"أيباك" أكبر الخاسرين في الانتخابات التمهيدية الأميركية

10 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 10:01 (توقيت القدس)
تظاهرة أمام مقر أيباك في نيويورك، 22 فبراير 2024 (سلجوق أكار/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت الساحة السياسية الأميركية تحولاً في تأثير أيباك على الانتخابات، حيث لم تعد التبرعات المالية الكبيرة كافية لضمان ولاء الكونغرس لإسرائيل بسبب تزايد الانتقادات للسياسات الإسرائيلية.

- أنشأت أيباك لجنة عمل سياسي مستقلة باسم "مشروع الديمقراطية المتحدة" لتوجيه الناخبين دون ربطها مباشرة بإسرائيل، وأنفقت مبالغ ضخمة في الانتخابات التمهيدية للكونغرس.

- برز تيار تقدمي منذ 2018 يدعم الحقوق الفلسطينية ويعارض الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، مما أدى إلى تغيير المشهد السياسي داخل الكونغرس وزيادة الوعي والانتقاد للسياسات الإسرائيلية.

قبل بضع سنوات، كانت عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من الدولارات من قبل لجنة الشؤون الأميركية الإسرائيلية (أيباك) كافية لشراء ولاء أعضاء الكونغرس الأميركي لمصلحة إسرائيل. فعلى سبيل المثال، يبلغ إجمالي التبرعات لحملة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز حتى اليوم 1.5 مليون دولار، رغم أنه يصنف واحداً من الذين حصلوا على أكبر تبرعاتها في تاريخ الكونغرس، ومن أكبر المناصرين لإسرائيل. لكن على مدى السنوات الأخيرة الماضية، رفع العدوان الإسرائيلي على غزة والإبادة الجماعية تكلفة شراء الولاء إلى ملايين الدولارات في بعض الدوائر الانتخابية، وكان آخرها إنفاق أيباك نحو 32 مليون دولار لمصلحة المرشحة هايلي سيفنز التي خسرت الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ أمام الأميركي من أصل مصري عبد الرحمن محمد السيد.

وأظهرت الخلافات بين أيباك وحليفها السابق، المرشح الديمقراطي للانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، سيث مولتون، الذي ينافسه السيناتور الديمقراطي الحالي إد ماركي، كيف كان المرشحون لعضوية الكونغرس الأميركي يلهثون للحصول على أموال أيباك، غير أن تغير المزاج العام دفع بعض المرشحين اليوم إلى التفكير كثيراً قبل الحصول على دعم المنظمة التي تُتهم بأنها تعمل لمصلحة جهة أجنبية.

كان المرشحون لعضوية الكونغرس الأميركي يلهثون في السابق للحصول على أموال أيباك

ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2025 أعلن مولتون عدم قبول أي تبرع من أيباك "بسبب ولائها لحكومة رئيس وزراء إسرائيل (بنيامين) نتنياهو" و"انحيازها إلى طرف في السياسة الأميركية والإسرائيلية"، وقرّر لاحقاً الاحتفاظ بالأموال التي تبرعت له بها خلال العامين الماضيين، غير أنها ردّت عليه بأنه كان يتوسل لها في الماضي للحصول على تزكيتها وأموالها. وكانت أيباك قد تبرعت لمولتون بنحو 42 ألف دولار خلال عامي 2023 و2024، من بينها 10 آلاف مباشرةً، و32 ألف و850 دولاراً من أفراد مرتبطين بالمنظمة.

أيباك بين الأمس واليوم

وهذا العام، أنفقت أيباك، وهي أكبر المنظمات الصهيونية التي تدعم المرشحين المؤيدين لإسرائيل، إجمالي 67.2 مليون دولار مباشرةً على الانتخابات التمهيدية للكونغرس، تحضيراً لمعركة التجديد النصفي (المقررة في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل)، أنفق منها 32 مليون دولار لمحاولة منع فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن، أي إنها خصصت 47% من إنفاقها هذا العام لمحاولة منع نجاح عبدول. اللافت في هذا الإنفاق، أن أيباك لم تذكر اسم إسرائيل مرة واحدة في إعلاناتها التي كانت تستهدف تشويه سمعته لدى الناخبين. ويكشف إنفاق الأموال أن المنظمة أنفقت 10 ملايين دولار فقط لدعم منافسة عبد الرحمن، بينما أنفقت 22 مليوناً لتشويه صورته.

