أي تأثير لمقتل سيف الإسلام القذافي على أنصار النظام السابق؟
استمع إلى الملخص
- بعد إطلاق سراحه في 2017، بنى سيف الإسلام شبكة سياسية، مستفيداً من رمزيته، وترشح للانتخابات الرئاسية في 2021، مما جعله شخصية جامعة لأنصار النظام السابق.
- غياب سيف الإسلام يترك فراغاً في تيار أنصار النظام السابق، مع تحديات في إيجاد شخصية جامعة جديدة وسط المنافسة بين رموز النظام القديم.
مقتل سيف الإسلام القذافي، الثلاثاء الماضي، في مدينة الزنتان، غربي ليبيا، ليس مجرد حادثة عنف جديدة في سجل الأزمة الليبية، إذ أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظلّ مؤجلاً لسنوات: هل كان سيف الإسلام القذافي يمثل مشروعاً سياسياً قائماً بذاته، أم مجرد رمزية جامعة حفظت لأنصار النظام السابق حضورهم في المشهد؟ ومع غيابه، يواجه هذا التيار منعطفاً غير مسبوق يتعلق بقدرته على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسه، أو التراجع إلى هامش السياسة من جديد.
وجاء مقتل سيف الإسلام، في ظروف غامضة، على يد مسلحين اقتحموا منزله في الزنتان، وسط صمت رسمي واجتماعي لا يزال ينتظر تحقيقات النيابة العامة التي شرعت في التحقيق منذ اليوم الأول لمقتله، ما أعطى الحدث ثقلاً سياسياً وتفسيرات تتجاوز الحدث الجنائي.
مكانة سيف الإسلام القذافي بعد الثورة
ولم تتوقف مكانة سيف الإسلام القذافي، بالنسبة إلى أنصار النظام السابق، عند نهاية حقبة والده معمر القذافي عام 2011، بل تحول تدريجياً إلى رمزية جامعة أعادت لهذا التيار حضوره السياسي بعد سنوات من التشتت. فرغم اعتقاله في عام 2011، ومطالبة المحكمة الجنائية الدولية بتسليمه بناءً على مذكرة قبض سابقة ليواجه تهماً تتعلق بقمعه لثورة فبراير/ شباط من ذلك العام، إلا أنه بعد إطلاق سراحه عام 2017، بدأ في بناء شبكة سياسية بهدوء، مستفيداً من رصيده الرمزي، ما مكّنه من تصدير خطاب شكّل مظلة اجتمع حولها أنصار النظام السابق، ولو بشكل غير معلن، إلى حين بروزه مع إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية نهاية عام 2021، ليكسر بذلك عزلته السياسية، وليصدّر نفسه فاعلاً محتملاً في معادلة السلطة.
كسر سيف الإسلام بترشحه للانتخابات عزلته السياسية وصدّر نفسه فاعلا محتملا في معادلة السلطة
لكن أنصار نظام القذافي لم يغيبوا كلّياً عن الفعل السياسي بعد عام 2011، فقد جرت محاولات عديدة من قبلهم لبلورة أطر سياسية جامعة، ففي عام 2012، أعلن عدد منهم تشكيل "الحركة الوطنية الشعبية الليبية"، في القاهرة، وبرزت فيها شخصيات فاعلة، على رأسهم مصطفى الزائدي، رئيس الحركة، الذي يعدّ من أبرز الشخصيات التي كانت مقربة من رأس نظام العقيد الراحل معمر القذافي.
ولاحقاً، تفرعت عن الحركة كيانات حزبية عدة، أبرزها "التجمع الوطني الليبي" الذي أُعلن في مدينة طبرق، أقصى شرقي البلاد في عام 2015، وضمّ طيفاً واسعاً من شباب أنصار النظام. وفي الفترة نفسها، أعلن أحمد قذاف الدم، ابن عم معمر القذافي وأحد أبرز أركان نظامه، تأسيس "جبهة النضال الوطني الليبي" في مصر. وأخيراً، أسّس صالح إبراهيم، الذي يعد هو الآخر من أبرز أركان النظام السابق، "حزب النهوض الوطني" في عام 2022 في طرابلس، فيما فضّلت شخصيات أخرى العمل السياسي الفردي، مثل الطيب الصافي ومحمد الزوي، اللذين شغلا أدواراً استشارية لدى مجلس النواب الليبي بعد عام 2014.
