أفغانستان: أميركا تجمد أصول البنك المركزي والسكان يدفعون الثمن

أفغانستان: أميركا تجمد أصول البنك المركزي والسكان يدفعون الثمن

18 ابريل 2023
رجل يوزع الطعام على نساء في كابول (مهد رصفان/فرانس برس)
+ الخط -

أدى تجميد واشنطن لاحتياطيات البنك المركزي الأفغاني في الولايات المتحدة، منذ استيلاء حركة طالبان على السلطة، إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في هذا البلد من دون تأثير على النظام. كما لم يكن لإنشاء صندوق في سويسرا، بهدف إدارة نصف الاحتياطي، سوى تأثير ضئيل.

بينما أدى شتاء قاس بشكل خاص إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في أفغانستان، تبدو عملية الفكّ الجزئي لتجميد الأصول العائدة إلى هذا البلد في طريق مسدود.  تمّ إنشاء صندوق خاص في سبتمبر/أيلول 2022 في جنيف، بهدف إعادة المبالغ المحتجزة منذ وصول "طالبان" إلى السلطة في أغسطس/آب 2021 إلى البنك المركزي الأفغاني. ويدير هذا الصندوق، بنك التسويات الدولية (BRI)، الذي مقره في بازل (1). لكن في الوقت الحالي، لا تزال الأصول الأفغانية باقية في بنك التسويات الدولية.

لا يتفاءل شاه محمد محرابي، أحد المديرين الأربعة لصندوق الشعب الأفغاني، ورئيس لجنة التدقيق في البنك المركزي الأفغاني، بشأن تقدم المفاوضات: "إن تجميد هذه الأصول يؤدي إلى كارثة لا يمكن تصورها، وهي تتكشف أمام أعيننا، حيث يجد 22.8 ملايين شخص أنفسهم في حالة انعدام أمن غذائي حاد".

رسالة مفتوحة من سبعين اقتصادياً

تبلغ قيمة الأصول الأفغانية العالقة على مستوى بنك التسويات الدولية 3.5 مليارات دولار، أي نصف المبلغ المجمد البالغ 7 مليارات دولار منذ تولي "طالبان" السلطة. قدم شاه محمد محرابي، وهو أيضاً أستاذ الاقتصاد في كلية مونتغمري (ولاية ماريلاند الأميركية)، للرئيس الأميركي جو بايدن حلاًّ بديلاً، يتمثل في إعادة جميع الأموال إلى البنك المركزي الأفغاني، ولكن على شكل أقساط شهرية. يروي أنه اتصل شخصياً بالرئيس الأميركي في الأول من سبتمبر 2021، بعد أسبوعين من انتصار "طالبان"، لتنبيهه إلى العواقب الوخيمة لتجميد الأصول الأفغانية: "إن الشعب الأفغاني هو من تُضرّون. لقد شرحت له أن تجميد الأموال هذا ليس له سوى تأثير ضئيل على المجموعة الحاكمة". وقد اقترح الأستاذ محرابي حينها تخصيص 150 مليون دولار شهرياً للبنك المركزي الأفغاني لضمان استقرار الأسعار: "أصررت على أنني سأراقب العملية شخصياً، وأنه يمكن إيقافها إذا ما تم استخدام الأموال لغرض آخر غير استقرار الاقتصاد".

شاه محرابي:  وجد 22.8 ملايين شخص أنفسهم في حالة انعدام أمن غذائي حاد

إلى غاية فبراير/شباط 2022، كانت وزارة الخارجية الأميركية مهتمة بهذا الحل. لكن في 11 فبراير من ذلك العام، اتخذت واشنطن قراراً وصفه الخبير الاقتصادي الأفغاني بالسياسي: تخصيص نصف الأصول الأفغانية البالغة 7 مليارات دولار لعائلات ضحايا أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة.

