ألباريس يلتقي عطاف وولد مرزوق قبل جولة أولى للمفاوضات حول الصحراء

07 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 22:45 (توقيت القدس)
ألباريس يلتقي عطاف، 7 فبراير 2026 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عقد وزير الخارجية الإسباني لقاءات مع نظيريه الجزائري والموريتاني لتعزيز التعاون الإقليمي، مع التركيز على الثقة والتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، خاصة في ظل التوترات السابقة بشأن الصحراء الغربية.

- تتزامن اللقاءات مع استعداد مدريد لاستضافة مفاوضات سياسية حول مستقبل الصحراء الغربية، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، تحت إشراف الولايات المتحدة، بهدف إيجاد حل سياسي للنزاع.

- تسعى إسبانيا لترسيخ تعاون سنوي مع الجزائر وموريتانيا، بينما تواصل الرباط حشد الدعم لمبادرتها بشأن الحكم الذاتي، وسط تراجع دور الأمم المتحدة واهتمام أميركي متزايد بإنهاء النزاع.

لا يبدو أن اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، عصر اليوم السبت، مع نظيريه الجزائري أحمد عطاف والموريتاني محمد سالم ولد مرزوق في مدريد، تندرج فقط في سياقها الثنائي الرسمي المعلن، والمتعلق بإعادة ترميم العلاقات الدبلوماسية والتعاون الإقليمي، بقدر ما تشكل غطاءً دبلوماسيًا لحراك أكثر حساسية يجري في العاصمة الإسبانية بعيدًا عن الأضواء، ويتصل مباشرة بمستقبل الصحراء الغربية.

ففي حين أُدرج لقاء ألباريس مع وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، في قصر فيانا، ضمن مساعي تجاوز آثار الأزمة التي اندلعت عام 2022 عقب دعم مدريد مقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية؛ وهي الخطوة التي اعتبرتها الجزائر آنذاك انحيازًا لطرف على حساب قرارات الشرعية الدولية، بحث الجانبان سبل إعادة بناء الثقة وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، في وقت لا تزال فيه عملية تطبيع العلاقات تمر بمرحلة دقيقة.

ووزعت الخارجية الجزائرية بيانًا بشأن اللقاء بين عطاف والوزير الإسباني، واكتفت بتأكيد أن جلسة العمل التي جمعت الوزيرين "سمحت بتبادل وجهات النظر حول العديد من القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تطورات الأوضاع في منطقة الساحل الصحراوي وفي الفضاء المتوسطي"، من دون أن تشير بشكل واضح إلى المسألة الصحراوية. وكشف البيان، في السياق نفسه، أن وزير الخارجية الإسباني مُنتظر بدوره في زيارة مرتقبة قريبًا إلى الجزائر، تتضمن التحضير للدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري-الإسباني، ومناقشة علاقات التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والنقل.

وأوضح ألباريس أن الاجتماع الحالي يأتي بعد لقاء سابق عقد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 في جوهانسبرغ، لتعزيز العلاقات السياسية والتجارية والثقافية، ويهدف إلى تأكيد التزام إسبانيا بالاستقرار الإقليمي، والتحضير لمشاريع مشتركة في قطاعات استراتيجية. وتُعد هذه الخطوة بالنسبة للجزائر مهمة لتعزيز نفوذها في المغرب العربي والبحر الأبيض المتوسط الغربي، فيما تسعى إسبانيا إلى تأمين تدفقات الطاقة والتجارة والثقافة التي تأثرت بالتوترات السابقة.

وشملت اللقاءات مناقشات حول التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات، والوقاية من التهديدات الإرهابية، خاصة في منطقة الساحل، حيث أكد ألباريس أن الأمن المشترك يحمي المواطنين ويعزز الاستقرار في المنطقة بأسرها. كما تناولت الاجتماعات الأبعاد الاقتصادية والثقافية، إذ تسعى إسبانيا إلى تأمين العلاقات الطاقية مع الجزائر، ولا سيما في مجال الغاز الطبيعي والمشاريع المستدامة، وتشجيع الاستثمارات التي تدعم التنمية والتوظيف، إضافة إلى تعزيز التبادل التعليمي والثقافي والمشاريع التي تعزز الهوية المتوسطية المشتركة. وتتطلع إسبانيا، بعد هذه الاجتماعات، إلى ترسيخ جدول تعاون سنوي مع الجزائر وموريتانيا، يشمل قممًا ثنائية، وتبادلات تجارية، ومتابعة اتفاقيات الأمن.