ورغم هذا الحضور المتفرق والمتعدد، ظلّ أنصار نظام القذافي يفتقرون إلى رمزية جامعة قادرة على توحيد خطابهم وتحويلهم إلى كتلة سياسية وازنة داخل البلاد، وهو ما بدأ في التغير ببروز سيف الإسلام بعد 2017، وظهر الالتفاف حوله بالتأييد الواسع عند ترشحه للانتخابات الرئاسية، ولا سيما حزب "التجمع الوطني الليبي"، وكذلك في خروج تظاهرات حاشدة في الجنوب الليبي مؤيدة لترشحه ومتعهدة بالتصويت له.
فراغ وخلافة مستبعدة
وحول الفراغ الذي سيتركه غياب سيف الإسلام في تيار أنصار النظام السابق، يشدّد أسعد زهيو، رئيس حزب "التجمع الوطني الليبي"، على أنهم لا يرتبطون بالأشخاص، بل بـ"منظومة قيم ومشروع وطني ما زال قائماً"، لافتاً إلى أنه عند مقتل العقيد الراحل معمر القذافي (في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 في مدينة سرت) "استمر هذا المشروع، وسيستمر بعد اغتيال سيف الإسلام"، معتبراً أن القول بإمكانية انهيار هذا التيار "برحيل أحد رموزه، قراءة خاطئة لتجربة أناس ضحّوا وهُجّروا وتعرضوا للإقصاء، فلا يمكن أن يتخلوا عن مشروعهم بمجرد غياب أي رمز".
وعن إمكانية أن يلتئم أنصار النظام السابق حول شخصية جامعة جديدة، يقول زهيو: "وارد أن تجري ترتيبات وحوارات ونقاشات تفرز شخصية"، مؤكداً أنه "لا يوجد أي اسم مرشح، وحتى ولو لم يتم ذلك، لن يتوقف العمل".
وعن إمكانية أن يخلف سيف الإسلام أحد أشقائه، يستبعد زهيو ذلك، بل يقول: "أنا لا أتمنى ذلك أصلاً، لأن حصر التضحيات في أسرة يمسّ جوهر المشروع"، مؤكداً أن مشروعية سيف الإسلام القذافي "لم تكن لأنه ابن معمر القذافي، بل لأنه كان صاحب مشروع معلن، وهو مشروع "ليبيا الغد"، وبعد عام 2011، تراكمت جهوده ورؤيته حتى ترشح للانتخابات الرئاسية". ويستبعد زهيو أيضاً إمكانية أن تأتلف الأحزاب والتكتلات السياسية المحسوبة على هذا التيار، مشيراً إلى أن ذلك "لم يتم حتى في عهد سيف، وهو الرمزية الجامعة"، واصفاً الأحزاب بأنها "أدوات، وتنوعها مهم وضروري ما دامت تتفق في القيم والأهداف".
ويعتبر زهيو أن المناخ السياسي الحالي في ليبيا بات "أكثر تشجيعاً على الانخراط وتقديم المشروع"، في ظل ما وصفه "بفشل قوى ثورة فبراير التي تصدرت بعد عام 2011، في تحقيق حلم الدولة والحفاظ على السيادة وتوحيد المؤسسات". ويُبرز زهيو العديد من المقومات التي يرى أنها ستشكل عامل استمرار لتيار النظام السابق، ومنها أن مكوناتهم متعددة كـ"العناصر الأيديولوجية المؤمنة بفكر معمر القذافي، وهناك الانتماء القبلي الكبير الذي يمثل التفافاً اجتماعياً يظهر اتساع القاعدة الشعبية التي بدأت تتبدى للمراقبين أخيراً".
