أوامر أميركية للسماح ببناء "غزة الجديدة": "الخط الأصفر" جدار برلين جديد

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 12:09 (توقيت القدس)
دبابات الاحتلال في محيط المستشفى الميداني الأردني بمدينة غزة، 3 أكتوبر 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وافقت إسرائيل على خطة أمريكية لإعادة إعمار غزة، تشمل تقسيم القطاع إلى "غزة الجديدة" و"غزة القديمة"، مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من المناطق المعاد بناؤها، مما يثير قلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
- تعاني المؤسسة الأمنية من إحباط بسبب عدم مشاركتها في القرارات الأمريكية، وشكوك حول قدرة القوات الأجنبية على منع سيطرة حماس على "غزة الجديدة".
- تشعر المؤسسة الأمنية بالقلق من التزامات إسرائيلية محتملة لتقديم مساعدات لغزة دون ضمانات، وسط تحرك أمريكي سريع دون إشراك إسرائيل.

المرحلة الأولى من خطة "غزة الجديدة" ستكون إعادة إعمار مدينة رفح

تضغط واشنطن للمضي قدماً بالخطة رغم غياب أي جدول زمني لها

يقسم "الخط الأصفر" غزة إلى منطقتين جديدة وقديمة أشبه بجدار برلين

"هآرتس": أجهزة الأمن تعتقد بوجود محادثات سرية خارج إطار المفاوضات

فوجئت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بتلقّي طلب من واشنطن، هذا الأسبوع، وافق عليه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو

، يقضي بالسماح ببدء بناء "غزة الجديدة". والمقصود بذلك هو إعادة إعمار مدن في المناطق الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي من "الخط الأصفر" المنصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار.

وبحسب صحيفة هآرتس العبرية التي أوردت التفاصيل، اليوم الجمعة، فإنّ المرحلة الأولى من خطة "غزة الجديدة" ستكون إعادة إعمار مدينة رفح جنوبي القطاع، التي دمّرها جيش الاحتلال خلال حرب الإبادة. وفي المرحلة الثانية، سيُعاد بناء مدن أخرى شرق "الخط الأصفر"، بما في ذلك شمال القطاع. وبعد إعادة إعمار كل منطقة بواسطة شركات من الدول الوسيطة، سينسحب منها جيش الاحتلال. ومن المفترض أن يقسم "الخط الأصفر" القطاع إلى "غزة الجديدة" في الشرق و"غزة القديمة" في الغرب، على نحو أشبه بـ"جدار برلين غزة"، وفق تشبيه مصدر أمني إسرائيلي، لم تسمّه الصحيفة.

ورغم غياب جدول زمني للخطة، التي يُتوقّع استغراقها سنوات، تضغط الولايات المتحدة للمضي قدماً فيها. لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، قلقة من مشكلتين جوهريتين، وفقاً للتقرير العبري؛ الأولى، أن المستوى السياسي لا يشارك في التغييرات الجذرية التي تخطط لها الولايات المتحدة في غزة، والثانية، أنّ الولايات المتحدة تبدو كأنها تترك الجيش الإسرائيلي يواجه بمفرده "غزة القديمة"، التي يصفها بأنها مليئة بـ"الإرهاب"، دون قدرة على العمل عسكرياً. وبحسب المسؤولين، فإن الدول الوسيطة لا تُبدي استعداداً لتولي الأمور في "غزة القديمة"، بحيث تحاول مصر نقل المسؤولية إلى السلطة الفلسطينية أو إلى حركة فتح. ورغم أن المستوى السياسي الإسرائيلي يرفض ذلك، إلا أنّ المستوى الأمني يفضّل هذا الخيار إذا ما حصلت إسرائيل على مسؤولية كاملة عن المنطقة.

Image
إسرائيل ترسّم "الخط الأصفر" في غزة وتهدد بقصف من يتجاوزه

ويقول مسؤولون كبار في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إنّ حالة عدم اليقين تتزايد بشأن الخطط المستقبلية للولايات المتحدة في غزة، والتي يبدو أنها حصلت على موافقة الحكومة الإسرائيلية خلال محادثات سرّية دون إشراك المستوى الأمني. ويضيف المسؤولون أنّ قادة المؤسسة يلتزمون الصمت خشية أن يتحوّلوا إلى أهداف سياسية (من الحكومة). ووفقاً لأحدهم، فإنّ الجهات الأمنية لم يُطلب منها أصلاً إبداء رأيها حول تبعات الخطوات الجذرية التي تخطط لها الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا في غزة. وأوضح: "لقد فقدنا القدرة على التأثير وإسماع صوتنا. تجري أمام أعيننا تحركات استراتيجية في غزة لها تداعيات على مستقبل الدولة، دون أن يكون لإسرائيل، وخاصة للمؤسسة الأمنية، أي تأثير على العملية".

وبموجب الخطط، فإن نقل سكان القطاع من "غزة القديمة" إلى "غزة الجديدة" سيتم تحت إشراف يُفترض أن يضمن عدم سيطرة عناصر حركة حماس على المنطقة الجديدة أيضاً. لكن في الجيش الإسرائيلي هناك تشكيك في إمكانية منع ذلك كلياً. ووفقاً لمصادر استخبارية، فإنّ "غزة القديمة"، في إشارة إلى مدينة غزة، ومخيّمات الوسط والمناطق "الإنسانية" التي وصل إليها السكان خلال الحرب، تخضع لسيطرة كاملة من "حماس".