في مرسومه الصادر في 11 فبراير 2022، ادعى الرئيس بايدن أن الأزمة الإنسانية وانهيار الاقتصاد الأفغاني "يشكلان تهديداً غير عادي واستثنائيا، للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة". وبالتالي، فإن الحفاظ على "بعض أصول البنك المركزي الأفغاني" من قبل المؤسسات المالية الأميركية سيكون، وفق تعبيره، "ذا أهمية قصوى لمواجهة هذه الحالة الطارئة الوطنية ولرفاهية الشعب الأفغاني". وأوضح الرئيس بعد ذلك أن ممثلي ضحايا الإرهاب "رفعوا دعاوى قانونية" ضد ممتلكات البنك المركزي الأفغاني، والتي أعلن أنها مجمدة بموجب المرسوم المذكور.

في رسالة مفتوحة إلى جو بايدن ووزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، في 10 أغسطس 2022، دعا، ولكن دون جدوى، سبعون اقتصادياً بارزاً، ومنهم جوزيف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل، السلطة التنفيذية الأميركية إلى الرجوع عن هذا القرار وتسليم كل الـ7 مليارات دولار للبنك المركزي الأفغاني.

وكان قد تم الاحتفاظ بهذه الأرصدة المالية في الاحتياطي الفيدرالي لبنك نيويورك. مثل العديد من الدول الأخرى، وضعت أفغانستان جزءاً من عملاتها بالدولار، بسبب استقرار هذه العملة. وبالتالي، كانت هذه الـ7 مليارات دولار في حوزة البنك المركزي الأميركي، قبل عودة "طالبان" إلى السلطة، الأمر الذي مكّن الولايات المتحدة من تجميدها. وخوفاً من أن تتمكن أسر ضحايا 11 سبتمبر من وضع يدها على جميع الأموال، وبعد 7 أشهر من المناقشات، بدعم من إدارة بايدن، تم تعيين بنك التسويات الدولية في سويسرا ليتسلم نصف الاحتياطي الوطني الأفغاني. وتمّ بالفعل تحويل 3.5 مليارات دولار إلى سويسرا، لكنها ما تزال بعيدة عن متناول الأفغان.

يُعد هذا التحويل بالتأكيد تقدماً، لكن يمنع أحد المسؤولين الأربعة للصندوق الأفغاني حالياً تحويل 3.5 مليارات دولار إلى البنك المركزي الأفغاني. يتعلق الأمر بممثل مصالح الولايات المتحدة، أندرو بوكول، وكيل بالنيابة لوزارة الخزانة الأميركية للشؤون الدولية. تعبّر مديرة أخرى للصندوق، الدبلوماسية السويسرية ألكسندرا بومان، عن شكوكها بشأن مصداقية البنك المركزي الأفغاني، معربة مع ذلك عن أملها في أن تنجح المحادثات: "سنضمن أن تتبنى المؤسسة نهجاً شاملاً، بمعنى أن تفعل ما يريده الأفغان، لأنها أموالهم"، كما صرحت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 لشبكة "سويس إنفو".

انخفاض الفساد

وبحسب هارون رحيمي، أستاذ القانون المشارك في الجامعة الأميركية بأفغانستان، تدور المناقشات الحالية حول كيفية الحفاظ على هذه الأموال أو استثمارها أو استخدامها لأغراض إنسانية. ولاحظ أنه "في ضوء قرارات طالبان الأخيرة، فإن فرص التوصل إلى حل وسط تبدو غير مرجحة".

اتخذت واشنطن قراراً "سياسياً" بتخصيص نصف الأصول الأفغانية البالغة 7 مليارات دولار لعائلات ضحايا أحداث 11 سبتمبر

الأسباب التي تجعل الـ5.3 مليارات دولار الموضوعة في سويسرا لا تأخذ طريقها إلى كابول سياسية جزئياً: قرارات "طالبان" الأخيرة بشأن حقوق المرأة خيّبت آمال الجميع، ويرى اثنان من الأمناء اللحظة غير مناسبة لإعادة جزء من الاحتياطي إلى البنك المركزي الأفغاني. كما يجب أن تُتخذ قرارات المؤسسة بالإجماع. وبحسب [أنور آهادي] الوصي الأفغاني الثاني، والمدير السابق للبنك المركزي ووزير المالية السابق، فإن الأميركي أندرو بوكول، لن يوافق على أي شيء لم يحظ بموافقة حكومته (2).

