إسبانيا في عين العاصفة: حكومة سانشيز بين فضيحة الفساد وشلل الدولة

29 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:42 (توقيت القدس)
سانشيز في مدريد 27 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه إسبانيا أزمة سياسية بعد فضيحة فساد تتعلق بالوزير الأسبق خوسيه لويس أبالوس، مما يهدد استقرار الحكومة ويؤثر على الانتخابات المقبلة.
- فقدت الحكومة دعم الأحزاب الكتالونية، مما أدى إلى شلل البرلمان واستقطاب سياسي حاد، وأضعف الخطاب الإصلاحي لرئيس الوزراء سانشيز.
- رد سانشيز بخطة إصلاح لمكافحة الفساد، لكن المعارضة انتقدتها، مما يعقد الوضع السياسي ويعزز فرص اليمين في الانتخابات المقبلة.

تجد إسبانيا نفسها اليوم في قلب أزمة سياسية غير مسبوقة منذ سنوات، بعد أن انفجرت في وجه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز فضيحة فساد ضخمة هزّت أركان الحزب الاشتراكي الحاكم ودفعت البلاد إلى حالة شلل تشريعي وسياسي. ما سُمّي في الإعلام بـ"الجمعة السوداء" تحوّل سريعاً إلى لحظة مفصلية تهدد استقرار الحكومة وتعيد خلط الأوراق قبل عامين فقط من الانتخابات العامة.

قضية أبالوس… ضربة في صميم السلطة

تتمحور الأزمة حول توقيف وزير النقل الأسبق خوسيه لويس أبالوس، أحد المقربين من سانشيز، بتهم تشمل الرشوة واستغلال النفوذ والثراء غير المشروع من عقود توريد معدات طبية خلال جائحة كورونا، في إطار ما أصبح يعرف إعلامياً بـ"قضية كولدو". قرار المحكمة إيداع أبالوس السجن الاحتياطي بدعوى احتمال فراره شكّل صدمة سياسية حقيقية، لأنه لم يكن مجرد وزير سابق، بل كان ركيزة أساسية يعتمد عليها سانشيز في البرلمان.

التحقيق الذي بدأ باعتقال مستشار أبالوس السابق كولدو غارسيا، تفرّع سريعاً ليكشف شبكة فساد يُشتبه بأنها استغلت الفوضى الصحية في 2020 لتحقيق أرباح تُقدّر بملايين اليوروهات. ومع توسع التحقيقات واستقالة شخصيات بارزة داخل الحزب، بدا واضحاً أن القضية لم تعد حدثاً عابراً، بل أزمة بنيوية تضرب قلب المعسكر الحاكم.

سيرة سياسية
التحديثات الحية

تفكك التحالفات… وحكومة بلا أغلبية

جاءت الفضيحة في توقيت بالغ الحساسية. فالأحزاب الكتالونية الانفصالية التي شكّلت داعماً رئيسياً للحكومة سحبت دعمها قبل أسابيع، ما جعل سانشيز يعتمد فعلياً على بضع أصوات مستقلة، وفي مقدمتها صوت أبالوس نفسه، لتمرير القوانين. ومع دخوله السجن، فقدت الحكومة آخر أدواتها لمواصلة العمل التشريعي.

بات البرلمان الإسباني اليوم ساحة مشلولة، لا قدرة على تمرير إصلاحات اقتصادية أو اجتماعية، ولا استعداد من اليمين أو أحزاب الوسط لمساندة الحكومة، في ظل استقطاب غير مسبوق وتبادل اتهامات بين سانشيز وزعيم المعارضة. والأهم أن الفضيحة جاءت لتنسف الخطاب الإصلاحي الذي رفعه سانشيز منذ 2018 باعتباره "رئيس الحكومة الذي سيُنهي الفساد"، لتتحول هذه الوعود إلى نقطة ضغط قاتلة داخل حزبه وخارجه.

محاولة احتواء الأزمة: هجوم سياسي وإصلاحات عاجلة

ردّ سانشيز على الأزمة بخطاب هجومي في البرلمان اتهم فيه اليمين باستغلال التحقيقات لتقويض حكومته، لكنه سعى في الوقت ذاته إلى امتصاص الغضب الشعبي بإعلان "خطة إصلاح واسعة" من 15 بنداً لمكافحة الفساد، تتضمّن إنشاء هيئة مستقلة للنزاهة وزيادة الشفافية ومراقبة العقود عبر الذكاء الاصطناعي.

