابق، وتسليم مسؤولية خوض الحرب بمواجهة روسيا إلى جيل جديد.

جاء القرار الأخير بعد أيام من احتجاجات مؤيدة لوزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف المُقال أخيراً، والذي اتهم سيرسكي بعرقلة خططه لتحديث الجيش. علماً أن زيلينسكي كان قد تراجع الصيف الماضي، على وقع احتجاجات في البلاد وانتقادات من الاتحاد الأوروبي، عن قانون أقره البرلمان وصادق هو عليه، يُخضَع بموجبه كل من هيئة مكافحة الفساد الوطنية الأوكرانية ومكتب المدعي العام المتخصص في مكافحة الفساد إلى المدعي العام المعيّن من قبل الرئيس، وذلك بتصديقه على قانون يعيد استقلالية الهيئتين.

وقد شملت التغييرات في السلطة خلال الأسبوع الماضي، إلى جانب إقالة سيرسكي وفيدوروف (كلّف زيلينسكي يفغيني خمارا قائماً بالأعمال خلال الفترة المقبلة، وهو رئيس جهاز الأمن الأوكراني "أس بي يو")، موافقة البرلمان على استقالة رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو، بعد ​عام واحد من توليها المنصب، بناء على ‌طلب من زيلينسكي. كذلك وافق البرلمان على تعيين سيرغي كوريتسكي، الرئيس التنفيذي لشركة نافتوغاز الحكومية، ​في منصب رئاسة الوزراء، بعد ترشيحه من قبل الرئيس الأوكراني. 

القيادات الجديدة تؤمن بضرورة تكثيف توظيف المزايا التكنولوجية لتحقيق النصر

من جهة أخرى من المنتظر أن تكشف الوظيفة الجديدة (لم تحدد بعد) لفيدوروف، الذي أقيل بعد ستة أشهر فقط من توليه منصبه والمعروف بأنه "عراب" التوسع في استخدام المسيّرات، عن رؤية القيادة الجديدة لطبيعة الحرب مستقبلاً. ورغم أن القيادات الجديدة تؤمن بضرورة تكثيف توظيف المزايا التكنولوجية لتحقيق النصر، وتتوافق مع شعار "المعركة بالطائرات المسيّرة لا بالبشر" الذي رفعه المتظاهرون في كييف خلال الأسبوع الأخير، فإن التحدي الأكبر يكمن في توظيف التفوّق التقني الأوكراني لمواصلة صدّ الهجوم البري الروسي. والأهم الحفاظ على المزايا التكنولوجية والتكتيكية التي اكتسبتها أوكرانيا أخيراً وتعزيزها، واستخدام هذا التفوق لإيجاد طريق للسلام بشروط مقبولة.

دراباتي ناقص فيدوروف

عيّن زيلينسكي، في خطاب تلفزيوني ألقاه في وقت متأخر الثلاثاء الماضي، دراباتي رئيساً للقوات المسلحة الأوكرانية، والأخير سيتولى الإشراف على إعادة تنظيم الهيكل القيادي للجيش. وأثنى زيلينسكي على دور سيرسكي في قيادة الدفاع عن كييف وشن هجوم مضاد داخل مقاطعة كورسك الروسية في صيف عام 2024، وهي العملية التي شهدت دخول دبابات أجنبية إلى الأراضي الروسية للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. وشدد على أن "الدفاع عن أوكرانيا مستمر، ويستحق كل جندي أن يعامل باحترام". وجاءت قرارات زيلينسكي قبل ثلاثة أيام من يوم الجمعة؛ الموعد النهائي الذي حدده المحتجون لإعادة فيدوروف إلى منصبه، متوعدين بتنظيم "احتجاجات مفتوحة" في حال تجاهل مطلبهم. وقال زيلينسكي: "عرضت على ميخايلو (فيدروف) منصباً بارزاً في الحكومة يتيح له توحيد القطاع التكنولوجي في بلادنا وضمان تطوره"، ولكنه لم يكشف تفاصيل إضافية.