وساهم ظهور موجة من التقدميين والاشتراكيين الديمقراطيين عام 2018 الداعمين للحقوق الفلسطينية، على رأسهم رشيدة طليب وإلهان عمر وكوري بوش وجمال بومان وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، في ظهور صوت جديد داخل الكونغرس يعارض السياسات الأميركية الداعمة بشكل مطلق لإسرائيل. حتى ذلك الوقت، كانت تبرعات أيباك تحصل عبر شبكات لامركزية من خلال توجيه أعضائها والمتبرعين الأثرياء لدعم المرشحين بشكل فردي أو عبر لجان عمل سياسي ومحلية لا تحمل اسمها ولا ترتبط بها بشكل تنظيمي. وبدأت أصوات تعلو في الحياة السياسية الأميركية تنتقد أيباك من داخل الكونغرس، حتى وإن كانت أصواتاً محدودة.  

ومع تزايد أعداد المرشحين الذين ينتقدون إسرائيل وارتفاع تكاليف الحملات الانتخابية، تحركت أيباك لإنشاء لجنة عمل سياسي مستقلة تابعة لها، لكن لا ترتبط باسمها، لأن قانون نزاهة الانتخابات يُجبر الشركات وجماعات الضغط على إعلان مصدر التمويل والتبرعات وكتابة اسم الجهة المعلنة في الإعلانات، سواء المكتوبة أو المرئية. بدا بوضوح أن أيباك لا تريد كتابة اسمها على الإعلانات، فأسّست عام 2022 لجنة عمل العمل السياسي التابعة لها (سوبر باك) تحت اسم "مشروع الديمقراطية المتحدة"، في محاولة لربط نفسها بالديمقراطية، وركزت في عامها الأول على الانتخابات التمهيدية الديمقراطية. ويتيح هذا الأمر وجودها وتدخلها لتوجيه الناخب من خلال إعلانات موجهة دون ربطه باسم أيباك أو إسرائيل.

أنفقت أيباك، هذا العام، 67.2 مليون دولار بشكل مباشر على الانتخابات التمهيدية للكونغرس، 32 مليون منها لمنع فوز السيد

وظهرت آنذاك عام 2022 مرشحة ديمقراطية جديدة لم تفز بعد في انتخابات الكونغرس تدعى سمر لي، تبنت خطاباً تقدمياً خلال حملتها، وانتقدت علناً على صفحات التواصل الاجتماعي العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة عام 2021، وطالبت بوضع شروط على المساعدات العسكرية لإسرائيل، ما جعلها هدفاً لإعلانات "مشروع الديمقراطية المتحدة" التابع لأيباك التي أنفقت في الانتخابات التمهيدية ضدها 2.3 مليون دولار، وإعلانات لدعم منافسها بـ742 ألف دولار، وكانت سمر هي الوحيدة التي أنفقت أيباك ضدها في الانتخابات العامة 1.4 مليون دولار. 

سانيدار يتعلّم الدرس... ويخسر

استهدفت أيباك في 2022 ديمقراطياً آخر يترشح للمرة الأولى، وهو شري سانيدار، بسبب موقفه السياسي السابق في أثناء عضويته في مجلس النواب عن ولاية ميشيغن عام 2021، عندما شارك في رعاية مشروع قرار يدعو الكونغرس إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل ووصفها بأنها دولة فصل عنصري. غضبت أيباك منه، وجعلته هدفاً رئيسياً لها ونشرت إعلانات سياسية ضده بـ1.6 مليون دولار، ودعمت منافسته شاكيراً هوكينز بـ55 ألف دولار غير أنه فاز في الانتخابات، مستعيناً بالإنفاق من ثروته الشخصية. 

سانيدار تعلّم الدرس وتراجع عن مواقفه السابقة، وسافر مع أيباك في رحلة تثقيفية إلى إسرائيل عام 2023، وتحول العداء التاريخي إلى حماية وثيقة ودفاع من جانبه عن إسرائيل ومصالحها، غير أنه في الانتخابات التمهيدية في ميشيغن الأسبوع الماضي خسر أمام منافسه الاشتراكي التقدمي المعارض للإبادة الجماعية في غزة دونافان ماكيني، المعارض لإسرائيل، رغم الدعم الذي تجاوز 2.5 مليون دولار الذي قدمته جماعات ضغط تعمل لمصلحة إسرائيل، إضافة إلى ما قدمته أيباك. 
وتشبه قصة سانيدار باستثناء نهايته غير السعيدة بسبب تغير الظروف التاريخية، قصة المرشح الجمهوري ميتش ماكونيل الذي خاض الانتخابات عام 1984 ضد مرشح ديمقراطي يدعى والتر هدليستون مدعوماً بشكل رئيسي من أيباك، وفاز ماكونيل بفارق ضئيل يقلّ عن نصف درجة مئوية في ولاية كنتاكي الحمراء (جمهورية) بالأساس، ما دفعه بعد فوزه إلى التقرب من أيباك وتعهده بتنفيذ ما يريده هذا اللوبي الصهيوني مقابل الحصول على دعمه في الانتخابات التالية، وهو ما استمر لاحقاً نحو 40 عاماً كاملة.

