أميركا وماراثون الـ21 يوماً: ترامب يحاول تعويض الفارق

14 أكتوبر 2020
الصورة
معدل التأييد العام لترامب بحدود 43 في المائة (جو رادل/Getty)
+ الخط -

من الصعب رصد عدد المرّات التي كتب فيها عن الانتخابات الرئاسية بوصفها "الأكثر إثارة" في تاريخ الولايات المتحدة، أو عن الانتخابات الأميركية التي يتلاشى فيها البعد الخارجي، أو السياسة الخارجية، لصالح طغيان الصراع الداخلي والحيثية المحلية، وتأثيرهما على نتائج الاقتراع. وقد تكون الانتخابات الأميركية الأكثر الإثارة، هي تلك التي تنتظرها الولايات المتحدة على بعد 21 يوماً في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، ولا يعود الفضل في ذلك سوى للرئيس دونالد ترامب، والجدلية التي صاحبت 4 سنوات من ولايته الأولى. اليوم، ومع اقتراع أكثر من 10 ملايين ناخب أميركي حتى الآن، سواء عبر البريد أو عبر الاقتراع المبكر، تبدو الصورة في الولايات المتحدة شديدة الضبابية، إذ لا يزال معدل التأييد للرئيس عند مستوى الـ43 في المائة (وفق موقع 538 لتحليل الاستطلاعات)، فيما يتراجع ترامب في استطلاعات الرأي الوطنية لصالح منافسه الديمقراطي جو بايدن إلى حدود 12 في المائة، وهو رقم بدأت تلامسه أيضاً بعض الاستطلاعات على صعيد الولايات، فيما انقلبت شعارات الحملتين الانتخابيتين لكلا المرشحين.
ويحاول الرئيس، الذي يجد نفسه في مأزق انتخابي ويريد تعويض الفارق مع بايدن، استعادة تجربة عام 2016، حين قلبت بضع ولايات لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة موازين القوى في اللحظة الأخيرة بينه وبين منافسته هيلاري كلينتون، ولكن هذه المرة بشعار الرئيس "القوي" الذي بلغ به الأمر حد "قهر" فيروس كورونا، واكتساب المناعة منه. وبينما يرتدي ترامب لباس "الرئيس فائق القوة"، يرفع بايدن للمفارقة شعار "سكرانتون مقابل وول ستريت"، أو طبقة العمال مقابل "بارك أفينيو" حيث يقيم ترامب في نيويورك، وذلك بعدما توسعت خريطة ساحات المعارك بين الطرفين، قياساً بما كانت عليه عام 2016، وبميلٍ أكثر نحو الديمقراطيين.

يبقى الرهان بالنسبة لبايدن معلقاً على كثافة الاقتراع

هذا الواقع الانتخابي، والذي يضع الرئيس في ورطة، يبدو وباء كورونا مهيمناً عليه، بعدما بات ترامب الرئيس الأميركي الذي أخفق في إدارة أسوأ الأزمات الصحية التي شهدتها البلاد، وهي بمثابة فضيحة تاريخية توازي أشهر الفضائح التي أسقطت رؤساء أميركيين سابقين. على الرغم من ذلك، لا تزال حظوظ المتنافسين متقاربة، حتى مع تراجع ترامب في الاستطلاعات، ومرد ذلك إلى القاعدة الصلبة التي بناها الرئيس الجمهوري في 4 سنوات، وشعبويته الصامدة لدى الكثير من مؤيديه، والحالة الترامبية التي أنعشت آمال الكثير من "الكتل الصامتة" في البلاد. أما بالنسبة إلى بايدن، فيبقى الرهان معلقاً على كثافة الاقتراع، وما سجل منه حتى الآن في التصويت المبكر قياسي، ويزيد بأضعاف عما سجل في مثل هذا الوقت قبل أعوام، كما يراهن على تحلق الحزب الديمقراطي بمختلف أطيافه حوله، وعلى الفيروس الذي لا يزال يحصد أرواح الأميركيين. هذه الحيثيات الثلاث، والتي تضعف آمال الجمهوريين باستعادة السيناريو الماضي، وبمفاجأة الأميركيين وهزم الاستطلاعات، التي جعلت كلينتون تضع قدميها في مياه باردة في مثل هذا الوقت عام 2016، أدت في محصلتها النهائية حتى اليوم إلى انتقال ترامب إلى موقع الدفاع في ولايات كانت شبه مضمونة له، لا سيما بنسيلفانيا التي توصف بـ"النقطة المحورية" في هذه الانتخابات، وفلوريدا، التي طار إليها الرئيس أول من أمس الإثنين، في أول جولة له إثر إعلان شفائه من العدوى الوبائية، وسيتوجه إليها غداً الخميس في زيارة ثانية.