وتشير ردات الفعل الشعبية إلى أن زيلينسكي استطاع امتصاص غضب الشارع من دون تلبية كامل المطالب. والأرجح أن تصريحات فيدوروف بعد تعيين دراباتي يمكن أن تسهم بتهدئة حركة الشارع، إذ رحب فيدوروف بتعيين دراباتي، مشيراً إلى أن "هذه الخطوة تضفي نفساً جديداً وتبعث أملاً متجدداً في نضال الأحرار من أجل الحرية والعدالة. إنها صوت للتغيير لم يكن ممكناً تجاهله". وشدد فيدروف على أنه "لا بد من تلبية التوقعات العالية للشعب الأوكراني من خلال رؤية واضحة لإنهاء حرب الاستقلال، وفريق عمل قوي، وإجراءات حاسمة تهدف إلى إنقاذ حياة جنودنا، وأتمتة العمليات (استخدام الذكاء الاصطناعي) على خط المواجهة، وتوجيه ضربات غير متكافئة، وشل الاقتصاد الروسي".

دراباتي ومهمات صعبة

قال زيلينسكي، الأربعاء الماضي، إنه اتفق مع دراباتي على مواصلة الهجمات الأوكرانية باستخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى ضد أهداف داخل روسيا، مثل مصافي النفط. كما ذكر أن القائد العام الجديد سيتولى مهمة تحديث استراتيجية الدفاع في البلاد وإصلاح هيكليتها. في غضون ذلك تبرز قضية ملحة أخرى تتمثل في التعبئة العسكرية، وذلك في وقت لم يعد فيه سوى عدد قليل من الأوكرانيين مستعدين للتطوع، بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب. وذكر موقع "بابيل" الأوكراني أن دراباتي أحد أكثر القادة الميدانيين كفاءة في أوكرانيا، مشيراً إلى أن مهامه الجديدة ستتمحور بشكل أساسي حول إصلاح مؤسسة ضخمة، بدلاً من قيادة القوات في العمليات القتالية المباشرة. وشغل دراباتي، وهو برتبة لواء، منصب قائد مجموعة القوات المشتركة الأوكرانية، ويخوض مواجهات ضد روسيا منذ محاولتها عام 2014 السيطرة على منطقة دونباس شرقي أوكرانيا. واكتسب شهرة واسعة على المستوى الوطني عندما قاد مركبة قتالية للمشاة واقتحم بها حاجزاً أقامه متمردون موالون لروسيا في مدينة ماريوبول جنوب شرقي البلاد.

 

يعد دراباتي  قائداً شاباً يتمتع بخبرة واسعة ويملك سجلاً حافلاً بالنجاحات والأخطاء

ودراباتي (43 عاماً) قائد شاب، لكنه يتمتع بخبرة واسعة، إذ شغل مناصب عملياتية في هيئة الأركان العامة وأخرى قيادية ميدانية. ونظراً لأن المسؤوليات الملقاة على عاتقه في أي من تلك المناصب السابقة كانت أقل حجماً مقارنة بالمنصب الذي يتولاه حالياً، تبرز مخاوف من قدرته على وضع استراتيجية حربية شاملة. يملك الرجل سجلاً حافلاً بالنجاحات والأخطاء، فبعد نجاحه في صد التقدم الروسي في منطقة خاركيف شمال شرقي أوكرانيا صيف عام 2024، عُين قائداً للقوات البرية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وهو منصب جعله مسؤولاً عن نظام مراكز التجنيد والتعبئة المكلف بضبط "التجاوزات" في عمليات التعبئة. وفي يناير/ كانون الثاني 2025، ومن دون التخلي عن منصبه السابق، تولى أيضاً قيادة مجموعة "خورتيتسيا"، التي كانت آنذاك أكبر تشكيل عسكري في القوات المسلحة الأوكرانية، والمسؤولة عن الدفاع عن منطقة دونباس على امتداد جبهة تمتد من منطقة خاركيف إلى منطقة دنيبروبتروفسك جنوبي شرقي أوكرانيا.

