استمع إلى الملخص
- رغم تكثيف الصين لتدريباتها العسكرية حول تايوان، يبقى استخدام القوة مرهوناً بالموقف الأميركي، حيث عززت واشنطن دفاعات تايوان بمبيعات الأسلحة وقانون العلاقات مع تايبيه.
- خيارات الصين بشأن تايوان تتأثر بالموقف الأميركي وسلوك القيادة التايوانية، وتعتبر تايوان ورقة قوية لواشنطن في صراعها مع بكين، بينما تسعى إدارة ترامب لتهدئة التوترات مع الصين.
يسود اعتقاد في الأوساط الصينية منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في مطلع العام الحالي، بأن هناك فرصة غير مسبوقة لبكين لإعادة تقييم استراتيجياتها الإقليمية والدولية، وفي صميم هذه الفرصة تكمن مسألة تايوان التي تمثل نقطة اشتعال دائمة في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة.
فمع تكثيف إدارة ترامب سياساتها القائمة على مبدأ "أميركا أولاً" شهدت السياسة الخارجية الأميركية تراجعاً غير مسبوق عن الالتزامات والمعاهدات الدولية، خاصة ما يتعلق بملف الدفاع عن الحلفاء، مثل تايوان واليابان وكوريا الجنوبية، أمام التهديدات الخارجية.
هذا التراجع الأميركي أثار تساؤلات في الأوساط الإعلامية الصينية حول ما إذا كانت اللحظة مواتية لبكين للسعي إلى إعادة التوحيد مع تايوان بالقوة العسكرية، إذ تتعزز هذه الفرصة في ظل السياق الراهن للتوترات بين الصين واليابان، والتي سبقتها وتلتها تبادلات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة والصين، وحديث متناغم بين زعيمي البلدين، فضلاً عن المكالمة التي أجراها ترامب مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، أخيراً، وحثها على عدم استفزاز بكين، بحسب وسائل إعلام أميركية. وكانت تاكايتشي، الحليف القوي للولايات المتحدة، قد أشارت أخيراً إلى أن طوكيو قد ترد عسكرياً إذا أقدمت الصين على خطوات تصعيدية عسكرية تجاه تايوان. وأثارت تصريحاتها ردة فعل عنيفة من بكين، تخللتها مقاطعة للتبادلات الشعبية بين البلدين، ولجوء الصين إلى الأمم المتحدة للضغط على اليابان.
رغبة الصين في استعادة تايوان بالقوة
وتزايدت خلال العقد الأخير التكهنات بشأن رغبة بكين في استعادة تايبيه بالقوة. فمنذ تولي الرئيس الصيني شي جين بينغ السلطة في عام 2013، كثف الجيش الصيني تدريباته العسكرية في محيط الجزيرة، وتصاعدت التوترات في العام 2016 عقب انتخاب تساي إنغ وين، من الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يميل إلى الاستقلال، زعيمة للجزيرة، لأنها رفضت الاعتراف بتوافق عام 1992، وهو التفاهم الذي تعتبره بكين الأساس لأي محادثات بين الجانبين. وبعد تولي لاي تشينغ تي، الذي وصف بكين بأنها قوة أجنبية معادية، منصب رئيس تايوان عام 2024 زادت التدريبات العسكرية الصينية في مضيق تايوان، ووصلت إلى معدلات قياسية.
جيانغ لي: خيارات الصين بشأن تايوان لا ترتبط بما يطرأ من تغيير على الموقف الأميركي، ولكن تخضع لحسابات دقيقة
ومع ذلك، ظل خيار استخدام القوة العسكرية مرهوناً بالموقف الأميركي الرافض لهذه الخطوة. حيث عمدت واشنطن إلى تعزيز دفاعات تايوان من خلال مبيعات الأسلحة المستمرة وقانون العلاقات مع تايبيه. يشار إلى أن بكين تعتبر أن تايوان، التي تتمتع بحكم ذاتي، جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وقد أعلنت مراراً أنها ستعمل على استعادتها حتى لو اضطرت لاستخدام القوة. ولا تعترف معظم دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، بتايوان دولة مستقلة. وقد عارضت واشنطن سابقاً أي تغيير أحادي الجانب في الوضع الراهن وأبدت التزامها بالدفاع عن الجزيرة، إذ تُعتبر الولايات المتحدة المورد الرئيسي للأسلحة إلى تايوان.
وأعلن لاي تشينغ تي، أمام عناصر في قوات الاحتياط في مقاطعة ييلان، شمال شرقي تايوان، أمس الثلاثاء، أنه "لا مجال للتسوية في ما يتعلق بأمن تايوان". وقال: "في مواجهة إكراه ومضايقات الصين، يجب على الحكومة إنفاق المزيد على دفاعاتها والاستعداد بشكل أفضل إذا حدث الأسوأ". وشدد على أن "الأمن القومي لا يسمح بأي مجال للتسوية. السيادة الوطنية والقيم الأساسية للحرية والديمقراطية هي أساس أمتنا. هي ليست عن نزاعات أيديولوجية، بل موقف مشترك لجميع مواطني تايوان". وأكد لاي تشينغ تي أن "تايوان يجب أن تعتمد على القوة لتحقيق السلام الحقيقي. لا يمكن تحقيق السلام بمجرد ورقة تسمى اتفاقية السلام، ولا يمكن، ولن يتحقق أبداً، بالاستسلام لمطالب المعتدي. وحتى عند الانخراط في المصالحة، يجب أن تكون لدينا قوة قوية دعماً لنا لحماية المصالح العامة للأمة. بدون قوة دعم كافية، فإن ما يسمى بالمصالحة سينحدر في النهاية إلى استسلام".
