إسرائيل تتجسّس على واشنطن وحلفائها داخل قاعدة مشتركة بشأن غزّة
استمع إلى الملخص
- أُنشئ مركز (CMCC) لمراقبة وقف إطلاق النار وتنسيق المساعدات ضمن خطة ترامب، ويستبعد الفلسطينيين من النقاشات، مما يثير مخاوف من مخالفته للقانون الدولي.
- يقع المركز في كريات غات ويشبه "شركة ناشئة بائسة"، ومع تقليص الوجود العسكري الأميركي، قد يخضع قريباً لـ"مجلس السلام" برئاسة ترامب.
قائد القاعدة الأميركية أبلغ نظيره الإسرائيلي بضرورة وقف التسجيل
جيش الاحتلال وصف اتهامه بجمع معلومات استخبارية بـ"الادعاء السخيف"
كشفت صحيفة "ذا غارديان" عن عمليات تجسّس واسعة النطاق للاحتلال الإسرائيلي، على مركز التنسيق المدني العسكري في جنوب فلسطين المحتلة، حيث يجري عملاء إسرائيليون عمليات مراقبة واسعة للقوات الأميركية وحلفائها المتمركزين داخل القاعدة، وفق ما نقلت الصحيفة اليوم الاثنين، عن مصادر مُطلعة على الخلافات الدائرة بين الأميركيين والإسرائيليين بشأن التسجيلات العلنية والسرّية للاجتماعات والمناقشات.
وقالت الصحيفة إن حجم جمع المعلومات الاستخبارية في مركز التنسيق المدني-العسكري (CMCC)، دفع قائدَ القاعدة الأميركية، الفريق أول باتريك فرانك، إلى استدعاء نظيره الإسرائيلي لإبلاغه بأنّ "عمليات التسجيل يجب أن تتوقف هنا". كما أعرب موظفون وزوار من دول أخرى عن مخاوفهم بشأن قيام إسرائيل بالتسجيل داخل المركز، فيما طُلِب من بعضهم تجنّب مشاركة معلومات حساسة خشية أن يتم جمعها واستغلالها.
ورفض الجيش الأميركي التعليق عندما طُلب منه الحديث عن أنشطة المراقبة الإسرائيلية. كما رفض جيش الاحتلال الإسرائيلي التعليق على مطلب قائد القاعدة الأميركية بوقف التسجيل، مشيراً إلى أنّ المحادثات داخل مركز (CMCC) غير سرية. وزعم جيش الاحتلال في بيان، أن قواته تقوم بتوثيق وتلخيص الاجتماعات التي تشارك فيها من خلال محاضر عمل، كما تفعل أي جهة مهنية من هذا النوع بطريقة شفافة ومتفق عليها. وأضاف أن الادعاء بأن قواته تجمع معلومات استخبارية عن شركائها في اجتماعات تكون هي طرفاً مشاركاً فيها هو "ادعاء سخيف".
وأُنشئ مركز مركز التنسيق المدني-العسكري في أكتوبر/تشرين الأول الفائت لمراقبة وقف إطلاق النار، وتنسيق المساعدات، ووضع خطط لمستقبل غزة في إطار الخطة المكوّنة من 20 بنداً التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب. وتُعرض نسخ عملاقة من تلك الوثيقة في أنحاء المبنى. وكان الجنود المتمركزون هناك مكلّفين بدعم زيادة الإمدادات الحيوية إلى غزة، وهو جزء من الاتفاق. وعندما بدأ المركز عمله، أفادت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية بأن إسرائيل سلّمت للجيش الأميركي جزءاً من سلطة اتخاذ القرار بشأن ما يدخل إلى القطاع.
لكن بعد شهرين من وقف إطلاق النار، صارت واشنطن تملك نفوذاً كبيراً، بينما تبقى لإسرائيل السيطرة على محيط غزة وعلى ما يدخل إليها، وفقاً لما نقلته "ذا غارديان" عن مسؤول أميركي. وقال المسؤول الذي اشترط عدم كشف هويته: "لم نتولَّ (المساعدات). الأمر أشبه بالتكامل. هم (الإسرائيليون) ما زالوا اليد، و(CMCC) أصبح القفاز الذي يغطي تلك اليد".
وكان من بين القوات الأميركية المنتشرة في المركز خبراء لوجستيون ذوو خبرة في التعامل مع الكوارث الطبيعية أو في إيجاد طرق إمداد عبر مناطق خطرة. وقد وصلوا متحمسين لزيادة تدفق المساعدات، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن القيود الإسرائيلية على دخول السلع إلى غزة كانت عقبة أكبر من التحديات الهندسية. وبعد أسابيع، غادر العشرات منهم.
واعتبر دبلوماسيون أن المناقشات داخل المركز كانت أساسية في إقناع إسرائيل بتعديل قوائم السلع المحظورة أو المقيّدة بدعوى أنها "ثنائية الاستخدام"، أي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية وإنسانية. وتشمل هذه السلع مواد أساسية مثل أعمدة الخيام والمواد الكيميائية اللازمة لتنقية المياه. وقال وزير الخارجية الهولندي، دافيد فان ويل، إنه تلقى إحاطة في المركز بشأن "أحد القيود المتعلقة بالمواد ثنائية الاستخدام الذي رُفع نتيجة للمحادثات هناك". في المقابل، ما زالت سلع أخرى - مثل الأقلام والورق اللازمة لإعادة فتح المدارس - ممنوعة من دخول غزة من دون تفسير.
