إعلان ماكرون حظر التجول يثير الانقسام بين الفرنسيين

15 أكتوبر 2020
الصورة
انتقادات واسعة للإجراءات التي أعلنها ماكرون (مارك بيازيكي/Getty)
+ الخط -

لم يكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينهي كلمته الموجهة إلى الشعب الفرنسي، مساء أمس الأربعاء، حتى انهالت ردود فعل كثيرة على إعلانه فرض حظر تجول ليلي في ثماني مدن فرنسية، من بينها العاصمة باريس، يبدأ يوم السبت المقبل، ابتداء من التاسعة مساء وحتى السادسة صباحاً، لمدة 6 أسابيع على الأكثر.

ردود الفعل التي اقتصرت ليل أمس على نشطاء ومواقع التواصل الاجتماعي، أخذت طابعاً أكثر رسمية، اليوم الخميس، مع صدورها عن سياسيين ومسؤولين إداريين ومنتخبين انقسموا بين دعم خطة ماكرون للحد من عواقب الموجة الثانية من فيروس كورونا، وبين رفض الإجراءات باعتبارها تقييدا إضافيا لحرية الفرنسيين.

زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون هاجم قرار ماكرون بشدة، معتبراً أن الرئيس الفرنسي تجاهل كل التقارير التي رفعت للحكومة عن أن أماكن انتشار الفيروس في موجته الثانية هي المدارس والجامعات وأماكن العمل بين الثامنة صباحاً والسابعة مساء، "لكن ماكرون اختار منع الفرنسيين من الخروج إلى الحانات والمطاعم بين الثامنة مساء والسادسة صباحاً!".

من جهتها، استنكرت الاتحادات المهنية لقطاع الفنادق والمقاهي والتموين ما اعتبرته "إغلاقاً مقنعاً لمنشآتها". 

وقالت الاتحادات، في بيان مشترك: "من الواضح أن هذا القرار يعادل إعادة إغلاق مؤسساتنا، وهو قرار محفوف بالعواقب على القطاع (...) الذي تضرر بالفعل بشدة من هذه الأزمة". وأضاف البيان "هذا القيد الزمني الجديد، الذي يستهدف الخدمة المسائية، له نتيجة واضحة وبسيطة تتمثل في إجبار مطاعمنا على الإغلاق"، وأعربت عن أسفها لـ"تعبئة الشرطة بأعداد أكبر بكثير لفرض حظر التجول" بدلاً من البحث عن حلول أفضل. 

في حين اعتبر رئيس نقابة أطباء الطوارئ في فرنسا باتريك بيلو، أن الرئيس الفرنسي "يشل البلاد بسبب نقص الأسرة في المستشفيات"، بينما كان لدى الحكومة الوقت الكافي لعلاج أزمة المستشفيات.

من جهة ثانية، كانت ردود فعل رؤساء البلديات منقسمة في المدن التسع المعنية بالقرار ، واستنكرت عمدة مرسيليا ميشيل روبيرولا إعلان ماكرون، ودعت الحكومة إلى "تعزيز الاختبارات السريعة ورفد المستشفيات بالوسائل اللازمة لمواجهة الموجة الثانية، ودعم مقدمي الرعاية الصحية" بدلاً من فرض حظر التجول.

في تولوز، رد عمدة المدينة جان لوك مودينك، ببيان عبر "تويتر"، دعا فيه سكان المدينة لاحترام هذه الإجراءات، فيما أكد عمدة مونبلييه مايكل ديلافوس دعمه الكامل للمطاعم والحانات والأماكن الثقافية التي "تضررت بشدة"، وقال إن "البلدية ومجلس المدينة سيكونان إلى جانبهم لدعمهم بكل الإمكانيات المتاحة"، ورغم امتعاضه من القرار، إلا أنه دعا السكان إلى "إظهار المسؤولية الجماعية واحترام جميع التعليمات المعلنة".

اعتبر رئيس نقابة أطباء الطوارئ في فرنسا باتريك بيلو، أن الرئيس الفرنسي "يشل البلاد بسبب نقص الأسرة في المستشفيات"، بينما كان لدى الحكومة الوقت الكافي لعلاج أزمة المستشفيات

وفي العاصمة باريس، سجل تحول في موقف عمدتها آن هيدالغو، التي كانت قبل أسابيع ضد قرار الإغلاق المؤقت الذي فرضه وزير الصحة على الحانات والمطاعم. 

