إثيوبيا تستعد لإنتاج الكهرباء من سد النهضة... واستئناف المفاوضات وارد

08 مارس 2021
الصورة
تتمسك إثيوبيا بإكمال إنشاء السد (إدواردو سوتيراس/فرانس برس)
+ الخط -

بالتزامن مع زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى السودان، أول من أمس السبت، بحثاً عن تطابق نهائي في وجهات النظر إزاء قضية سد النهضة يُثبت الموقف الموحد الحالي بين دولتي مصب النيل من المفاوضات المتعثرة، استمرت إثيوبيا في الحشد الدعائي المحلي، وفي الأوساط الإثيوبية والأفريقية في الولايات المتحدة وأوروبا، للتأكيد على المضي قدماً في إنهاء الأعمال الإنشائية للسد خلال الصيف المقبل، تمهيداً للملء الثاني نهاية يوليو/تموز، وبدء تجريب النظام الكهرومائي لإنتاج الطاقة.
وتحت شعار الاحتفال بذكرى مرور 125 سنة على المعركة التي انتصر فيها جيش الإمبراطور الإثيوبي مينيليك الثاني على الجيش الإيطالي، دشنت المؤسسات الرسمية الإثيوبية، بما في ذلك وزارتا الخارجية والري والسفارات، حملة باللغة الأمهرية "لاستلهام روح النصر التاريخي المظفر، لإكمال مهمة إنشاء سد النهضة العظيم"، في إشارة إلى استعداد أديس أبابا للتضحية في سبيل بقاء السد، بمواجهة التهديدات المصرية، التي لا يتحدث عنها إلا الإثيوبيون فقط.

سيجري حمدوك زيارة للقاهرة لاستكمال المفاوضات حول أشكال التعاون بين البلدين

في موازاة ذلك، قال مصدر إثيوبي، لـ"العربي الجديد"، إنه تم، قبل أيام، إتمام تركيب أول أنبوبين ضخمين من الأنابيب المخصصة لنقل المياه من بحيرة التخزين الرئيسية إلى المحطة الكهرومائية لإنتاج الطاقة، وذلك بالتعاون مع شركتين، إيطالية وفرنسية، متخصصتين في هذا النشاط. وأضاف المصدر أنه من المقرر تركيب أربعة أنابيب أخرى بين الصيف والخريف، على أساس بدء التشغيل التجريبي لإنتاج الكهرباء عقب الملء الثاني مباشرة، موضحاً أن العمل في السد منفصل تماماً عن الخلاف السياسي والقانوني حول المفاوضات والاتفاق المنشود.

أما في الخرطوم، فكانت اللقاءات التي عقدها السيسي، أمس الأول، مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك، تهدف إلى توجيه رسائل لإثيوبيا في المقام الأول، وللجهات الأربع الدولية المنخرطة في مراقبة مفاوضات سد النهضة، مفادها توحد موقف مصر والسودان تجاه القضية وأسلوب استئناف المفاوضات. وخلال زيارة السيسي، تم الاتفاق على زيارة أخرى سيجريها حمدوك إلى القاهرة، يومي 11 و12 من شهر مارس/آذار الحالي، لاستكمال المفاوضات حول أشكال التعاون بين البلدين، والتي تراهن عليها مصر لتعزيز العلاقات، لاستمرار توحيد الموقف في قضية سد النهضة، وضمان تواري الأصوات السودانية، التي ترى أن الخرطوم يجب أن يكون لها صوت مستقل وأهداف منفصلة عن الرؤى المصرية الراديكالية تجاه السد، وكذلك استبعاد إثارة قضية النزاع الحدودي حول حلايب وشلاتين، حتى غلق ملف سد النهضة. وقالت مصادر دبلوماسية مصرية إن النجاح الأبرز لحراك القاهرة تجاه الخرطوم في الشهور الأربعة الأخيرة متعدد الوجوه، لكن الأهم هو تغييب الأصوات المطالبة باستقلال الموقف السوداني عن المصري رسمياً عن الواجهة. والمقصود بهذه الأصوات أساساً وزارة الري وخبراؤها، وعدد آخر من المسؤولين السودانيين الذين كانوا يختلفون مع توجهات المكون العسكري في مجلس السيادة لتقريب وجهات النظر مع المصريين.