تعتبر الولايات المتحدة أيضاً أن حكومة "طالبان" لا تنفذ قرار مجلس الأمن رقم 2593 الصادر في 30 أغسطس 2021. يطالب هذا القرار على وجه الخصوص بألا تستخدم الأراضي الأفغانية لإيواء الإرهابيين أو التخطيط لأعمال إرهابية.

تحرج الهجمات التي نفذها الفرع الباكستاني من "طالبان" (تحريك طالبان باکستان) - مثل تلك التي وقعت في 30 يناير 2023 في بيشاور الباكستانية، والتي خلفت مائة قتيل - النظام في كابول، إذ إن "طالبان" باكستان تستعمل أفغانستان كقاعدة خلفية. كما يشدد نص القرار على أهمية احترام حقوق الإنسان، ومنها حقوق النساء والأطفال والأقليات. يجب أن نضيف إلى الأصول المحجوزة، الـ2.1 مليار دولار الموجودة في أوروبا، بسبب اصطفاف الأوروبيين مع العقوبات الأميركية.

ومع ذلك، يرى شاه محرابي أن هناك عنصرا إيجابيا من شأنه السماح برفع جزئي لتجميد الأموال، وهو انخفاض مستوى الفساد: "لكي تتسنى رؤية التقدم، يكفي أن نلاحظ أن الحكومة الجديدة قد زادت بشكل كبير في تحصيل الإيرادات في شكل رسوم جمركية وضرائب أخرى".

يتأكد هذا التحسن من خلال ترتيب منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية، التي تضع البلد في المرتبة 150 (من مجموع 180) في "مؤشر إدراك الفساد"، بينما كانت في المرتبة 174 في عام 2021. ومع ذلك، لم يؤخذ هذا التقدم في الاعتبار في المناقشات بشأن إلغاء تجميد الأموال.

"الاختيار بين التدفئة أو التغذية هذا الشتاء"

يتردد المستثمرون المحتملون، وأولئك الذين كانوا يتداولون في الماضي مع أفغانستان، في إعادة أموالهم إلى البلاد، خوفاً من العقوبات والصعوبات التي تنطوي عليها التحويلات الدولية. لا تزال الولايات المتحدة تحظر التحويلات المصرفية، وتطبق على الحكومة الحالية المرسوم الذي فرضه الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش ضد حركة طالبان، من بين آخرين، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 مباشرة.

يوضح السفير السابق للاتحاد الأوروبي في باكستان جان فرانسوا كاوتين، أنه منذ 15 أغسطس 2021 واستحواذ "طالبان" على السلطة، "يمكن أن تُعتبر أي معاملة مالية مع أفغانستان على أنها تندرج في نطاق هذه المراسيم وبالتالي من المحتمل أن تنتهك القانون الأميركي". وكان جان فرانسوا كاوتين قد أشار إلى الجانب غير المعقول لهذا الوضع في عمود نشره موقع "انفستمنت مونيتور" (3).

كتب الدبلوماسي أن التوقف المفاجئ في التمويل الدولي للتنمية بعد وصول طالبان "أدى على الفور إلى انكماش بنسبة 40 في المائة بالاقتصاد". كانت المساعدات الدولية تمثل وحدها 45 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وتمول 75 في المائة من الميزانية.  بالنسبة لعلي م. لطيفي، وهو صحافي مستقل مقيم في كابول، فإن "كل هذا ساهم في فقدان أكثر من 700 ألف منصب شغل. لم يعان قادة طالبان قط من هذه القيود المالية. المواطنون العاديون هم الذين يدفعون الثمن، ويَكْدَحون من أجل الحصول على النقود والعمل، ويضطرون إلى الاختيار بين التدفئة والطعام هذا الشتاء".