كذلك نظم دراباتي الهجمات المضادة في ضواحي مدينة بوكروفسك في منطقة دونيتسك بشرقي أوكرانيا، ما أدى إلى وقف التقدم الروسي نحو المدينة. غير أنه أخفق لاحقاً في توقع بدء الهجوم الروسي في مايو/أيار 2025، وكذلك في تحديد اتجاه الهجوم الرئيسي الذي تركز في القطاع الواقع بين مدينتي بوكروفسك وكوستيانتينيفكا بدونيتسك. وفي يونيو/حزيران من العام الماضي، أُعفي من مناصبه، واستقال رسمياً عقب ضربة روسية استهدفت ميدان تدريب أوكرانياً وأسفرت عن خسائر بشرية فادحة. لكن لم تُقبل استقالته، ونقل في أكتوبر/تشرين الأول إلى قيادة تشكيل عسكري جديد في منطقة خاركيف.

طوّر دراباتي العام الماضي نظاماً لدمج الطائرات المسيّرة في عمليات الأسلحة المشتركة. وكان الهدف استعادة قدرة أوكرانيا على شن هجمات، لا تقتصر على مجرد تنظيم ضربات مضادة محدودة، بل تشمل خوض حرب مناورات تهدف إلى سحق الجيش الروسي على امتداد قطاعات واسعة من الجبهة. ويستند النظام إلى مرحلة استطلاع طويلة لرصد مواقع الأصول الروسية الرئيسية على الجبهة وتحديدها -مثل أطقم تشغيل المسيّرات والمدفعية والمشاة وأنظمة الحرب الإلكترونية وكل ما يعيق التقدم- تليها عملية تدمير متزامنة لهذه الأهداف يعقبها اندفاع أوكراني سريع. وتتوافق منهجية هذا النظام مع الهجوم الذي شنته مجموعة دراباتي بالقرب من كوبيانسك شرقي أوكرانيا، خريف العام الماضي. واستطاع دراباتي عبر هذه الآلية طرد الجيش الروسي من وسط مدينة كوبيانسك، وتكبدت القوات الروسية خسائر فادحة.

وفي الوقت نفسه، كانت أفواج الهجوم التابعة لسيرسكي تحاول تنفيذ مهام مماثلة في منطقة زابوريجيا جنوب وسط البلاد، ولكن بتكلفة بشرية ومادية باهظة للغاية. وفي كلتا الحالتين، اتسمت الهجمات بالبطء ومحدودية العمق، ما أتاح للقوات الروسية فرصة إعادة تنظيم صفوفها، وجلب تعزيزات من دونباس إلى الجبهة الجنوبية لعرقلة التقدم الأوكراني. ومع ذلك، لا تزال القوات الأوكرانية تشن هجماتها في تلك المنطقة.

بعد مرور تسعة أشهر، لم يعد الهجوم الذي قاده دراباتي بالقرب من كوبيانسك يبدو مثيراً للإعجاب كما كان عليه في بدايته، فقد اعتمد الجنرال بشكل مكثف على قوات تشكيله العسكري الخاص- بما في ذلك مشغلو الطائرات المسيّرة- حيث أعاد نشرهم من منطقة فوفشانسك، شمال شرقي أوكرانيا. واستغلت القوات الروسية ضعف الدفاعات الأوكرانية هناك ودفعت القوات الأوكرانية للانسحاب من فوفشانسك، وهي المدينة التي كانت أوكرانيا تسيطر عليها منذ صيف عام 2024. وفي محيط كوبيانسك، أعادت القوات الروسية تنظيم صفوفها واستأنفت تقدمها، لتصل مجدداً إلى وسط المدينة. وفي النصف الشرقي من المدينة- الواقع ما وراء نهر أوسكيل- وفي التجمعات السكنية المجاورة، نجحت القوات الروسية في تفتيت الدفاعات الأوكرانية وسيطرت على مساحة واسعة، ما خلق تهديداً بمحاصرة أي وحدة عسكرية لا تزال تتمركز شرقي النهر.

