ألمانيا تطمح للتخلص من التبعية لاستخبارات الدول الصديقة

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
جلسة الاستماع لأجهزة الاستخبارات الألمانية بالبرلمان، 13 أكتوبر 2025 (أود أندرسن/فرانس برس
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه ألمانيا تهديدات أمنية متزايدة تشمل زعزعة الاستقرار الروسية والتطرف اليميني والإسلاموي، مما يبرز الحاجة لتعزيز الأمن الاستباقي وتحسين أداء الاستخبارات.

- تعتمد الاستخبارات الألمانية بشكل كبير على وكالات أجنبية بسبب القيود القانونية والسياسية، مما يبرز الحاجة للتعاون مع وكالات مثل الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية.

- تسعى الحكومة الألمانية لإصلاح قوانين الاستخبارات لتعزيز القدرات العملياتية، بما في ذلك توسيع صلاحيات مكافحة التجسس العسكري وتحسين أداء الاستخبارات الفيدرالية، مع تعزيز التعاون مع حلف شمال الأطلسي.

شملت جلسة الاستماع العلنية السنوية الأخيرة في 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي لرؤساء أجهزة الاستخبارات الألمانية في لجنة الرقابة البرلمانية، شروحاً عن التهديدات المتزايدة في ألمانيا التي تشكلها محاولات زعزعة الاستقرار الروسية والتطرف اليميني والإسلاموي، وتأثير الصراع بالشرق الأوسط في الوضع الأمني بالبلاد. واستدعى ذلك بروز نبرة حازمة بخصوص تعزيز الأمن الاستباقي وعمل أجهزة الاستخبارات في ظل الخروق والتهديدات القائمة، لا سيما أن البلاد تتكل بشكل عام على وكالات المخابرات الأجنبية. 

اعتماد ألمانيا على الاستخبارات الخارجية

تسود قناعة كاملة لدى جميع الأحزاب بأن الاستخبارات الألمانية تتكل بشكل مفرط على وكالات الاستخبارات الأجنبية، وبأنه لم تحبط في أوقات سابقة العديد من الهجمات إلا بفضل تحذيرات منها، وفي مقدمتها وكالات الاستخبارات الأميركية بعد اعتراضها اتصالات مشبوهة. وتشير الاستخبارات الألمانية إلى أنه إلى جانب الموساد، تُعتبر وكالات الاستخبارات الأميركية المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي وجهاز الاستخبارات السرية البريطاني، من المدافعين عن ألمانيا ضد التجسس والإرهاب. وكان آخرها القاء القبض قبل أيام في منطقة نيوكولن في برلين على شخص مقرّب من "داعش"، كان يخطط لهجوم في برلين وعلى الأرجح في سوق لأعياد الميلاد. ونقلت صحيفة برلينر تسايتونغ عن الرئيس السابق لأجهزة الاستخبارات الفيدرالية غيرهارد شيندلر قوله: إن الحقيقة الساطعة هي أن ألمانيا تعتمد على التعاون مع الأجهزة الأجنبية، والحقيقة المرة أننا بحاجة إليهم، وهم لا يحتاجون إلينا.


رالف بريدنبرغ: يقتصر دور الاستخبارات الألمانية على جمع المعلومات وتحليلها

تعليقاً على ذلك، اعتبر الباحث في جامعة أولدنبورغ بقضايا الأمن والدفاع الأوروبي رالف بريدنبرغ، في حديث مع "العربي الجديد"، أن اعتماد أجهزة الاستخبارات الألمانية على الآخرين، أي تلقي المعلومات الحساسة من جهاز استخباراتي أجنبي، يعود لتجريد السلطات السياسية لأجهزتها من الصلاحيات وإعطاء حماية البيانات الأولوية على الأمن. وأوضح بريدنبرغ أن قانون الاحتفاظ بالبيانات المثير للجدل لا يسمح لمزودي خدمات الاتصالات بتخزين بيانات المكالمات والمحادثات لأسباب تتعلق بقدسية حمايتها، وهذا ما يصعّب عمل المحققين التحري عمن يتصل بمن، ومن زار أي موقع إلكتروني وحيث يمكن تحديد هوية الشبكة، لكن هذا البحث على الشبكات مستحيل من دون الاحتفاظ بالبيانات. وتابع أنه في المقابل، أهم أجهزة الاستخبارات في العالم تسمح بعمليات بحث وتحريات دقيقة للاتصالات الإلكترونية من دون سبب، فيما يسمح للأجهزة الأمنية الألمانية بذلك فقط في حال وجود تهديد ملموس. ومن وجهة نظره، يتعين تحسين أداء أجهزة الاستخبارات ككل بما يتوافق مع المعايير الأوروبية، ولا يكفي مجرد جمع معلومات استخباراتية، بل يجب أن تكون هناك صلاحيات عملياتية مثل تدابير الأمن السيبراني وبموجب قانون.