وأضافت المصادر أنه وعلى الرغم من اختفاء هؤلاء في الفترة الأخيرة، وغلبة العناصر العسكرية والدبلوماسية السودانية الأقرب إلى الرؤية المصرية، وتغيير الموقف السوداني الرسمي من المطالبة باستئناف المفاوضات، بإعطاء دور أكبر لخبراء الاتحاد الأفريقي، إلى استئنافها بتشكيل فريق وساطة من الرباعية الدولية (الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة)، إلا أن الصوت الرسمي السوداني ضد التصرفات الإثيوبية في سد النهضة لا يزال "أكثر خفوتاً من المأمول"، حتى مع استمرار النزاع الحدودي بين البلدين. لكن على الأقل -والحديث للمصادر- فإن الأفكار التي تصب في مصلحة إثيوبيا لم تعد متداولة إعلامياً ولا في اتصالات التفاوض.

تصر القاهرة والخرطوم على أن استمرار التفاوض في ظل اتفاق المبادئ وتفسيرات إثيوبيا لمواده أمر غير مقبول

وأوضحت المصادر أن الاتصالات الأخيرة بين إثيوبيا والكونغو الديمقراطية، رئيسة الاتحاد الأفريقي، بعد لقاء وزيري الخارجية المصري سامح شكري والسودانية مريم الصادق المهدي، في القاهرة أخيراً، تشير إلى إمكانية استئناف المفاوضات خلال الشهر الحالي، رغم اعتراض إثيوبيا، غير المعلن والمبدئي، على إدارة كينشاسا للتفاوض بحجة قربها من المطالب المصرية. وكذلك اعتراضها على توسيع سلطات وصلاحيات الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. كما أن هناك مشكلة أخرى تتعلق بأجندة النقاش المقترح، والأولويات المرجعية لصياغة بنود مسودة الاتفاق.
وتصر القاهرة والخرطوم حالياً على أن استمرار التفاوض في ظل اتفاق المبادئ والتفسيرات الضيقة التي تصر عليها إثيوبيا لمواده، والتي أثبت الواقع العملي أن صياغاتها كانت معيبة إلى حد كبير، أمر غير مقبول بالمرة. كما أن تشكيل الرباعية الدولية بالصورة المقترحة يضمن استفادة إثيوبيا من جهود خبراء الاتحاد الأفريقي، الذين سيكونون مع خبراء باقي الأطراف حاضرين للوساطة في صياغة البنود الفنية والقانونية محل الخلاف.

وسبق أن كشفت مصادر مصرية منذ شهر، لـ"العربي الجديد"، عن طرح خيار الانسحاب الثنائي، أو المنفرد لدولة واحدة، من اتفاق المبادئ الموقع في مارس/آذار 2015 بشأن سد النهضة، خلال المفاوضات الاستخباراتية والدبلوماسية بين مصر والسودان، بإشراف مباشر من رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل ومكتب البرهان. وبدأت بعض وسائل الإعلام المصرية، أخيراً، الحديث عن هذا الأمر، كوسيلة ضغط محتملة على أديس أبابا. وكان الانسحاب من اتفاق المبادئ من المطالبات القديمة للخبراء الفنيين المصريين، وبعض الخبراء السودانيين، نتيجة اعتراضهم على الطريقة التي صيغت بها النصوص في حينه. لكن القيادة السياسية، وبصفة خاصة السيسي، كان يصرّ على عدم طرح هذا الخيار باعتباره مضراً بمصلحة مصر، في المفاوضات التي تشارك فيها أطراف خارجية، كوسطاء أو مسهلين أو حتى كمراقبين. وبحسب المصادر نفسها، فإن من المطروح أن يكون الانسحاب من الاتفاق في صورة إعلان ثنائي من القاهرة والخرطوم. ومن المطروح أيضاً أن تسبق دولة الأخرى إلى ذلك، كنوع من التنسيق التكتيكي بينهما. وفي الحالتين، سيكون الانسحاب خطوة مباشرة للجوء إلى مجلس الأمن بشكوى رسمية جديدة ضد إثيوبيا. لكن بعض المسؤولين الفنيين السودانيين، المتحفظين على التقارب الرسمي مع مصر في الفترة الحالية، يطالبون باستبعاد تلك المقترحات، محذرين من عدم إمكانية إجبار إثيوبيا على تقديم أي تنازلات إذا انحلت عرى اتفاق المبادئ. غير أن هذا الحديث مردود عليه -وفقاً للمصادر- بأن إثيوبيا لم تقدم أي تنازل على مدار خمس سنوات من التفاوض بعد إبرام هذا الاتفاق، بل أصبحت تستند إليه لتبرير تمسكها بالتحكم السيادي في السد.

المساهمون