أسعد زهيو: انهيار تيار القذافي برحيل أحد رموزه قراءة خاطئة لتجربة أناس ضحّوا وهُجّروا وتعرضوا للإقصاء
في المقابل، لا يرى الناشط الحزبي جمعة شليبك، أن سيف الإسلام القذافي نجح في تأطير أنصار النظام السابق تحت مظلة واحدة، وعزا ذلك إلى علاقاته برموز النظام القديمة التي يرى أن تأثيرها استمر في مساره السياسي خلال السنوات الأخيرة، فبعد أن أعلن مشروع "ليبيا الغد" عام 2003، واجه معارضة حادة من "الحرس القديم" الذين رأوا فيه تهديداً لمكانتهم. ولهذا السبب، يرى شليبك في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن سيف الإسلام القذافي ظلّ بعيداً عن التنظيمات والأحزاب التي نشأت بعد عام 2011، لعلاقتها الوطيدة بالشخصيات القديمة في نظام والده، مثل الزائدي وقذاف الدم.
وفي هذا السياق، يلفت شليبك إلى وجود منافسة خفية بين سيف الإسلام القذافي والشخصيات القديمة في نظام والده، الذين ذهب عدد منهم لمنافسته في الترشح للانتخابات الرئاسية، وهم شخصيات وازنة مثل بشير صالح، المدير السابق لمكتب القذافي الخاص، وعبد المنعم الهوني، أحد أركان انقلاب القذافي عام 1969، وخالد كعيم آخر وزير خارجية في نظام القذافي.
ويذكر شليبك أن سيف الإسلام فضّل الاتجاه في مسار آخر بالدفع بشخصيات موالية له في مشروعه السابق "ليبيا الغد" في مفاصل الحكم، إذ انخرط عدد منهم في تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية التي يعتبر حتى رئيسها عبد الحميد الدبيبة من الشخصيات الفاعلة في ذلك المشروع، بل ارتبط بعلاقات مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذي دفع نحو صدور قانون العفو العام سنة 2017 والذي لم يعلن عن المستفيدين منه سوى سيف الإسلام القذافي، المعتقل وقتها في الزنتان، وفق قوله.
لم يبد سيف الإسلام أي تأييد للواء المتقاعد خليفة حفتر
رغم التحديات التي واجهها، يؤكد شليبك أن أهمية سيف الإسلام القذافي لدى أنصار النظام السابق تظل كبيرة، واصفاً إياه بـ"رمزية يصعب وجود من يملك مقوماتها". ويحذر من تداعيات غيابه على مستويات عدة، أولها العملية السياسية التي قد تتأثر بطريقتين: "إما أن تؤدي كثرة ممثلي أنصار النظام السابق إلى صعوبة التوافق وتقريب وجهات النظر في القضايا الخلافية، وإما أن تستغل الأطراف الأخرى فراغ القيادة لاجتذابهم لتقوية مواقعهم، ما يزيد من حدة الاستقطاب والصراع". ومن التداعيات الأخرى، بحسب شليبك، أن غياب نجل القذافي يزيد من هشاشة فرص نجاح هذا التيار، ولا سيما أن قوامه يعتمد على قبائل واسعة الامتداد، ما يجعل أثر فراغ القيادة أكثر وضوحاً.
ورغم ابتعاد سيف الإسلام القذافي عن العمل العسكري بعد 2011، فإنه لم يبد أي تأييد للواء المتقاعد خليفة حفتر عندما انضمت إليه بقايا من كتائب القذافي السابقة المقربة من الشخصيات القديمة للنظام السابق، إلا أن شليبك يحذر من أن مقتله قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية تستغل الفراغ لدعم أطراف محددة وتغيير موازين القوة. ويوضح أن حفتر قد يتجه إلى تعزيز حضوره العسكري في الجنوب الليبي، حيث يتركز حلفاء سيف، خشية عمليات انتقامية محتملة في ظلّ الاتهامات الموجهة لمليشيات حفتر بالتورط في مقتله، ولا سيما في مناطق حضور قبائل القذاذفة والطوارق التي ترفض سلطة حفتر. ويزيد من تعقيد الوضع الأمني أهمية الجنوب الليبي للمجتمع الدولي لكونه يحتضن مناجم النفط.