وفي ما يتعلق بتفاصيل "الأمر القضائي"، أوضح بريدنبرغ أن جهاز الاستخبارات الفيدرالي (الاستخبارات الخارجية) والمكتب الفيدرالي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية)، لا يتمتعان إلا بإمكانية ولوج محدودة إلى أهم ثلاث وسائل تعتبر عادية ومن الممارسات الشائعة في مجال العمل الأمني في دول أخرى، مثل الاحتفاظ البيانات أو عمليات البحث عبر الانترنت أو مراقبة اتصالات المصدر، وباقي العمليات تتطلب أمراً قضائياً. مع العلم أن الأول يؤمن الاحتفاظ بعناوين الـ"آي بي" وأهميته تكمن بأنه إذا ما أقدم شخص ما على تنزيل معلومات عن جهاز متفجر عبر الإنترنت مثلاً وطلب المكونات اللازمة له عبر الشبكة، فمن الممكن التعرف إليه باستخدام البيانات المخزنة. وبخصوص البحث عبر الإنترنت فيشمل الفحص السري لأجهزة الحاسوب والهواتف المحمولة، ومراقبة وسائل التواصل لفك الاتصالات المشفرة بينها على منصات واتساب وسيغنال وتيك توك، فلا يسمح بها إلا بأمر قضائي، كالتدخل في اتصالات المشتبه بهم من دون سبب محدد.

ولفت بريدنبرغ إلى أن هناك أجهزة استخبارات أجنبية لديها دور تنفيذي أي القيام بمهام مسلحة، على عكس الألمانية التي يقتصر دورها على جمع وتحليل المعلومات. وهذا لا يشمل فقط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بل وعلى سبيل المثال جهاز الموساد. كما انه في أوروبا هناك أجهزة يمكن وصفها بأنها وكالات استخبارات بينها، جهاز المخابرات الخارجية الفرنسي، وهو ذراع عسكرية للعمليات السرية.

في وقت يعتبر وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت أن التعاون مع الاستخبارات الأجنبية جزء من الأدوات الأساسية على المستوى العملياتي حالياً، تنوي الحكومة الألمانية إصلاح قوانين الاستخبارات جذرياً، ويبدأ ذلك بإطار قانوني جديد لجهاز مكافحة التجسس العسكري. وسيمنح مشروع القانون المقدم من وزير الدفاع (بوريس بيستوريوس) صلاحيات أوسع بكثير، أهمها ما يتعلق بالأماكن المسموح له العمل فيها. وسيسمح مشروع القانون لجهاز مكافحة التجسس العسكري، بالعمل خارج القواعد العسكرية في الخارج، بعدما كان دوره يقتصر على العمل محلياً وفي الثكنات الأجنبية حيث يتمركز الجنود الألمان، في ظلّ مطالبات عاجلة من البرلمانيين بذلك، مع ميزانية أكبر لمواجهة التحديات المتنوعة من قبل الأجهزة بتقنيات وقدرات أكبر، توازياً مع المخطط الشامل لجميع وكالات الاستخبارات الألمانية الثلاث.


ألكسندر دوبرينت: تنوي الحكومة الألمانية إصلاح قوانين الاستخبارات جذرياً

تحولات استخبارية مرتقبة

إلى ذلك، ووفق المعلومات، فإن جهاز الاستخبارات الفيدرالي سيشهد تحولاً جذرياً، وسيرتقي دوره ليصبح جهازاً استخباراتياً سرياً حقيقياً وأكثر "عملانية". وهذا ما أوضحه أيضاً رئيسه الجديد مارتن ياغر خلال جلسة استماع عامة في البرلمان الشهر الماضي، ليتمكن من الخوض بمخاطرات أكبر بطريقة هادفة ومتسقة، وليتكامل أكثر مع الوكالات الأوروبية والدولية الشريكة، وسط تأكيدات خبراء أن الأمر يتطلب ولتعزيز التعاون بين الأجهزة بناء الثقة، هذا عدا ما ينبغي تحقيقه من خلال رقابة برلمانية فعالة حديثة وشاملة. وفي خضم عملية التطوير المنشودة والفهم لمصطلح "المعلومات" الذي يشمل الجمع والرسائل والوثائق والبيانات الأخرى بينها الشخصية، تنوي الحكومة العمل على منع التداخل في الصلاحيات وتنظيم المسؤوليات، بعد توسيع نشاط الاستخبارات العسكرية وجهاز الاستخبارات الفيدرالي، بصفته جهاز الاستخبارات الأجنبية، وحيث ينص القانون على أن دوره الرئيسي يقوم على جمع المعلومات الاستخباراتية ذات الأهمية للسياسة الخارجية والأمنية.

ودعا المفتش العام للقوات المسلحة الألمانية كارستن بروير، خلال مؤتمر لكبار المسؤولين العسكريين والمدنيين من أجهزة الأمن الألمانية، انعقد في برلين الشهر الماضي، ألمانيا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى الاستعداد للحرب الشاملة المحتملة مع روسيا، التي لا تزال تشكل التهديد الرئيسي لأوروبا. وشدّد على أن حرب المستقبل لا تختلف عن الحروب السابقة فحسب، بل أيضاً في جميع أبعادها، ومبيناً أن أوروبا تعيش "مرحلة انتقالية غامضة"، وعلى برلين تطوير استراتيجياتها الخاصة بعدما أضحى التهديد واسع النطاق وواقعاً يومياً منذ زمن طويل. بدوره، اعتبر المستشار فريدريش ميرز برسالة عبر الفيديو أن السلام في أوروبا لم يعد أمراً مسلماً به والتهديد الروسي حقيقي، بفعل الهجمات الهجينة كل يوم وأعمال التجسس والتخريب وأسراب المسيرات التي تجوب أوروبا وعمليات القتل المأجور والتضليل الإعلامي المستهدف، ويجب أن تصبح ألمانيا قادرة على الدفاع عن نفسها بأسرع وقت ممكن، وبالطبع توازياً مع تنشيط عمل أجهزة استخباراتها.

المساهمون