لكن المعارضة اعتبرت هذه الخطوات مجرد "محاولة تجميل"، مؤكدة أن الأزمة ليست في القوانين، بل في الثقة المفقودة داخل الدولة. وفي الأثناء، أقرّ البرلمان إجراءات لتعليق صلاحيات أبالوس وحرمانه من التصويت داخل مجلس النواب، لكنه يبقى قانونياً نائباً إلى حين صدور حكم نهائي. وهذا يضع سانشيز في مأزق مزدوج، فهو لا يستطيع الاعتماد عليه ولا يستطيع التخلص منه.

قراءة في خريطة القوة بين الأحزاب: إعادة تموضع واسعة

وكشفت الأزمة عن تحول جذري في ميزان القوى السياسية داخل إسبانيا:

1. الحزب الاشتراكي (PSOE)

لا يزال يمتلك قاعدة انتخابية صلبة من حيث "النية التصويتية" بحسب استطلاعات ضمن نطاق 30–33% من الأصوات، كما نشرت صحيفة إل باييس. دعم هذه القاعدة أقل بكثير عما اعتادت عليه، لكن سانشيز يعاني من تراجع واضح في الثقة، ليس فقط بسبب الفضيحة، بل بسبب هشاشة تحالفاته وتراجع قدرته على ضبط المشهد السياسي. ولم يعد الحزب قادراً على تقديم نفسه كبديل "نظيف" أو كقوة مستقرة في الحكم.

2. الحزب الشعبي (PP)

ينتقل تدريجياً من وضع المعارضة إلى موقع "البديل الطبيعي". فهو المستفيد الأكبر من الأزمة، لا عبر زيادة كبيرة في شعبيته، بل بفضل تماسكه مقارنة بالاشتراكيين وقدرته على تقديم خطاب "استعادة الاستقرار".

3. حزب بوكس (VOX)

أما حزب بوكس، فيشهد انتعاشة جديدة بفعل صعود الخطاب القومي ورفض قواعد اليمين لأي تنازلات أمام الأحزاب الانفصالية. ورغم أنه لم يعد إلى ذروة قوته في 2019، بين 15 و17% فإن ثقله السياسي يتصاعد مع تطبيع اليمين لإمكانية التعاون معه، وقد يصبح شريكاً إلزامياً في أي حكومة يمينية مقبلة، ما من شأنه التأثير العميق في ملفات الهجرة والأمن والعلاقة مع الأقاليم.

4. أحزاب اليسار الصغيرة (سومار وغيره)

في المقابل، تتراجع أحزاب اليسار الصغيرة، بفعل الاستقطاب الحاد، بينما تفقد الأحزاب الكتالونية والباسكية جزءاً من نفوذها مع عجز الحكومة عن تقديم تنازلات جديدة أو استيعابها داخل تحالف مستقر. وهكذا، تنقسم الخريطة إلى يسار مرتبك، ويمين صاعد، ويمين راديكالي يستعيد أنفاسه تدريجياً.

كيف يستغل اليمين الأزمة؟

وجد اليمين الإسباني لحظة ذهبية لشنّ هجوم سياسي واسع. فقد نجح في تقديم الفضيحة كدليل على "تفكك نموذج سانشيز" (أو السانشيزية) وتحالفاته مع الانفصاليين. الحزب الشعبي يطرح نفسه كبديل مسؤول، فيما يقدم بوكس الأزمة كدليل على "تفكك الدولة" تحت حكم اليسار. ومع بلوغ الشلل البرلماني ذروته، بات اليمين يدفع بقوة باتجاه انتخابات مبكرة، مستفيداً من تراجع شعبية الحكومة وتضاؤل حلفائها.

إسبانيا نحو مفترق طرق: إلى أين يتجه المشهد؟

كل المؤشرات تؤكد أن إسبانيا دخلت مرحلة عدم يقين ممتد، وأن ما بعد أزمة أبالوس لن يشبه ما قبلها. وتتراوح السيناريوهات بين، استمرار ضعيف للحكومة حتى 2027، مع قدرة محدودة على التشريع، وبين انتخابات مبكرة قد تنقل السلطة إلى اليمين. وهناك سيناريو آخر بتفكك داخل الحزب الاشتراكي يدفع نحو تغيير داخلي وربما نهاية ولاية سانشيز قبل موعدها.

في المحصلة، تتحوّل أزمة أبالوس من قضية فساد فردية إلى لحظة سياسية فارقة تُعيد تشكيل مستقبل السلطة والائتلافات الحزبية في مدريد، وتضع بيدرو سانشيز أمام معادلة وجودية، إما تعافٍ سياسي سريع، أو نهاية من النوع الذي يعيد رسم المشهد الإسباني بالكامل.