إدارة ترامب.. من هدنة مهتزة في غزة إلى حرب وشيكة مع فنزويلا
استمع إلى الملخص
- رغم مشروعية محاربة المخدرات في الولايات المتحدة، تثار تساؤلات حول استهداف الزوارق الفنزويلية دون دليل قاطع، مع صلاحية الرئيس لاستخدام القوة العسكرية مؤقتًا دون موافقة الكونغرس.
- يتفاخر ترامب بإنجازاته في منع الحروب، لكن تصعيد الأزمة مع فنزويلا يعكس استراتيجية عدوانية، مع اتهام مادورو بالاتجار بالمخدرات وتفويض وكالة الاستخبارات لعمليات سرية.
باشرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب
، الذي جعل من "وقف الحروب" عنواناً لرئاسته، بحشد قواتها البحرية والجوية الجمعة، لما باتت تبدو أنها حرب وشيكة مع فنزويلا. المقدمات توالت في الأيام الأخيرة، عبر مطاردة زوارق قرابة الشواطئ الفنزويلية، قالت الإدارة إنها تنقل شحنات من المخدرات في طريقها إلى الولايات المتحدة. كان الاعتقاد أنها مجرد تحذيرات لنظام الرئيس نيكولاس مادورو، المتهم بتهريب هذه الممنوعات، لإجباره على وقف المتاجرة بها. لكن اليوم، بدا أن ما وراء الأكمة أبعد، وربما أخطر من تحذير.أوعزت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) إلى حاملة الطائرات جيرالد فورد، الموجودة حالياً في البحر المتوسط، والمزودة بقدرات عسكرية فريدة في سلاح البحرية الأميركية، بالتوجه مع طاقمها من 8 بوارج حربية إلى قبالة السواحل الفنزويلية. يواكب ذلك "نشر القاذفة الاستراتيجية ب-1، اضافة إلى قوات خاصة للقيام بعمليات جوية سرية". عدّة كافية للقيام بعمليات حربية واسعة، ولو أن بعض المعلومات ذكرت أن القوة حُشدَت لاستهداف "مواقع تصنيع المخدرات" في فنزويلا، وليس الحرب معها. لكن في الحالتين، تبدو بوابة المواجهة مفتوحة، في لحظة تشهد تزايد التوتر والنفور بين واشنطن وكاراكاس. وهذا ليس بجديد، ففي رئاسته الأولى عيّن الرئيس ترامب مبعوثاً خاصاً لفنزويلا (إليوت أبرامز 2019 - 2021) ولم يكن خافياً آنذاك أن المهمة كانت إطاحة نظام مادورو.
المخدرات مشكلة مستعصية في أميركا. محاربتها مشروعة، فإدمانها أودى بحياة 80 ألف أميركي سنة 2024، و100 ألف في 2023. لكن هناك علامات استفهام حول استهداف الزوارق. الإدارة لم تقدّم "الدليل" على أن هذه الأخيرة كانت تنقل مخدرات. والرئيس غير مجبر على تقديمه إلا للكونغرس، إن طلب موافقة مسبقة من هذا الأخير حسب الدستور، على استخدام القوة العسكرية. لكن البيت الأبيض لديه صلاحية التصرف بهذه القوة لمدة 30 يوماً قابلة لتجديدها لمرة واحدة، من غير إذن الكونغرس، لكن أي رئيس لم يطلب موافقة الكونغرس في كل الحروب التي أعلنتها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية.
دأب ترامب أخيراً على التفاخر بأنه "أنهى، أو منع وقوع، 7 حروب" في أقل من 9 أشهر، وأهمها حرب غزة التي قال إن ما فعله لوقفها إنجاز غير مسبوق. في مقابلة مع مجلة تايم، نُشرت الخميس، شدّد على أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه "يتجاوز غزة ويؤسس للسلام"، ملمحاً إلى "تطبيع وشيك بين إسرائيل والسعودية"، وجزم بأنه "منع إسرائيل من ضم الضفة الغربية"، متوعداً "بوقف دعم إسرائيل لو عملت على ضمها". وكان قد طلب من فريقه، نائبه جي دي فانس والمبعوث ستيف ويتكوف، وصهره جارد كوشنر، التشديد على "أهمية حفاظ إسرائيل على وقف النار". هل تحذيرها الآن بهذه اللغة، وإلى حد التلويح بوقف دعمها، له علاقة بالتطورات المحتملة في فنزويلا، لجهة حاجة الرئيس إلى الهدوء في الشرق الأوسط في المدى القريب من أجل التفرغ للملف الفنزويلي؟ ليس بالضرورة، لكن الربط بين الاثنين من هذه الناحية، له حيثيته. "التصعيد الكبير" مع كاراكاس، يحمل إشارات ترجح احتمال استفحال الأزمة مع فنزويلا. الرئيس ترامب وصف مادورو بأنه رئيس "بلا شرعية"، ويتهمه "بالاتجار بالمخدرات"، مخصصاً جائزة بخمسين مليون دولار لمن يأتي بمعلومات عن مكان وجوده. وكان قد كشف قبل يومين عن تفويضه لوكالة الاستخبارات المركزية "سي أي إيه" للقيام بعمليات سرية داخل فنزويلا.
كل هذه الإجراءات والخطوات تبدو أكثر وأبعد من أوراق ضغط على القيادة الفنزويلية. توقيتها وعناصرها تنذر بتطورات دراماتيكية. كان بإمكان الرئيس ترامب أن يكتفي بفرض عقوبات جديدة على مادورو، كما فعل أخيراً مع رئيس كولومبيا غوستافو بيترو الذي اتهمه بالاتجار بالمخدرات، لكنه اختار الحشد العسكري غير المألوف في أميركا الجنوبية، باستثناء غزو بنما في زمن الرئيس جورج بوش الأب، لإلقاء القبض على رئيسها آنذاك مانويل نورييغا، بزعم أنه هدّد حياد بلاده وبالتالي سلامة القناة التي بناها الأميركيون. فهل يتكرر المشهد في فنزويلا؟