كما التقى وزير الخارجية الإسباني نظيره الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق، وبحث معه آفاق التعاون الثنائي، لا سيما في ملفات الهجرة غير النظامية، والأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، في ظل اعتبار نواكشوط شريكًا استراتيجيًا لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في هذه القضايا. غير أن هذا الحراك الدبلوماسي العلني، المدرج على الأجندة الرسمية، يتزامن مع مسار آخر أكثر حساسية يجري بعيدًا عن الأضواء. فبحسب ما تسرب في عدة مصادر إعلامية، تستعد مدريد، غدًا الأحد، لاحتضان جولة مفاوضات سياسية سرية حول مستقبل الصحراء الغربية، تجمع بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، وتحت إشراف مباشر من ممثلين عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتُعقد هذه المفاوضات في مقر سفارة الولايات المتحدة الأميركية في مدريد، في أجواء من السرية التامة، بناءً على طلب صريح من مسعد بولس، الممثل الخاص للرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، ومايكل والتز، سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة، اللذين شددا على إبقاء تفاصيل الاجتماع بعيدة عن الإعلام، في مسعى لتوفير مناخ تفاوضي هادئ. ويشارك في اللقاء رؤساء أربعة وفود، يضم كل وفد ثلاثة أعضاء، يتقدمهم وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ونظيره الجزائري أحمد عطاف، ووزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق، إلى جانب مسؤول الدبلوماسية في جبهة البوليساريو محمد يسلم بيسط. كما يحضر الاجتماع ستيفان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، بصفته شريكًا نظريًا في رعاية المسار التفاوضي، رغم التراجع الواضح للدور الأممي خلال الأشهر الأخيرة لصالح الدبلوماسية الأميركية.

وتأتي جولة مدريد امتدادًا لاجتماع أولي سري عُقد قبل نحو أسبوعين في واشنطن، واستمر 48 ساعة، وكان من المقرر تنظيمه مبدئيًا في ولاية فلوريدا، وجمع الأطراف نفسها، دون أي تغطية إعلامية، بما في ذلك الصحافة الأميركية، في مؤشر على حساسية الملف ورغبة واشنطن في إدارة هذا المسار بعيدًا عن الضغوط السياسية والإعلامية. وتُظهر إدارة ترامب اهتمامًا متزايدًا بإنهاء نزاع الصحراء الغربية، إذ كان مسعد بولس قد صرح قبل شهر بأن حل هذا النزاع يمثل "أولوية قصوى" للولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، كثف تحركاته، بما في ذلك زيارة رسمية إلى الجزائر نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، التقى خلالها الرئيس عبد المجيد تبون، في اعتراف ضمني بثقل الجزائر وتأثيرها على جبهة البوليساريو.

ويرتكز الطرح الأميركي في هذه المفاوضات على قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والذي يعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي "الأساس الأكثر جدية وواقعية" للتوصل إلى حل سياسي نهائي، عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف. وكان المغرب قد قدّم مقترح الحكم الذاتي لأول مرة عام 2007 في وثيقة مقتضبة من ثلاث صفحات، غير أن ضغوطًا دبلوماسية متزايدة، خاصة من الولايات المتحدة وفرنسا، دفعت الرباط خلال الأشهر الأخيرة إلى توسيع المقترح. وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، قدّم نسخة جديدة من 40 صفحة، أُعدّت بمشاركة مستشارين ملكيين ومسؤولين أمنيين ووزاريين بارزين.

ورغم هذا التطور، ترى تقييمات أميركية أولية أن المقترح لا يزال دون مستوى "الحكم الذاتي الحقيقي"، إذ قد يتطلب تطبيقه تعديلًا دستوريًا في بلد شديد المركزية مثل المغرب، وهو ما قد يفتح الباب أمام مطالب مماثلة في مناطق أخرى، وعلى رأسها منطقة الريف. في المقابل، تواصل الرباط حشد الدعم الدولي لمبادرتها، حيث أيدتها دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة لأول مرة في يناير/ كانون الثاني الماضي، كما سبقت إسبانيا إلى دعمها رسميًا عام 2022، عبر رسالة وجهها رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إلى العاهل المغربي. وذهبت الولايات المتحدة وفرنسا إلى أبعد من ذلك باعترافهما بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية.

ويُعد تقليص دور بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) أحد الأهداف الرئيسية للمغرب في المرحلة المقبلة، مع اقتراب موعد مناقشة تجديد ولايتها داخل مجلس الأمن في إبريل/ نيسان أو أكتوبر/ تشرين الأول المقبلين، في ظل تقليصات مالية طاولت البعثة بالفعل. وفي ما يتعلق بالموقف الرسمي الإسباني، فقد أكدت مصادر في وزارة الخارجية الإسبانية لـ"العربي الجديد" أن إسبانيا لا تزال تلتزم بدعم مسار الحل السياسي في إطار الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مع الحفاظ على موقفها المعلن الداعم مقترحَ الحكم الذاتي المغربي بوصفه "أساسًا جديًا وواقعيًا" للتسوية، من دون الانخراط المباشر في أي مسار تفاوضي بديل.

وتشير هذه التطورات إلى أن ملف الصحراء الغربية دخل مرحلة جديدة، تُدار فيها المفاوضات بشكل مباشر من قبل القوى الكبرى، وسط تراجع واضح للدور الأممي، في انتظار ما ستسفر عنه محادثات مدريد من مؤشرات على ملامح التسوية المقبلة.

وكان وزير خارجية جبهة البوليساريو يسلم بيسط قد اعتبر، الخميس الماضي، خلال الندوة العربية للتضامن مع الشعب الصحراوي التي عُقدت في مخيمات اللاجئين في السمارة، أن "القرار الأخير لمجلس الأمن حول القضية الصحراوية 2797/2025 يشكّل الحد الأدنى لمواصلة التعاطي مع الجهود الأممية لإيجاد حل عادل ونزيه يمكن الشعب الصحراوي من ممارسة حقه المشروع في الحرية والاستقلال".