لا مكان للفلسطينيين في مركز (CMCC)
يجمع مركز مركز التنسيق المدني-العسكري مخططين عسكريين من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول حليفة أخرى من بينها المملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة. كما دُعي الدبلوماسيون المعتمدون لدى إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، والمنظمات الإنسانية العاملة في غزة، للمشاركة في مناقشات بشأن المساعدات ومستقبل القطاع.
وتعترف خطة ترامب بتطلعات الفلسطينيين لإقامة دولة، وتتعهد بمنح الفلسطينيين مقاعد في إدارة مؤقتة، لكنهم مستبعدون بالكامل من المركز. فلا يوجد أي ممثلين عن المنظمات المدنية أو الإنسانية الفلسطينية، ولا عن السلطة الفلسطينية، ضمن المشاركين في النقاشات أو المقيمين في المركز. وحتى المحاولات لإشراك فلسطينيين عبر مكالمات فيديو قُطعت مراراً على يد مسؤولين إسرائيليين، بحسب ما نقلته "ذا غارديان" عن مصادر شاركت أو اطلعت على المناقشات. وتتجنّب وثائق التخطيط العسكري الأميركي التي اطلعت عليها الصحيفة البريطانية استخدام كلمتي "فلسطين" أو "فلسطيني"، وتكتفي بالإشارة إلى سكان قطاع غزة بعبارة "الغزّيين".
وقدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المركز بوصفه مشروعاً ثنائياً بحتاً. ففي بيان أصدره بعد زيارة للمركز الشهر الماضي وصفه بأنه "جهد إسرائيلي-أميركي مشترك"، دون ذكر أي شركاء آخرين. وأظهرت الصور الرسمية للزيارة وجود إسرائيليين وأميركيين فقط. وقال مصدر عسكري إسرائيلي إن الزيارة نُظمت خارج ساعات الدوام لأسباب أمنية، وإن الجيش الأميركي هو من يحدد نظراءه الذين يجب حضورهم.
شركة ناشئة بائسة
يقع مركز (CMCC) في مبنى متعدد الطوابق داخل المنطقة الصناعية في كريات غات، وهي مستوطنة تبعد نحو 20 كيلومتراً عن حدود غزة. واستخدم المبنى سابقاً من "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة أميركياً، والتي تحولت مواقع توزيع الغذاء التابعة لها إلى مصائد موت لمئات الفلسطينيين. وما زالت بعض المنتجات التي تحمل علامتها مكدسة في الطابق السفلي.
لدى الإسرائيليين والأميركيين طابق لكل منهم، وهناك مكاتب للدول الحليفة. ويحمل الداخل طابع "شركة ناشئة بائسة": قاعة رئيسية ضخمة من دون نوافذ، مفروشة بعشب صناعي، وتنتشر فيها ألواح بيضاء تقسم المساحة إلى مناطق اجتماعات غير رسمية يختلط فيها الجنود بالدبلوماسيين والعاملين الإنسانيين.
وبحسب ما ذكرته "ذا غارديان"، فإن الجنود الأميركيين جلبوا معهم إلى المركز لغة الشركات الأميركية، إذ يُشار أحياناً إلى الفلسطينيين في غزة باسم "المستخدمين النهائيين"، وتُستخدم اختصارات ذات نبرة باردة لمساعدة بعض الفرق في تحديد أولوياتها.
ويُبدي الكثير من الدبلوماسيين والعاملين الإنسانيين حذراً شديداً حيال وجودهم في المركز، فهم يخشون أن يكون المركز مخالفاً للقانون الدولي، وأنه يستثني الفلسطينيين من تقرير مستقبلهم، ويعمل من دون تفويض دولي واضح، ويخلط بين العمل الإنساني والعسكري. لكنهم يخشون أيضاً أن يؤدي الغياب إلى ترك مستقبل غزة حصرياً بيد إسرائيل والمخططين العسكريين الأميركيين، الذين يملكون معرفة محدودة بغزة أو بالسياق السياسي الأوسع الذي يحاولون التأثير عليه. وقال أحدهم لـ"ذا غارديان":
"نحن غير متأكدين من مقدار الوقت والجهد الذي يجب أن نستثمره. لكن هذه فرصتنا الوحيدة ليصغي إلينا الأميركيون".
وأفادت الصحيفة البريطانية نقلاً عن مصادر بأن دور المركز قد يكون في انحسار بالفعل، إذ عاد عشرات العسكريين الأميركيين الذين أُرسلوا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى قواعدهم بعد انتهاء مهمتهم رسمياً. وعندما سُئل المسؤول الأميركي عن الجدول الزمني لتنفيذ الخطط التي وُضعت في المركز، رفض تقديمه. واكتفى بالقول: "الجيش الأميركي ليس في صميم هذا الأمر، بل هو أكثر ارتباطاً بالسياسة".
وفي الـ22 من نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، نقلت صحيفة هآرتس" العبرية عن مصدرين رسميين أميركيين قولهما إن واشنطن شرعت في تقليص حضورها العسكري داخل المركز. وطبقاً للمصادر، فقد غادر قسم من الجنود الأميركيين من أصل 200 كانوا في إسرائيل لإقامة المركز. أمّا هدف واشنطن من تقليص حضورها، فهو إخضاع مركز التنسيق لـ"مجلس السلام" المزمع إنشاؤه قريباً؛ إذ أوضح مصدر أميركي أن "مجلس السلام الذي سيترأسه الرئيس دونالد ترامب، يعد مُركباً جوهرياً في الخطة الأميركية".