ألمانيا: تشدد وانقسام حيال مستقبل السوريين في طريق فرملة اليمين

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:33 (توقيت القدس)
إعلان انتخابي لميرز حينما كان مرشحاً للانتخابات (ناصر السهلي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- السياسة والهجرة: تسعى الحكومة الألمانية لتقليص نفوذ حزب البديل من أجل ألمانيا عبر تبني سياسة هجرة متشددة، مما أثار انقساماً داخل الائتلاف الحاكم بين من يدعو لسياسة إنسانية ومن يخشى تعزيز موقف الحزب اليميني المتطرف.

- التحديات العملية: يعيش في ألمانيا نحو مليون سوري، منهم 200 ألف حصلوا على الجنسية و700 ألف يتمتعون بوضع الحماية، مما يجعل ترحيلهم صعباً ويؤثر على الاقتصاد والنظام الصحي.

- البعد الإنساني والسياسي: تصريحات وزير الخارجية أثارت نقاشاً حول التوازن بين الإنسانية والسياسة، بينما يواصل حزب البديل تعزيز شعبيته عبر ربط اللجوء بالأمن والجريمة.

تسعى ألمانيا بقيادة المستشار المحافظ فريدريش ميرز إلى كبح نفوذ حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) عبر تبنّي سياسة هجرة متشددة. لكن تصريحاً عفوياً أدلى به وزير الخارجية يوهان فادفول خلال زيارة إلى سورية في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، قلب هذه الجهود رأساً على عقب، وفتح جبهة جديدة داخل الائتلاف الحاكم نفسه.

في إحدى ضواحي دمشق المدمّرة، قال فادفول متأثراً بمشاهد الخراب: "لم أرَ دماراً كهذا من قبل، ولم أكن لأتخيله أيضاً. لا يكاد يوجد هنا من يستطيع أن يعيش حياة كريمة... الوضع أسوأ مما كان عليه في ألمانيا عام 1945". كلمات الوزير لم تمرّ مرور الكرام، فقد أشعلت جدلاً داخل صفوف الاتحاد الديمقراطي المسيحي وشقيقه البافاري الاتحاد الاجتماعي المسيحي، وأظهرت انقساماً بين جناحين: أحدهما يطالب بسياسة إنسانية واقعية، وآخر يرى أن أي تليين في ملف الهجرة سيصبّ مباشرة في مصلحة حزب البديل اليميني المتطرف.

ميرز يحاول احتواء الأزمة

سارع المستشار ميرز، الذي يسعى لتصوير نفسه متصلبا بشأن الهجرة وتصوير حكومته "حارسة لبوابة أوروبا"، إلى تدارك الموقف قائلاً في مؤتمر صحافي بولاية شليسفيغ-هولشتاين: "انتهت الحرب الأهلية في سورية، ولا يوجد أي مبرر لاستمرار اللجوء. يمكننا البدء في إعادتهم". وأضاف مؤكّداً وعده الانتخابي بـ"تغيير جذري في سياسة اللجوء"، داعياً السوريين إلى العودة "الطوعية للمساهمة في إعادة إعمار وطنهم"، ومشدداً بالقول: "ومن يرفض، يمكن بالطبع طرده". لكن الضرر السياسي كان قد وقع بالفعل، إذ بدت كلمات فادفول كصفعة لاستراتيجية ميرز الصارمة، وأظهرت هشاشة التماسك داخل الحكومة، التي تراهن على خطاب التشدد لتقليص صعود اليمين الشعبوي.

حقائق معقدة على الأرض

رغم الخطاب السياسي المتشدد، تكشف الأرقام أن ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا أعقد بكثير من الشعارات الانتخابية. فمن بين نحو مليون سوري يعيشون في البلاد، يُطلب من أقل من ألف شخص فقط مغادرة الأراضي الألمانية، معظمهم من أصحاب السوابق.

في المقابل، حصل 200 ألف سوري على الجنسية الألمانية، ونحو 700 ألف يتمتعون بوضع الحماية القانونية، بينما يعيش عشرة آلاف بإقامات مؤقتة. كما يعمل حوالي سبعة آلاف سوري/ة في القطاع الصحي، بينهم أطباء وممرضون في مناطق ريفية تعاني نقص الكوادر. مغادرتهم ستشكّل ضربة مباشرة للنظام الصحي الألماني الذي يواجه أزمة موارد بشرية متفاقمة، كما تعاني منها بعض أنحاء أوروبا الأخرى. أما على المستوى القانوني، فقد رفع 170 ألف سوري دعاوى قضائية للبقاء في ألمانيا، ما يجعل تنفيذ قرارات الترحيل شبه مستحيل في المدى المنظور.