وأصبحت الولايات المتأرجحة، البعيدة عن ساحات المعارك التقليدية للجمهوريين في الشمال الأميركي، مصدر القلق الأساسي لترامب، فيما يهجس الديمقراطيون بالولايات التي كان الأخير قد انتزعها منهم بسهولة عام 2016، وفق خريطة اتسعت كثيراً عما كانت عليه قبل عام، حين كان ترامب يأمل ببقاء المنافسة التي ستبقيه في البيت الأبيض في إطار ثلاثية ضيقة من ولايات الصدأ، هي بنسيلفانيا وويسكونسن وميشيغن، التي كان قد انتزعها من منافسته الديمقراطية. ويجد الرئيس اليوم نفسه مضطراً لتحصين حصته في ولاية أوهايو، التي حصد فيها فوزاً سهلاً في 2016، والتي زارها أخيراً كل من بايدن ونائب ترامب، مايك بنس. ويخيب أمل الرئيس كذلك من ولايته بـ"التبني"، فلوريدا، التي فاز فيها قبل أعوام بفارق ضيق عن كلينتون، لكن تأييده المطلق لحاكميتها وسياساتها خلال السنوات الماضية، فضلاً عن تشدده في ملف السياسة الكوبية، والتي ترضي شريحة كبيرة من المهاجرين الكوبيين في الولاية، المعادين للنظام الشيوعي في هافانا، جعلاه يصدم من تراجعه اليوم في استطلاعات الرأي فيها، كما أنه يخشى الأسوأ في أريزونا وأيوا.
هذه المتغيرات، تجعل الرئيس الأميركي اليوم في موقع المصاب بأكثر من جرح، بينما يغازل منافسه الصناعيين الصغار والعمال وقطاع التكنولوجيا، ويجد دعماً من النساء والأقليات. وبدأ بايدن أخيراً يصوب على العمال البيض، غير المتعلمين، والذين شكلوا الرافعة لوصول ترامب إلى البيت الأبيض، بعدما لاح تقارب قوي بينه وبينه الرئيس في أوهايو، ما دفعه لتوجيه أقوى الاتهامات لمنافسه أول من أمس من مدينة توليدو فيها، متهماً الأخير بتوسيع الهوة في توزع الثروات داخل البلاد.