وأنفقت أيباك عام 2022 وفقاً لتحليل حديث أجرته صحيفة نيويورك تايمز 27.2 مليون دولار، معظمها في الانتخابات التمهيدية، باستثناء ما أنفق ضد سمر لي في الانتخابات العامة. 

نفاق وخداع

وبعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، وخلال انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية، اختارت أيباك معارك عدة منتقاة لفرض نفوذها على الحياة السياسية، ولإيصال رسالتها للمرشحين الأميركيين بأنها قادرة على إنهاء حياتهم السياسية، فاختارت مواجهة النائبين جمال بومان وكوري بوش، فأنفقت أكثر من 15 مليار دولار ضد بومان و9 ملايين دولار ضد بوش، وذلك بسبب مطالبتهما المتكررة بوقف تسليح إسرائيل ووقف الإبادة الجماعية في غزة، وبالفعل نجحت في إخراجهما من الحياة السياسية.

وفي 2024، ارتفع إجمالي إنفاق أيباك إلى 40 مليون دولار، ونجحت في جميع السباقات التي دعمتها، غير أن ثالث أكبر إنفاق في 2024، كان ضد المرشح اليهودي ديف مين عن إحدى دوائر كاليفورنيا، الذي رأت أن دعمه غير كافٍ لإسرائيل، فأنفقت على إعلانات مباشرة ضده 4.9 ملايين دولار، وأنفقت لمصلحة منافسته جوانا وايس 110 آلاف دولار، غير أنه فاز بالانتخابات. وحصل ديف مين على تمويل من مجموعة يهودية يسارية هي "جيه ستريت" تدعم إسرائيل وتطالب بحل الدولتين، وفاز بالانتخابات التمهيدية هذا العام أيضاً.

في عام 2026، أنفقت أيباك حتى هذه اللحظة 67.2 مليون دولار، ما يقارب من نصفها استخدم في محاولة لمنع الأميركي من أصول مصرية عبد الرحمن محمد السيد من الفوز، بينما أنفقت نحو 3 ملايين دولار ضد المرشحة كوري بوش، التي حاولت استعادة مقعدها الذي خسرته سابقاً أمام النائب ويسلي بيل في ميسوري، ولكنها خسرت محاولتها. كذلك أطاحت المنظمة الجمهوري توماس ماسي الذي طالب بتسجيلها جماعة ضغط أجنبية.

والرقم الذي أُنفق ضد السيد هو الأكبر في تاريخ إنفاق أيباك ضد شخص واحد. وأنفقت جماعات ضغط أخرى مؤيدة لإسرائيل 30 مليون إضافية. ويعود أحد الأسباب الرئيسية التي لم تعلن لمحاربة السيد، فضلاً عن موقفه الذي ينتقد بشدة إسرائيل وأنه سيكون أول عربي معارض لإسرائيل في مجلس الشيوخ، أن عضوية مجلس الشيوخ مدتها 6 سنوات وتأثيرها أكبر بكثير من عضوية مجلس النواب، كذلك فإن السيد قد يمنح الأغلبية للديمقراطيين، وبالتالي صوته سيكون مرجحاً في تمرير قرارات وطرح مناقشات والتصويت على تعيين قضاة فيدراليين وكبار مسؤولي الحكومة.

وقدمت أيباك نفسها باعتبارها عابرة للانقسام الحزبي، وأنها نادراً ما تنفق أموالاً في سباقات الانتخابات العامة التي تضطر فيها إلى الاختيار بين مرشح ديمقراطي وجمهوري، غير أنها قرّرت أنها ستتجاوز ذلك، وأعلنت في بيان لها أنها مثلما سعت إلى منع السيد في الانتخابات التمهيدية، ستسعى للعمل ضده في الانتخابات العامة في نوفمبر المقبل. وقالت في بيانها: "يؤكد أعضاء أيباك سعيها لضمان أن يرفض الناخبون في نوفمبر الدكتور السيد وأجندته المتطرفة المناهضة لإسرائيل". وافتخرت بأن عدد المرشحين الذين تأهلوا حتى الآن لانتخابات نوفمبر أكثر من 215 مرشحاً مدعوماً من أيباك.

