استمع إلى الملخص
- لم تقتصر الشعبوية على أوروبا، بل امتدت إلى الولايات المتحدة عبر حركة "البوند" الألمانية ــ الأميركية، التي روجت للنقاء العرقي وحققت نفوذاً سياسياً، مما يعكس أصداء الماضي في الحاضر.
- اليوم، تشهد أوروبا صعوداً جديداً للشعبوية القومية، حيث تتبنى أحزاب الوسط خطابات اليمين المتطرف، مستغلة التغيرات العالمية لتطبيع الإقصاء والعنصرية، مما يهدد بتحويل الديمقراطية إلى أداة هدم.
في عشرينيات القرن الماضي، غرقت أوروبا في مناخ يشبه أجواء عشرينيات القرن الحالي، خطاب قومي متطرف هش فكرياً انزلق سريعاً إلى شعبوية جارفة. صعد الفوهرر أدولف هتلر في ألمانيا، والدوتشي بنيتو موسوليني في إيطاليا، والكاوديو فرانشيسكو فرانكو في إسبانيا بوصفهم "منقذين وطنيين"، لتضع الشعبوية أولى خطواتها نحو السلطوية، منتجة أنظمة نازية وفاشية أعادت تشكيل القارة.
في ألمانيا، حوّل هتلر فشله العسكري إلى استراتيجية انتخابية، مقدماً نفسه "فوهرر" مخلّصاً من هزيمة الحرب العالمية الأولى وإذلالها. بشعارات قومية مدغدغة وبمساندة القمصان البنية والسوداء، استُخدمت الشعبوية والعنف لقمع الخصوم والأقليات، وفرض شرعية "ديمقراطية" تحت وطأة الخوف، قبل أن تتحول الدولة إلى آلة إقصاء وتصفية باسم الأمة. ما جرى في ألمانيا في فرض عقيدة الولاء المطلق للمخلص "انتخابياً" لم يكن استثناءً. ففي إيطاليا وإسبانيا، وصلت الفاشية كذلك بدعم شعبي. الشعبوية ليست طارئاً سياسياً، بل آلية قديمة تتغذّى من الأزمات الاقتصادية والقلق الهويّاتي، تنتج استقطاباً ساماً يجعل البحث عن أكباش فداء سياسة عامة، ويحَوّل الإقصاء والعنف إلى أدوات حكم.
ولم يكن هذا المنطق حبيس أوروبا. فمن بين دول أخرى نشطت في الولايات المتحدة، وقبيل دخولها الحرب العالمية الثانية، حركة "البوند" الألمانية ــ الأميركية، رافعة الأعلام النازية ومروّجة لوهم "النقاء العرقي"، ووصل نفوذها إلى مشرّعين محليين واتحاديين في سياق تمييزي عميق، لا تزال أصداؤه متواصلة. أصداء أوروبا الأمس تعود بوضوح مقلق اليوم، فالقارة التي تعيش شيخوخة إمبراطوريتها تشهد صعود خطاب قومي شعبوي يتغذّى من تلاقٍ عابر للأطلسي مع شعبوية أميركية حاكمة وغاضبة من المؤسسات والطبقات التقليدية الأوروبية، تمنح دعماً علنياً لأحزاب يمين متطرفة كانت سابقاً خارج حدود المقبول. وعلى خلاف ثلاثينيات القرن الماضي، لا يأتي هذا الصعود عبر الانقلابات، بل يتأصل تدريجياً من صناديق الاقتراع.
دون سقوط في التشاؤم أو التفاؤل فإن خطابات بعض أوروبا اليوم، المرشحة للاستمرار في 2026، تمضي نحو خطة 2030 لتطبيع التطرف القومي، حيث يُعاد تعريف الإقصاء والعنصرية دفاعاً عن الهوية والأمن، باستغلال متغيرات النظام العالمي. أحزاب الوسط تنزلق تدريجياً نحو تبني خطاب أقصى اليمين، مستهدفة فئات من إثنيات مختلفة بحجة "الهجرة العكسية"، وتحويل استبعادها ونزع حقوقها إلى إجراءات رسمية ذات غطاء قانوني. الخطر ليس في عودة التاريخ حرفياً، بل في تكراره بأدوات جديدة، حيث تتحول الديمقراطية إلى أداة هدم، والخوف إلى سياسة، والذاكرة التاريخية إلى تحذير متأخر لا ينفع الندم بعده.