وكانت حكومة تايوان قد أطلقت عملية تدريب لقوات الاحتياط في العام 2021، بما في ذلك مضاعفة تدريبات القتال والرماية. وفي العام التالي، رفعت مدة الخدمة العسكرية الإلزامية من أربعة أشهر إلى سنة. وفي حين تعمل تايوان على تعزيز الإنتاج المحلي للأسلحة، فإنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة للحصول على أسلحة متطورة، مثل الطائرات. وكان نائب رئيس تايوان هسياو بي خيم قد أعلن، أخيراً، أن الحكومة تقدر أيضاً الدعم الأميركي في تدريب جيشها. وقال هسياو، لبودكاست "بانون وورروم" الأميركي: "نحن ممتنون جداً لبعض المبادرات الأميركية لتدريب شعبنا". وكان ستيف بانون مستشاراً لترامب خلال رئاسته الأولى. وأضاف: "أعتقد أن التايوانيين سيشعرون بثقة أكبر إذا علمنا أننا نتلقى تدريباً من قبل أفضل الخبراء في العالم".
خطوط حمراء بشأن تايوان
في تعليقه على التكهنات بشأن اقتراب لجوء الصين إلى القوة العسكرية لاستعادة تايوان استناداً إلى الوضع الدولي الراهن، قال أستاذ العلاقات الدولية في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية جيانغ لي، لـ"العربي الجديد"، إن خيارات الصين لا ترتبط بما يطرأ من تغيير على الموقف الأميركي، ولكنها تخضع لحسابات دقيقة، وهناك نقاط مفصلية يحددها سلوك قيادة الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم في الجزيرة. على سبيل المثال، أي خطوة عملية باتجاه استقلال تايوان تعتبر تجاوزاً للخطوط الحمراء التي حددتها بكين، وهذا يعني أن تصرفاً متهوراً من هذا القبيل قد يدفع الجيش الصيني لتنفيذ تهديداته.
دا مينغ: مسألة تايوان تعتبر واحدة من أقوى الأوراق التي تملكها واشنطن في صراعها المستمر مع بكين
وأضاف جيانغ أن ما أثار هذه التكهنات هو موقف ترامب بشأن تايوان المتراجع عن مواقف الإدارات الأميركية السابقة، خاصة أنه رفض تقديم ضمانات لتايبيه تتعلق بالدفاع عن الجزيرة أمام أي تهديد صيني، وكذلك اتهام تايبيه بسرقة الهيمنة الأميركية في مجال أشباه الموصلات، إلى جانب دفع قيادة الحزب الحاكم لزيادة ميزانية الدفاع لتقليل الأعباء الأميركية، فضلاً عن استخدام لغة متوازنة في الأزمة الأخيرة بين بكين وطوكيو. وأوضح أن هذه العوامل مجتمعة أثرت الخيال بأن بكين سوف تنتهز الفرصة للانقضاض على الجزيرة بمباركة أميركية، وهذا أمر يخالف المنطق السياسي.
لا تفريط بالورقة الأهم
في المقابل، استبعد دا مينغ، الباحث في مركز يون لين (تايوان) للأبحاث والدراسات، في حديث مع "العربي الجديد"، فكرة أن تتخلى الإدارة الأميركية عن تايبيه مقابل صفقات عابرة مع بكين، معتبراً أن مسألة تايوان تعتبر واحدة من أقوى الأوراق التي تملكها واشنطن في صراعها المستمر مع بكين. لكنه أشار إلى أن الأولوية بالنسبة لترامب الآن هي تهدئة التوتر مع الصين، وفي المنطقة بشكل عام، لأن البلدين مقبلان على انفراجة في العلاقات قد تثمر تحقيق بعض الاختراقات في ملفات شائكة، لا تشمل تايوان بالضرورة، مثل الأزمة في شبه الجزيرة الكورية وحاجة واشنطن لبكين في مسألة الوساطة، وكذلك النزاع في بحر الصين الجنوبي، والتوترات بين الهند وباكستان.
وتوقع دا مينغ أن تستغل بكين هذه الإزاحة الأميركية غير المسبوقة، وحالة الحياد الظاهري على الأقل، في ممارسة المزيد من الضغوط للحصول على تأكيدات من إدارة ترامب تتعلق بملف تايوان، باعتباره الأهم بالنسبة للقيادة الصينية، ومصدر صداع دائم في العلاقة مع واشنطن، وقد يشمل ذلك تعهدات بعدم دعم توجه الجزيرة نحو الاستقلال، وتأكيد الالتزام بصيغة "صين واحدة".