تدور المناقشات الحالية حول كيفية الحفاظ على هذه الأموال أو استثمارها أو استخدامها لأغراض إنسانية

وفقاً لأرقام منظمة "هيومن رايتس ووتش" غير الحكومية، في نهاية عام 2022، بعد عام ونصف العام من تغيير النظام، كان 90 في المائة من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي. بدون الوصول إلى احتياطياته الرئيسية، لم يعد البنك المركزي الأفغاني قادراً على أداء دوره في استقرار العملة المحلية والأسعار. لقد أثبتت قرارات "طالبان" الأخيرة، التي تقيد حقوق المرأة بشدة، مدى عدم اكتراثهم للعقوبات. النساء والأطفال هم أول ضحايا الأزمة الإنسانية الجارية.

سبق أن أطلق ديفيد بيسلي، المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي، ناقوس الخطر في ديسمبر 2021: "إن ما يحدث في أفغانستان مرعب. لقد قابلت أسراً بلا عمل أو مال أو طعام، وأمهات يبعن أطفالاً لإطعام أطفال آخرين، وبعض الأطفال المحظوظين الذين تمكنوا من الوصول إلى المستشفى"(4). كما حذرت المنظمة من أن أزمة الغذاء صارت تؤثر الآن على المدن كما على الريف. وبعد مرور عام، لم يتحسن الوضع، وهذا الشتاء، وهو الأبرد منذ عقد، حيث تصل درجات الحرارة إلى -33 درجة مائوية، أودى بحياة 166 شخصاً منذ بداية يناير وتسبب في نفوق قطعان بأكملها.

منظمات غير حكومية مضطرة للجوء إلى نظام الحوالة

وأمام هذا الوضع، أطلقت الأمم المتحدة نداءً للحصول على أموال، وتمّ تحقيق 42 في المائة فقط من الهدف في أكتوبر الماضي. والمفارقة أن الدول المانحة الرئيسية هي نفسها تلك التي تطبق العقوبات. تواصل الولايات المتحدة نفسها تقديم الأموال إلى الأمم المتحدة لعملياتها في أفغانستان، لكن العقوبات تعرقل تدفق الأموال إلى المنظمات الموجودة في أفغانستان.

يشرح جان فرانسوا كاوتين، الذي تتولى زوجته رئاسة بعثة المنظمة الفرنسية غير الحكومية La Chaîne de l'Espoir (سلسلة الأمل)، أن المنظمات الإنسانية مجبرة على نقل مبالغ نقدية من خلال المغتربين الذين يقومون برحلات ذهاباً وإياباً، أو استخدام نظام الحوالة غير الرسمي لتحويل الأموال.

عند سؤاله عن التغييرات التي حدثت منذ أكتوبر 2022، أشار جان فرانسوا كاوتين إلى تحسن طفيف في التحويلات المصرفية إلى أفغانستان، ولكن مع شبه احتكار لبنك خاص، بنك أفغانستان الدولي (AIB)، الذي يستقطع عمولات مهمة. "في المقابل فإن صندوق الشعب الأفغاني غير قادر حالياً على إنتاج أي شيء إيجابي"، يقول الدبلوماسي بأسف: "يبدو أن الأمناء عالقون في إجراءاتهم الخاصة".


(1) بنك التسويات الدولية منظمة مالية دولية تأسست عام 1930، مساهموها بنوك مركزية. تعرف نفسها على أنها "بنك البنوك المركزية". وتتمثل مهمتها الرئيسية في التعاون بين البنوك المركزية وهي تلعب دوراً حاسماً في إدارة احتياطيات النقد الأجنبي لهذه المؤسسات.

(2) بينما يعاني الأفغان، الولايات المتحدة تمنع خطة إعادة أموال البنك المركزي. Sarah Lazare,"as afghans suffer,US stalls on plan to return Central Bank funds, In These Times Magazine, décembre 2022

(3)العقوبات على أفغانستان: مستهجنة أخلاقياً وغير مسؤولة سياسياً. Sanctions on Afghanistan: Morally reprehensible and politically irresponsible

(4) أفغانستان: برنامج الغذاء العالمي يدعو للحصول على أموال بينما يواجه الأطفال "الجوع والمجاعة"، ديسمبر 2021. Afghanistan : World Food Programme calls for funds as children face "hunger and starvation", Décembre 2021,


ينشر بالتزامن مع موقع أوريان 21
https://orientxxi.info/ar

 

المساهمون