وقالت هيدالغو، اليوم الخميس، في مؤتمر صحافي مشترك مع قائد شرطة باريس ديدييه لالما، إنها ستعمل، اعتباراً من الخميس، على تنفيذ الإجراءات المعلنة، فيما نقلت صحيفة "لوموند" عن أحد مستشاريها قوله إن هيدالغو ستطلب من "وزير الثقافة إيجاد حلول أو إعفاءات حتى يتمكن المؤلفون وفنانو الأداء من الاستمرار في تقديم إبداعاتهم للجمهور، مع الالتزام الصارم بالقواعد الصحية".

في السياق، قالت صحيفة "لوموند" في افتتاحيتها، إن ماكرون "لم يسء استخدام المفردات الشبيهة بالحرب، على عكس مداخلته في 16 مارس/آذار (عند إعلانه فرض الحجر الصحي الكامل في فرنسا)، حيث استخدم كلمة حرب ست مرات. وبالمثل، تجنب إلقاء المحاضرات على الشباب" خلال كلمته أمس.

لكنها اعتبرت أن دعوته "فرنسا للاتحاد كأمة ووقوف المواطنين معاً" يشكل مفارقة كبيرة، وخصوصاً أنه بإعلانه فرض حظر التجول "قام بتقليل الروابط الاجتماعية والودية والعائلية. إنها مقامرة صعبة للغاية في وقت تتسع فيه الفجوة بين المدن الكبرى، الخاضعة لنظام حظر التجول الصارم، وبقية البلاد التي ستعيش بشكل طبيعي تقريباً".

 

عمليات تفتيش

إلى ذلك، نفذت عمليات تفتيش، الخميس، في منزل ومكتب وزير الصحة الفرنسي أوليفييه فيران في إطار تحقيق قضائي حول إدارة أزمة فيروس كورونا في فرنسا، كما أعلنت الوزارة في بيان.

ونفذت عمليات أخرى في منزل المدير العام للصحة جيروم سالومون، ومسؤولة إخرى في الصحة. وأضاف المصدر أن هذه العمليات تمت "دون مشاكل".

وتجري التحقيقات بعد شكوى رفعت أمام محكمة عدل الجمهورية، وهي الهيئة الوحيدة المخولة بالنظر في أعمال يرتكبها أعضاء في الحكومة أثناء توليهم مهامهم.

وفتح تحقيق قضائي في السابع من تموز/يوليو بتهمة "الامتناع عن مكافحة كارثة"، وعهد به للجنة التحقيق في محكمة عدل الجمهورية التي تتصرف كقاضي تحقيق وتتولى التحقيقات.

ومنذ بدء أزمة كورونا، رفعت 90 شكوى ضد وزراء أمام محكمة عدل الجمهورية. وتم قبول تسع منها فقط، وتستهدف فيران ورئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، ووزيرة الصحة السابقة أنييس بوزان، والمتحدث السابق باسم الحكومة سيبت ندياي.

وجلسات الاستماع إلى أصحاب الشكاوى، وبينهم ممثلون عن تجمع أطباء، انطلقت في مطلع سبتمبر/ أيلول، وينتقدون فيها "عدم تماسك التدابير" المتخذة من قبل كبار المسؤولين في الدولة، أو "غياب تطبيق توصيات منظمة الصحة العالمية".

من جهتها، فتحت نيابة باريس، التي تلقت عشرات الشكاوى ضد مسؤولين إداريين، في التاسع من حزيران/يونيو، تحقيقا أوليا واسعا بتهمة "القتل غير العمد" و"تهديد حياة الآخرين".

وكان تجمع "ضحايا كورونا في فرنسا"، الذي يضم 200 شخص، قد رفع في منتصف الشهر الماضي دعوى على رئيس الوزراء جان كاستيكس أمام محكمة عدل الجمهورية، معتبرا أن الحكومة لا تزال "تتخذ خطوات آنية" لمكافحة الوباء الذي تسبب بوفاة 33 ألف شخص في فرنسا.

وتتهم الحكومة بأنها لم تستبق الأمور لمعالجة هذه الأزمة، خصوصا حول ضرورة وضع الكمامات خلال الموجة الأولى من الإصابات.

المساهمون