ألمانيا توسّع صلاحيات استخباراتها: من جمع المعلومات إلى "الهجوم المضاد"

13 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 15:33 (توقيت القدس)
مقر جهاز الاستخبارات الاتحادي الألماني في برلين، 12 أغسطس 2026 (Getty)

توسيع الصلاحيات يجب أن يترافق مع آليات رقابية على الاستخبارات

ألمانيا تحتاج إلى أجهزة استخبارات تعمل بمستوى مماثل لنظيراتها

خطت ألمانيا خطوة كبيرة نحو توسيع صلاحيات أجهزتها الاستخبارية، بعدما أقرت الحكومة، أمس الأربعاء، مشروع قانون يمنح جهازي الاستخبارات الخارجية (بي أن دي) وحماية الدستور (بي أف في)، أدوات أوسع لمواجهة التجسس والهجمات السيبرانية والتهديدات الهجينة، ويتيح قدرات عملياتية أوسع، بما في ذلك التدخل في حالات محددة لتعطيل هجمات وبنى تحتية رقمية معادية، على أن يخضع المشروع لموافقة البرلمان الاتحادي قبل أن يصبح نافذاً.

ويأتي الإصلاح وسط اعتبار ألمانيا نفسها أنها أصبحت هدفاً دائماً لما تسميه الحكومة "الهجمات الهجينة". وقالت رئيسة ديوان المستشار فريدريش ميرز، نينا فاركن، في مؤتمر صحافي برفقة وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت، إن هذه الهجمات تمثل "خطراً حقيقياً وحاداً للغاية"، فيما وصف دوبرينت الإصلاح بأنه تحول نوعي في منظومة الأمن. وقال لصحيفة "بيلد" إن ألمانيا تريد مجاراة قدرات أجهزة الاستخبارات العالمية، بما يتطلب أدوات وصلاحيات أكثر فاعلية لمواجهة لما يسميه "إرهاب الدولة" والجماعات المتطرفة. 

التحول الأبرز، يتمثل في انتقال الاستخبارات من الرصد إلى القدرة على الرد

في غضون ذلك، دعا ميرز إلى توسيع صلاحيات مراقبة الأفراد، مؤكداً ضرورة "الحدّ قدر الإمكان من حرية تنقل" من يُشتبه بخرقهم القانون، بحسب ما نقلت "رويترز"، وذلك بعد أحدث هجوم دعس خلال مسيرة للمثليين في برلين نفذه نهاية الشهر الماضي شاب كان سجلّه معروفاً لدى السلطات الأمنية.

وتنطلق الحكومة من أن أجهزة الاستخبارات الألمانية ظلت، مقارنة بنظيراتها الغربية، مقيدة بقيود قانونية وتشغيلية واسعة، بينما تطورت طبيعة التهديدات بسرعة. لذلك يقترح القانون تسهيل الوصول إلى الاتصالات والبيانات الرقمية، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والحصول بشروط محددة على بيانات من الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، فضلاً عن تنفيذ عمليات لتعطيل هجمات أو إضعاف البنى التحتية الرقمية المستخدمة ضد ألمانيا. 

روسيا في خلفية الإصلاح

التحول الأبرز، يتمثل في انتقال الاستخبارات من الرصد إلى القدرة على الرد؛ إذ يسمح المشروع، في حالات محددة، بالتدخل في بنى تحتية رقمية أجنبية لوقف هجوم أو الحد من آثاره، في إطار ما تقول برلين إنه تعزيز لـ"السيادة الوطنية والقدرات العملياتية" ومواكبة لقدرات أجهزة الاستخبارات الأوروبية.

وتشكل روسيا أحد أبرز دوافع هذا التحول. فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، تكثفت التحذيرات الألمانية والأوروبية من التجسس والهجمات السيبرانية والتخريب وحملات التضليل واستهداف البنى التحتية الحيوية. وجاء العثور أخيراً على طائرة مسيّرة محملة بمواد متفجرة قرب طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ/هاله ليضيف بعداً جديداً إلى المخاوف الألمانية، حتى وإن كانت التحقيقات لم تحسم بصورة نهائية الجهة المسؤولة.

وتتعامل برلين مع مثل هذه الوقائع باعتبارها جزءاً من بيئة أمنية باتت فيها الحدود بين التجسس والتخريب والحرب السيبرانية والعمليات السرية أكثر ضبابية. ولا تقتصر مصادر التهديد على روسيا. فالحكومة تشير أيضاً إلى الإرهاب والتطرف والتجسس القادم من قوى أجنبية أخرى، بينها إيران وجماعات إسلامية، وفقاً لبرلين، باعتبارها تحديات تستدعي تحديث أدوات الاستخبارات.

يتجاوز الإصلاح تعديل قوانين الاستخبارات إلى تحول في مفهوم الأمن الألماني

من "مراقبة" الخصم إلى تعطيله

يكشف الإصلاح عن طموح ألماني لتعزيز الاستقلال الاستخباري وتقليص الاعتماد على معلومات الحلفاء، عبر امتلاك قدرات أكبر على جمع المعلومات والتصرف بناء عليها. ويقول وزير الداخلية دوبرينت إن ألمانيا تحتاج إلى أجهزة استخبارات تعمل بمستوى مماثل لنظيراتها في الدول الشريكة. وبموجب المشروع، لن تقتصر مهمتها على كشف الهجمات، بل يمكنها في حالات محددة تعطيلها أو إضعاف البنية التحتية المستخدمة لتنفيذها.

لكن هذه النقلة تصطدم بحساسية التاريخ الألماني؛ إذ بحسب ما قاله الباحث والكاتب الدنماركي جون غراوسغورد لـ"العربي الجديد"، فإن "ذاكرة الغستابو لا تزال حاضرة في النقاش السياسي والقانوني، ولذلك ارتبط بناء الدولة الألمانية الحديثة بقيود صارمة على أجهزة الأمن وحماية الخصوصية".

وفي السياق نفسه، قال السياسي اليساري في حزب "دي لينكه" (حزب اليسار) في كييل، أولريش بيرنت، لـ"العربي الجديد" إن توسيع الصلاحيات يجب أن يترافق مع "آليات رقابة شديدة على الأجهزة، وذلك بسبب دروس تاريخية قاسية من تاريخنا، من الغستابو إلى ستاسي".

وفي العموم، ترى أحزاب اليسار والخضر (الحزب الأخضر البيئي) والديمقراطيون الأحرار أن سيادة القانون والرقابة الفعالة يجب أن تسبقا تمرير الإصلاح في البرلمان، فيما يحذر معارضون ومدافعون عن الحريات من أن توسيع المراقبة والتدخل الرقمي، خصوصاً مع الذكاء الاصطناعي وجمع البيانات، قد يفتح الباب أمام تجاوزات يصعب ضبطها. وتحاول الحكومة موازنة توسيع صلاحيات الاستخبارات بآليات رقابة جديدة، بينها مجلس مستقل ورقابة برلمانية، مع إخضاع الأدوات الأكثر حساسية لشروط قانونية محددة.