يمكن أن تُعزى بعض أخطاء دراباتي إلى نقص القوات وإلى تدخلات سيرسكي، الذي كان أسلوبه القائم على "الإدارة التفصيلية الدقيقة" محور الانتقادات الرئيسية الموجهة إليه. ومن أهم العقبات التي يمكن أن تواجه القائد الجديد، هي الموازنة بين حجم الخسائر والمحافظة على الأراضي، وهي معضلة كبيرة نظراً لأن قضية خسارة مزيد من الأراضي حساسة جداً لدى الرأي العام الأوكراني. كذلك فإن زيلينسكي ذاته يفضّل التمسك بالمواقع، وفي المقابل، فإن الموارد البشرية المتاحة محدودة. بعد دفاعه في مقال نشره الثلاثاء الماضي (على موقع ميليتارني Militarnyi الإخباري العسكري) عن استراتيجيته الحربية، وحديثه عن اختلاف بين "رؤية" لإنجاح مشروع شركة ناشئة، واستراتيجية لكسب الحرب، وتأكيده أنه شكّل قيادة خاصة للمسيّرات، قال سيرسكي في منشور على منصة تليغرام الأربعاء الماضي: "أسلم إلى خليفتي جيشاً لا يكتفي بالدفاع فحسب، بل يشن هجوماً أيضاً. وآمل بصدق أن يستمر هذا الهجوم".

مستقبل المعارك بين أوكرانيا وروسيا

بغض النظر عن أسلوب القيادة القاسي لسيرسكي، فقد أحرزت القوات المسلحة الأوكرانية منذ نحو عام تقدماً ملموساً. وأدت الضربات بالطائرات المسيّرة عند خطوط المواجهة والهجمات المضادة إلى زيادة الخسائر البشرية في صفوف القوات الروسية، وجعلت التكتيكات الهجومية الروسية القديمة بالغة الصعوبة، بما في ذلك عمليات التسلل التي تقوم بها مجموعات صغيرة من المشاة، ناهيك عن الهجمات التي تشنها وحدات ميكانيكية كاملة.

أثبتت أوكرانيا قدرتها على تعطيل خطوط الإمداد والخدمات اللوجستية الروسية عبر مساحات شاسعة من الأراضي المحتلة

وأثبتت أوكرانيا قدرتها على تعطيل خطوط الإمداد والخدمات اللوجستية الروسية عبر مساحات شاسعة من الأراضي المحتلة، وذلك من خلال شن ضربات بطائرات مسيّرة على العمق الروسي لمسافة تصل إلى 100 كيلومتر، ما عطل واحداً من أهم إنجازات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذه الحرب والمتمثل في الوصل البري بين القرم (ضمتها روسيا عام 2014) والأراضي الروسية. والأرجح أن الهجمات الأوكرانية المكثفة في العمق الروسي لمسافات تجاوزت ألفي كيلومتر ستتواصل، وربما تشهد نقلات نوعية مع تطوير أوكرانيا صواريخ ومسيّرات أقوى تلحق ضرراً كبيراً اقتصادياً وسياسياً ومعنوياً بالكرملين. لكن الأهم في مدى قدرتها على إجبار روسيا على وقف الحرب ضمن تسوية يمكن تسويقها على أنها انتصار لأوكرانيا، خصوصاً أنها لن تؤمن إعادة الأراضي الأوكرانية كما كانت عليه في 1991.

في المقابل، ونظراً لمحدودية الموارد الأوكرانية واعتمادها أساساً على الدعم الغربي اقتصادياً، وفي بعض الجوانب العسكرية، فإن الوقت لا يلعب لمصلحة كييف في معركة استنزاف طويلة هيأ الكرملين الظروف الداخلية والاقتصادية لتحملها. كما بدأ الكرملين التسويق لتسوية تكتفي في المرحلة الحالية على استعادة دونباس بانتظار جولة أخرى مستقبلاً لاستكمال احتلال باقي مناطق جنوب وشرق أوكرانيا، أو حتى كييف إن سمحت موازين القوى الدولية.