بلغت أعداد الناخبين الذين صوتوا حتى الآن رقماً قياسياً

وتعتمد استراتيجية بايدن على ترداد شعارات حملتي باراك أوباما، وإنجازات الأخير، مع محاولة تسليط الضوء على طروحات المرشح الديمقراطي الاقتصادية، حيث لا يزال التأييد لترامب عالياً في هذا الخصوص، مع التمايز في بعض المفاصل، مثل إعلانه أخيراً معارضته لزيادة عدد القضاة في المحكمة العليا، بعدما جعل الجمهوريون وقاعدتهم مثل طرح كهذا بمثابة "الكفر". من جهتها، تعاني حملة ترامب من نكسة إضافية، مع ما طرأ من شحّ في التمويل، ما دفع مدير الحملة بيل ستيبين إلى الطلب أخيراً من معاونيه "الاقتصاد في الأموال" التي تصرف على الإعلانات، بحسب "واشنطن بوست"، وذلك لأن عليها أن تتوزع على عدد كبير من الولايات، وحتى على ولايات فاز فيها الرئيس في 2016.
وانتقل ترامب فور استعادته السبت عافيته، من فلوريدا التي زارها أول من أمس، إلى بنسيلفانيا، التي تملك 20 صوتاً في "الهيئة الناخبة" (من أصل 270)، والتي يصعب على أي من المرشحين التغاضي عنها. وينظر كلا المرشحين إلى الولاية بأنها المعركة التي ستمتد إلى ما بعد يوم الاقتراع، والتي قد تستعاد فيها تجربة ولاية فلوريدا مع فرز الأصوات بين جورج دبليو بوش وآل غور عام 2000، إذ تتنازع في الولاية عدة دعاوى حول التصويت عبر البريد، كما يتعارض فيها المرشحان حول مسألة "التكسير الهيدروليكي" لاستخراج النفط. وتعد الولاية مهمة لترامب، لما تضمه من ناخبين بيض غير متعلمين، وهي ضرورية للفوز، بالإضافة إلى أريزونا وأيوا وجورجيا وفلوريدا وكارولينا الشمالية، بعدما أصبحت ولايات مثل ميتشيغن ونيفادا وويسكونس ونيوهامشير بعيدة المنال. وزار بايدن بنسيلفانيا حتى الآن 11 مرة، فيما من المقرر أن يكون ترامب قد زارها 6 مرات قبل يوم الاقتراع، في إطار حملتيهما.
وسط كل ذلك، لم يتبدل خطاب الرئيس حول كورونا قيد أنملة إثر إصابته بالمرض، حتى إنه بدا خلال اليومين الأخيرين، أكثر تحدياً لسردية الوقاية، مضاعفاً مزاعمه حول "نهاية الوباء في الولايات المتحدة" والانتصار عليه. وقال ترامب من سانفورد في فلوريدا، إنه "في ظلّ قيادتي، نقوم بتأمين لقاح آمن واستعادة سريعة لعافية البلاد"، وذلك على الرغم من تحذير الخبراء من "خريف وشتاء قاسيين على الأميركيين". وأكد الرئيس أنه يشعر بأنه "قوي جداً" بعد انتهاء علاجه، وبأنه اكتسب المناعة. كذلك لم يوفّر ترامب أياً من أهدافه الانتخابية المعتادة، من "المحتالة هيلاري" إلى الصحافة "الفاسدة"، مع التحذير الشديد من مخاطر ما يسميه "اليسار الراديكالي والكابوس الاشتراكي". وحول استطلاعات الرأي التي تؤكد تقدم منافسه، رأى ترامب أن "الأمر كان مماثلاً قبل 4 سنوات". وفي تغريدة على "تويتر" في اليوم ذاته، شنّ الرئيس الأميركي هجوماً عنيفاً على المتظاهرين ضد العنصرية في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، والذين كانوا أسقطوا ليل الأحد - الإثنين تمثالين لسلفيه أبراهام لينكولن وتيودور روزفلت، واصفاً المحتجين بـ"الحيوانات". وقال ترامب "ضعوا هذه الحيوانات في السجن حالاً. اليسار الراديكالي لا يعرف سوى الاستفادة من القيادة الحمقاء للأغبياء. هذا هو بايدن! القانون والنظام".
إلى ذلك، أظهر إحصاء نشر أول من أمس أنّ أكثر من 10 ملايين ناخب أميركي أدلوا حتى اليوم بأصواتهم، سواء عبر البريد أو عبر الاقتراع المبكر. وبحسب "مشروع الانتخابات الأميركية" التابع لجامعة فلوريدا، فهذا الرقم قياسي، ويزيد بأضعاف عمّا كان عليه عددهم في مثل هذه المرحلة قبل 4 سنوات، مدفوعاً بالارتفاع الكبير في أعداد الناخبين الذين صوتوا عبر البريد.
في الأثناء، تواصلت جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ خلال اليومين الماضيين، لآيمي باريت، مرشحة ترامب لمنصب قاضية في المحكمة العليا، وسط انقسام حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين. كذلك ساد الغضب الديمقراطي، من سعي وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى نشر دفعة جديدة من بريد هيلاري كلينتون المثير للجدل، كما أثار امتعاض عدد من الموظفين في وزارة الخارجية، الذين تساءلوا وفق موقع "فورين بوليسي" حول جدوى نشر مثل هذه الوثائق بعد 8 سنوات على مغادرة كلينتون منصبها كوزيرة للخارجية، واصفين سعي بومبيو لإرضاء الرئيس بأنه منافٍ للأخلاق المهنية.

المساهمون