ويرى مسؤولون كبار في المؤسسة الأمنية أنه في الوقت الحالي لا يوجد أي طرف قادر على زعزعة مكانة الحركة في هذه المنطقة. وبحسبهم، كان الجيش الإسرائيلي، يعتقد أنّ عشرات الآلاف من الجنود الأجانب من دول مختلفة سيدخلون إلى المنطقة ضمن قوة متعددة الجنسيات تهدف إلى حماية الاتفاقات، ونزع سلاح "حماس"، وإزاحتها عن الحكم، وضرب بنيتها التحتية العسكرية. لكن الآن، يقول الجيش إنّ كل قوة أجنبية من المتوقع أن تدخل إلى القطاع لا تنوي دخول "غزة القديمة". وتشترط الولايات المتحدة والدول التي ترسل قواتها، نشر الجنود في "غزة الجديدة" أو في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ولا توجد قوة دولية توافق على التعامل مع تفكيك "حماس".

"إحباط في المؤسسة الأمنية" بشأن خطط غزة

ونقلت "هآرتس" عن مسؤول سابق في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مطّلع على خطط إعادة إعمار غزة، قوله "لا أحد مستعد لتحمّل المسؤولية عن غزة القديمة، وهذا يتركنا أمام مشكلة سيكون من الصعب جداً التعامل معها. في المؤسسة الأمنية يشعرون بالإحباط من غياب النقاش حول الموضوع، وكل التعليمات المتعلّقة بغزة تصلهم من مسؤولين أميركيين، وليس من المستوى السياسي في إسرائيل". وفي المحادثات مع الولايات المتحدة، حاول كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية "فهم من سيتحمّل المسؤولية عن غزة القديمة، حيث يوجد حالياً جميع سكان القطاع، ومن سيدخل إليها الغذاء والمساعدات؟ ولدهشتهم، أجاب الأميركيون بوضوح: إسرائيل هي المسؤولة". وقد وعدوا بمساعدة إسرائيل قدر استطاعتهم في إدخال المساعدات، من خلال الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى.

إلى ذلك، حذّر مسؤولون في المؤسسة الأمنية، المستوى السياسي الإسرائيلي، من أن إسرائيل قد تُلزم بتقديم المساعدات لسكان غزة دون أن تكون قادرة على مراقبة أن هذه المساعدات لا تصل إلى "حماس"، وفق زعمهم. كما أعربوا عن مخاوفهم من أنه في حالات الأزمات الإنسانية أو تطورات أخرى، لن تتمكن إسرائيل من الرد بفعالية. وحتى اليوم، لم يتلقّوا أي رد من المستوى السياسي.

ونقلت الصحيفة العبرية عن ضابط يخدم في القوات المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، لم تسمّه، قوله "هناك إحباط كبير جداً وفهم بأنه لا يوجد ما يمكن فعله حقاً. كل لقاءاتنا مع الأميركيين لا تنتهي فعلياً بتفاهمات أو قرارات واضحة على الأرض. في كل الاجتماعات في كريات غات (حيث يوجد مركز التنسيق الأميركي)، لا يمكن ملء أربع صفحات في دفتر الملاحظات. مجرد كلام فارغ". وأضاف: "كل شيء يُقرر في الأعلى، ومن هناك يُملى علينا أوامر. ليس بوصفه نتائج لنقاشات معمقة تبحث في التداعيات الاستراتيجية على غزة وعلى أمننا".

صفقة سرية

ويسود شعور بين كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية، ممن تحدثوا إلى "هآرتس"، بأن الولايات المتحدة قررت التحرك بسرعة، وربما بسرعة زائدة. وتعزز هذا الشعور في الأيام الأولى بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، في 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما طُلب من كبار المسؤولين في المؤسسة حضور إحاطات من مسؤولين في الإدارة والجيش الأميركيين. وهناك، سمعوا عن خطط أعدت مسبقاً، دون أن تُمنح لهم فرصة لإبداء رأيهم.

ولفتت الصحيفة إلى أن الفجوة بين تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي توقعت أنّ "حماس" لن تُفرج عن جميع الأسرى الأحياء، وبين الواقع الذي شهد إطلاق سراحهم جميعاً خلال فترة قصيرة، دفعت مسؤولي الأجهزة الأمنية إلى الاستنتاج بأن هناك معلومات حاسمة تنقصهم. ويقدّر كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين اليوم، أنّ هذه المعلومات موجودة في الاتفاقات التي توصّلت إليها كل من الولايات المتحدة وتركيا وقطر ومصر، في محادثات سرّية خارج إطار المفاوضات في شرم الشيخ. ويعتقد هؤلاء أنّ الثقة التي تُظهرها "حماس" تستند إلى ضمانات حصلت عليها من قادة هذه الدول، وأن نتنياهو أو من ينوب عنه وافق على ذلك. ويشددون على أن هذا مجرد تقدير، إذ لم يُطلب منهم حتى الآن إبداء رأيهم المهني في الدوائر السياسية، ولم يُعرض عليهم أي من التفاهمات التي تم التوصل إليها بين "حماس" والوسطاء.

المساهمون