لا تذكر أيباك أنها تستهدف الناخب بسبب رفضه للإبادة في غزة أو لمعارضته إسرائيل

وتخدع أيباك في إعلاناتها الناخبين حول رسالتها، فهي لا تذكر أنها تستهدف الناخب بسبب رفضه للإبادة في غزة أو لمعارضته إسرائيل، بل تركز على القضايا التي تظهر في استطلاعات الرأي وتمثل أهمية قصوى للناخب مثل حقوق الإجهاض أو الاقتصاد، رغم أن هدفها دعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل ومعارضين لها، ما يخفي دورها في الحملات الانتخابية.

ووفقاً لتحليل أجرته صحيفة نيويورك تايمز لبيانات جمعتها شركة "أد إمباكت" المتخصصة في تتبع أموال جماعات الضغط (نشر في 4 أغسطس/ آب الحالي)، أغرقت أيباك وسائل الإعلام بإعلانات تدعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل وإعلانات أخرى مصممة لإلحاق الهزيمة بمرشحين ترى أنهم ضد أجندتها السياسية، لكن يوجد عامل واحد يجمع بين هذه الإعلانات، وهي أنها تخلو تماماً من أي ذكر لإسرائيل. ووفقاً للتحليل، موّلت أيباك 109 إعلانات تلفزيونية ورقمية خلال الانتخابات الأميركية في الفترة من إبريل/ نيسان 2022 حتى نهاية شهر يوليو/ تموز الماضي، ستة فقط منها تضمنت إشارة إلى إسرائيل، ما يتيح لها التدخل في الانتخابات دون ربطها بدولة الاحتلال.

وفي عام 2024، أعلنت أيباك أن 215 فائزاً بانتخابات الكونغرس حصلوا على دعمها. أما اليوم، مع الانتخابات النصفية، فإن الأرقام المقبلة قد تفرز تراجعاً في عدد أعضاء الكونغرس الفائزين برضاً من أيباك، علماً أن عدداً من المرشحين كانوا قد تعهدوا خلال الأشهر الماضية بأنهم لن يحصلوا بعد الآن على أموال من هذه المنظمة، لكن من غير المعروف ما إذا كانوا ملتزمين بتعهداتهم.

وعلى العموم، فقد فاز 3 مرشحين بنوا حملتهم الانتخابية على معارضة إسرائيل، وبالتالي رفض التمويل الانتخابي من أي جهة مرتبطة بها في ولاية نيويورك، بدعم من عمدة المدينة زهران ممداني، وهم براد لاندر، المراقب المالي السابق لمدينة نيويورك، إضافة إلى الاشتراكيتين الديمقراطيتين، دارياليزا أفيلا شوفالييه وكلير فالديس. كذلك فاز القيادي في التيار الديمقراطي الاشتراكي في الحزب الديمقراطي الأميركي عبدول السيّد بترشيح حزبه لمقعد في مجلس الشيوخ بولاية ميشيغن، رغم وضع أيباك ثقلها لإلحاق الهزيمة به ومنعه من الوصول إلى الكونغرس. وفازت ميلات كوروس بترشيح الديمقراطيين عن مقعد في النواب عن ولاية كولورادو، وهي معارضة شرسة لإسرائيل أيضاً. وفي ولاية كاليفورنيا، على سبيل المثال، يرفض النائب رو خانا، عن الحزب الديمقراطي، الحصول على أموال من الجماعات الضاغطة المؤيدة لإسرائيل، علماً أنه من الأسماء المطروحة للترشح للرئاسة في 2028 عن التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز نشر في 7 مايو/ أيار الماضي، فإن مجموعتين معارضتين لـ"أيباك"، هما "تراك أيباك" و"جاستيس ديموقراطس"، دعمتا خلال حملة انتخابات هذا العام 100 مرشح معارض للحصول على أموال "أيباك"، من بينهم، وفق الوكالة، 73 في تنافس مع مرشحين مدعومين من أيباك ومؤيدين جداً لإسرائيل. وحتى اليوم، فاز في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية أكثر من 35 مرشحاً من التقدميين والاشتراكيين الجدد، ما يجعلها المرة الأولى في تاريخ الانتخابات الأميركية التي يفوز فيها مثل هذا العدد، بعد ترشحهم على أجندة ترفض أموال اللوبي الصهيوني وتعارض الدعم الأميركي الكامل لإسرائيل.