إسرائيل تستغل احتياجات دروز سورية لتأكيد سيطرتها على جبل الشيخ
استمع إلى الملخص
- يعيش سكان القرى في ظروف صعبة مع توفر محدود للمياه والكهرباء، ويعتمدون على الزراعة وتربية المواشي. الجيش الإسرائيلي يسهل مرور الشاحنات ويوفر المساعدات الأساسية، مما يعزز الأمن الإسرائيلي في المنطقة.
- أقام الجيش الإسرائيلي مواقع عسكرية في جبل الشيخ لمراقبة المنطقة ومنع التهريب، حيث تستعد هذه المواقع لعزل طويل الأمد في الشتاء. السيطرة على جبل الشيخ تعتبر خطوة استراتيجية مهمة لإسرائيل.
كشفت صحيفة يسرائيل هيوم، اليوم الخميس، عن عبور قافلة شاحنات لجيش الاحتلال الإسرائيلي "محملة بالقمح والسولار ومواد غذائية وفق قائمة ثابتة" الحدود السورية أسبوعياً، مشيرةً إلى أنه "من حين لآخر، تُحمّل الشاحنات بمعدات إضافية يطلبها الدروز القاطنون في سفوح جبل الشيخ". ففي الأسبوع الماضي مثلاً "كانت المُساعدات عبارة عن أدوية ومعدات طبية أساسية"، نُقلت إلى القرى الأربع ذات الغالبية الدرزية في شمال جبل الشيخ السوري؛ حيث باتت معزولة تقريباً عن العالم، وقناة اتصالها "الوحيدة" عبر جنود جيش الاحتلال.
قوافل مساعدات "إنسانية"
ويجري التواصل مع لجان هذه القرى بواسطة وحدة عسكرية أنشأها الجيش لتكون مسؤولة عن التنسيق، بحسب الصحيفة. أمّا تأمين القوافل، فيقوم به جنود الاحتياط في كتيبة 299، وهي كتيبة "حيرف (السيف)" الدرزية التي كانت تقاتل في القطاع الغربي على حدود لبنان، ضمن لواء 300، تحت ما يُعرف باسم "لواء الجبال".
وحالياً يشكّل الدروز نحو 30% من جنود الكتيبة 299، بينما 70% من جنودها يهود، من خريجي وحدات لواءَي "غولاني" و"المظليين"، لكن قيادة الكتيبة لا تزال بغالبيتها درزية. وأصبحت الكتيبة، التي يملك العديد من جنودها الدروز أقرباء في القرى الواقعة خلف الحدود، جسراً بشرياً بين السكان المحليين وإسرائيل، على حد توصيف الصحيفة.
وفي الإطار، نقلت "يسرائيل هيوم" عن المُقدم "س"، بحسب ما أشارت إليه، قوله إنه "لا يوجد جندي درزي لم يطلب الدخول إلى تلك القرى"، مضيفاً أنّ "أهالي القرية يقدمون لنا القهوة والضيافة، ونحن في أقصى الحالات نأخذ ثمرة فاكهة لرد التحيّة"، زاعماً أن أطفال هذه القرى "يتوسلون للحصول على علم إسرائيل". أمّا المقدّم، المُشار إليه بالحرف "ن"، فقال إن "من واجبنا، وهي أخلاقياتنا ومبادئنا الأساسية، أن نوفر احتياجاتهم الأساسية"، زاعماً أنّ أهالي هذه القرى "لا يطلبون الكثير، وهم سعداء بسيطرة الجيش الإسرائيلي على قُراهم. والأطفال يتوسلونني أن أعطيهم علم إسرائيل الذي أحمله على كتفي، ويقولون لي: في المرة المقبلة اجلب لنا علماً"، على حد قوله.
والمساعدات المقدّمة هي المواد الأساسية، لكن هناك، بحسب الصحيفة، جسر لإدخال المرضى لتلقي العلاج داخل إسرائيل. ووفق المقدم "ن"، "هناك أطفال وعائلات وأشخاص... هذه ليست مهمتنا الأساسية، ولكن لا يمكن تجاهل احتياجاتهم الإنسانية"، مضيفاً: "يسألونني إلى أي مدى سيسيطر الجيش؟ وهل سيفاجئوننا ويقتلونهم؟ هم خائفون مما حدث في السويداء؛ أمّا الشيوخ عموماً، فهم خائفون ولا يعبّرون عن موقف، ويخشون أن نتركهم ونتخلى عنهم".
وغالبية الأهالي في القرى الأربع المذكورة من المزارعين ويعتاشون على الزراعة وتربية المواشي، ويعيشون -وفقاً للصحيفة- في ظروف وكأن الزمن توقّف في مكانه؛ إذ تتوفر لهم المياه لمدة ساعة واحدة كل خمس ساعات، كذلك فإن الكهرباء تُزوَّد لفترات محدودة خلال اليوم. ويعمد السكان إلى تسخين المياه على النار للاستحمام. ووصف المقدم "ن"، وهو من إحدى القرى في الجليل، وينهي هذه الأيام خدمته العسكرية قائداً نظامياً للكتيبة 299 في الاحتياط: "يعيش الناس في هذه القرى كما كان الأمر قبل مئة عام".