البعد الإنساني والسياسي

حاول فادفول لاحقاً الدفاع عن نفسه بالقول إن زيارته الميدانية كشفت له أن "الحديث عن العودة لا يمكن أن يتجاهل الواقع الإنساني هناك"، وأشار إلى أن كثيراً من السوريين "مندمجون اجتماعياً، ولديهم أطفال يتحدثون الألمانية، ويعيشون كجزء من المجتمع". لكن داخل الحكومة، فُسرت كلماته كـ"تراجع غير محسوب" في لحظة سياسية حرجة، خصوصاً بعدما أظهرت استطلاعات الرأي ارتفاع تأييد حزب البديل إلى 26%، أي بزيادة ست نقاط منذ وصول ميرز إلى السلطة قبل ستة أشهر.

"البديل": السوريون ضيوف مؤقتون في وطن لا يريدهم

ومنذ صعوده عام 2015، بنى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) جزءاً كبيراً من شعبيته على رفض اللجوء السوري. وبينما ترى الأحزاب التقليدية استقبال اللاجئين واجباً إنسانياً، يعتبر الحزب أن تلك السياسة كانت "الخطأ الأكبر في تاريخ ألمانيا الحديث"، بحسب زعيمته أليس فايدل.

في أدبيات الحزب، يُعدّ السوريون "ضيوفاً مؤقتين" ينبغي أن يعودوا فور زوال أسباب اللجوء. وتبنّى الحزب في وثيقته الأخيرة مبدأ "إعادة الهجرة الكبرى"، الذي يدعو إلى ترحيل المهاجرين غير الأوروبيين إلى بلدانهم الأصلية عبر اتفاقات مباشرة مع حكوماتهم. وقال الرئيس المشارك للحزب تينو شروبالا إن على الحكومة "وقف المساعدات عن اللاجئين الرافضين للعودة"، فيما ذهبت فايدل أبعد من ذلك بقولها إن "سورية اليوم أكثر أمناً من بعض المدن الألمانية في عطلة نهاية الأسبوع".

ورغم الجدل الذي تثيره هذه التصريحات، فإنها تلقى صدى متزايداً لدى فئات من الناخبين القلقين من موجات الهجرة، خصوصاً في الولايات الشرقية، حيث تتجاوز شعبية الحزب 35%.

معركة الهوية في ألمانيا

يربط حزب البديل بين اللجوء والأمن والجريمة وتدهور النظام الاجتماعي، مستنداً إلى حوادث فردية لتغذية سرديته عن "فشل الدولة في السيطرة على حدودها"، ويرى أن الهوية الثقافية الألمانية مهددة بالانحلال بسبب ما يسميه "الهجرة الإسلامية"، ويقترح حلولاً جذرية تشمل إغلاق الحدود، وإلغاء حق اللجوء الجماعي، واستبداله بمعالجة فردية للحالات الإنسانية القصوى.

لكن الواقع مختلف: فبين نحو مليون سوري يعيشون في ألمانيا، يعمل الآلاف في قطاعات حيوية ويساهمون في الاقتصاد المحلي، فيما أظهرت دراسات حديثة أن نسبة الاندماج التعليمي والمهني في صفوفهم هي الأعلى بين الجاليات غير الأوروبية.

سورية... اختبار أخلاقي وسياسي

مع دعوة ميرز للرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين لمناقشة "العودة الطوعية"، يطرح البعض تساؤلات حول "جدوى التعاون مع نظام متهم بانتهاكات حقوقية واسعة"، وهل يمكن فعلاً ضمان "عودة آمنة وكريمة" في بلد لا يزال يعاني الانقسام والعقوبات. ويرفض بعض المحافظين وفي اليمين المتشدد المساومة مع الشرع بشأن العودة إلى ما طرحته الحكومة الألمانية السابقة بمنح السوريين السفر إلى بلدهم "لدراسة وبحث إمكانية الانتقال إليه نهائيا"، باعتبارها سياسة غير فعالة.

في نهاية المطاف، عبّرت كلمات فادفول الصريحة، بحسب بعض ساسة ألمانيا، عن حقيقة تتجنّب برلين الاعتراف بها: أن سورية لم تصبح بعد بلداً صالحاً للعودة. وهو ما يمكن أن ينسحب على دول الشمال الأوروبي، التي تحاول إعادة بعض السوريين إلى وطنهم.

أما في ألمانيا، فقد أعادت تلك الكلمات فتح نقاش أعمق حول التوازن بين الإنسانية والسياسة، بين من يرى في اللاجئين عبئاً انتخابياً، ومن يراهم امتحاناً للقيم الأوروبية ذاتها، بالإضافة إلى عامل حاجة البلاد لمواردهم البشرية.

المساهمون