ويتطلب الوصول إلى هذه القرى سفراً على خط من المواقع العسكرية الإسرائيلية نحو الحدود، حيث تظهر من الأعلى قرية حضر السورية، والمستشفى الذي أقامته إسرائيل لتقديم الخدمات الطبية لسكان القرية، ثم يتابع التقدم إلى عمق الأراضي السورية عبر طريق وسّعه الجيش الإسرائيلي بناءً لتعليمات سلطة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية. وعند "تجاوز البراميل الحمراء نعبر الحدود حتّى تتسع الطريق، فهنا لم تعد سلطة الطبيعة مسؤولة. وهذا هو الشارع رقم 6 الخاص بجبل الشيخ"، حسبما شرح أحد الجنود، في إشارة إلى شارع رئيسي في إسرائيل.
والطريق الموسّع أُعد ليُتيح مرور الشاحنات والإمداد حتّى عندما يكسو الثلج جبل الشيخ. وبحسب الصحيفة، فإنه "في أثناء السير في الطريق، يمكن ملاحظة مزرعة بيت جن، وهي قرية سنية تفصل بين قرية حضر والقرى الدرزية الشمالية"، مشيرةً إلى أنه "أقيمت في القرية حواجز تمنع الدروز من الوصول إلى حضر، ولهذا السبب يُوصل الجيش الإسرائيلي المعدات والإمدادات عبر قطاع جبل الشيخ". وتابعت أنه "بينما لا يخشى السكان السُّنة من السفر إلى دمشق القريبة، فإن رحلة كهذه قد تكلّف الدروز حياتهم"، على حد تعبيرها.
في غضون ذلك، نقلت الصحيفة عن المقدم "ن" قوله إن "هذا القطاع يشغلنا كثيراً، وخصوصاً حين ينعدم الاستقرار"، مضيفاً: "عندما ندخل نشعر بانعدام السيطرة. لا قوانين، لا حكومة تُسيطر. نحن من نحاول تنظيم الأمور ونهتم لأمر الناس، نحن نجلب المساعدات، أمّا الدولة السورية فلا تعبأ بذلك".
"مصلحة أمنية إسرائيلية"
ووفق الصحيفة، تمتد أسفل الطريق قُرى عرنة، رمية، بقعسم وقلعة جندل؛ حيث يُشكل الدروز غالبية السكان، مع أقلية مسيحية وسُنية، ويقدم جيش الاحتلال المساعدات لجميع قاطنيها. والسبب كما شرحه المقدم "ن" أنه "إلى جانب البعد الإنساني، ثمة أيضاً مصلحة أمنية واضحة للسيطرة على هذه المنطقة. فإذا سقطت هذه القرى، المرحلة التالية ستكون المواقع العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية. لذلك علينا دعم القرى وسكانها". وتابع: "طالما لا استقرار في سورية، يُحظر علينا الانسحاب من جبل الشيخ". المنطقة المحتلة في جبل الشيخ حالياً، التي كانت إسرائيل تسيطر على 7% منها في السابق، تشكل وفق الصحيفة "حاجزاً استراتيجياً في وجه أي جيش قد يحاول الصعود إلى الجبل".
واعتبر المقدم "ن" أن السيطرة على جبل الشيخ كانت خطوة "بالغة الصواب"، موضحاً حجم المنطقة التي تحتلها إسرائيل بالقول إن "الرحلة من موقع التزلج في جبل الشيخ (من جهة إسرائيل) إلى نهاية الجبل من الجهة السورية تستغرق حوالى ساعة"، مضيفاً: "في الطريق نعبر مسار المهرّبين، حيث تؤدي الطرق إلى القرى، ومن هنا كان المهرّبون ينتقلون إلى قرية شبعا وقرى جنوب لبنان، وكانت تُهرّب الأدوات الكهربائية والسجائر. الآن، مع سيطرة الجيش الإسرائيلي على المنطقة، توقفت معظم عمليات التهريب، أو انتقلت شمالاً إلى ما بعد سلسلة جبل الشيخ".
وكان جيش الاحتلال قد أقام موقعين عسكريين في جبل الشيخ؛ الأول يُدعى "قلعة الروح" وتطل على القرى ذات الغالبية الدرزية ومسار المُهرّبين، والثاني هو الموقع "خ1" الذي أُقيم على أنقاض موقع سوري سابق. ويقول المقدم "ن": "عندما دخلنا لأول مرة إلى الموقع، لم أستطع التنفس، رغم أنني كنت أضع قناعاً. كانوا يعيشون في ظروف مأساوية. كل عام كان يموت لهم جنود (نظام بشار الأسد) من البرد، وكانوا يُدفنون في ساحة الموقع. لقد رأينا القبور هناك".
في الشتاء، قد يتراكم الثلج في القمم العالية لأكثر من عشرة أمتار، ويكون البرد قارساً جداً، حتى إن بقايا الثلوج تبقى حتى منتصف الصيف. وعلى هذا الأساس، يستعد جيش الاحتلال لإمكانية عزل المواقع العسكرية لفترات طويلة، بحيث تعمل كوحدات مستقلة من حيث الإمدادات والقدرة على القتال. وعن الحديث المتداول عن تطبيع مستقبلي أو "واقع جديد"، علّق المقدم "ن" ساخراً: "نأكل الحمص في دمشق؟ هذا خيال بعيد عن الواقع". وتابع: "باعتباري درزياً، وشخصاً يتابع شبكات التواصل، لا أصدق (أبو محمد) الجولاني (الرئيس السوري أحمد الشرع). فالإرهابي يبقى إرهابياً. لكن ربما... سنتمكن من أكل الحمص هنا في القرى الدرزية"، على حد تعبيره، مضيفاً وكأنه مرشد سياحي لا جندي احتلال: "يمكن لإسرائيل أن تطوّر هنا منتج تزلج دولي. هذا أمر لم يفعله السوريون قط".