أزمة كوبنهاغن مع واشنطن تعمّق الانقسام حول استقلال غرينلاند

10 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 13:36 (توقيت القدس)
صورة لترامب ورئيسة وزراء الدنمارك، 12 يناير 2026 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التوتر السياسي بين غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة يعيد الجدل حول استقلال الجزيرة، حيث تسعى حكومة غرينلاند لاحتواء النقاش بينما تصر المعارضة على إبقاء خيار الانفصال حاضراً.

- حكومة غرينلاند تركز على الوحدة الوطنية وحماية المؤسسات الديمقراطية بدلاً من الاستقلال الفوري، بينما يدعو حزب "ناليراك" القومي إلى استفتاء لتقرير المصير وبناء شرعية دولية مستقلة.

- الخلافات السياسية تؤدي إلى شلل في البرلمان الغرينلاندي وتصاعد التوتر الاجتماعي، مع تباين آراء المواطنين حول توقيت الاستقلال وأهمية الدبلوماسية وبناء الدولة.

أعاد التوتر بين الدنمارك والولايات المتحدة بشأن مستقبل غرينلاند إحياء الجدل حول الاستقلال داخل الجزيرة القطبية، بعد فترة من الهدوء النسبي. ففي حين تسعى حكومة غرينلاند إلى احتواء النقاش وتحييده مرحلياً، تُصرّ قوى المعارضة على أن الظرف الراهن لا يسمح بمزيد من التأجيل، وأن خيار الانفصال عن كوبنهاغن يجب أن يبقى حاضراً في صلب النقاش السياسي، رغم تأكيد رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن مؤخراً أن الأزمة مع واشنطن لم تُحسم بعد.

وبين الطموحات المتكررة للرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه غرينلاند، وتمسّك مملكة الدنمارك بوحدة كومنولثها، تجد الجزيرة نفسها عالقة في صراع دولي تجاوز إطاره الدبلوماسي، وانعكس مباشرة على توازناتها الداخلية وخياراتها المصيرية. ورغم تراجع حدّة النقاش العلني حول الاستقلال خلال ذروة السجال بين واشنطن وكوبنهاغن، فإن الخلافات الجوهرية داخل المشهد السياسي الغرينلاندي لم تتبدد، بل عادت إلى الواجهة بزخم متجدد. فالاستقلال ظلّ، لعقود، محور الحملات الانتخابية وأساس تشكّل أحزاب رئيسية مثل اليساري "إنويت أتاكاتيجيت"، والقومي "ناليراك"، وحزب يسار الوسط "سيوموت"، التي أسهمت في صياغة الهوية السياسية الحديثة للجزيرة.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، عبّر رئيس حكومة غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن عن هذا التوازن الحذر بقوله، خلال ظهوره إلى جانب ميتا فريدركسن في كوبنهاغن: "إذا كان علينا الاختيار الآن بين الولايات المتحدة والدنمارك، فإننا نختار الدنمارك"، وهو موقف كرّره رئيس الحكومة السابق ووزير المالية الحالي المؤيد للاستقلال، موتي بوروب إيغيدي، الذي رأى أن المرحلة الراهنة لا تحتمل صراعات داخلية، داعياً إلى توحيد الصف الوطني في ما وصفه بـ"مرحلة خطرة"، تكون فيها حماية السيادة والديمقراطية أولوية تتقدم على أي نقاش آخر.

- أولوية السيادة قبل الاستقلال

وتعكس مقاربة حكومة غرينلاند، ولا سيما القوى المحسوبة على "إنويت أتاكاتيجيت"، انتقالاً واضحاً من خطاب تحرّري طويل الأمد إلى منطق إدارة الأزمات، فبدل الدفع نحو تفعيل بند الاستقلال المنصوص عليه في قانون الحكم الذاتي، تفضّل الحكومة التركيز على خطاب الوحدة الوطنية وحماية المؤسسات الديمقراطية.

ولا يُقدَّم هذا التحوّل بوصفه تخلياً عن حلم الدولة، بل كقراءة واقعية لموازين القوى. فغرينلاند لا تزال تعتمد اقتصادياً بشكل كبير على التحويلات الدنماركية، كما أن بنيتها الإدارية لم تُختبر بعد في إطار دولة مستقلة كاملة السيادة، إلى جانب مخاوف من أن يؤدي أي فراغ سيادي إلى فتح الباب أمام ضغوط أو تدخلات من دول أخرى، في مقدمتها الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، تسعى الحكومة إلى كسب الوقت وتأجيل الاستحقاق المصيري إلى لحظة دولية أقل اضطراباً وأكثر قابلية لضمان انتقال آمن.

في المقابل، يرى حزب "ناليراك" القومي أن هذه الواقعية تحوّلت عملياً إلى حالة من الجمود السياسي تُكرّس استمرار العلاقة غير المتكافئة مع الدنمارك. ومن وجهة نظره، فإن الخطر الأميركي لا يُواجه بالاحتماء الدائم بكوبنهاغن، بل ببناء شرعية دولية مستقلة عبر استفتاء واضح يكرّس حق تقرير المصير. ويستند خطاب الحزب إلى منطق قانوني–مبدئي يرى أن الدولة المستقلة وحدها تملك الأهلية الكاملة لتوقيع اتفاقيات دفاعية وأمنية، وأن الاستقلال من شأنه إزالة الذرائع التي تسمح بالتشكيك في سيادة غرينلاند، واستبدال علاقة التبعية الحمائية بشراكات متكافئة قائمة على الندية.

ويعبّر كونو فينكر، أحد أبرز وجوه حزب "ناليراك"، عن رفضه لما يصفه بالخضوع غير المبرر للضغوط الدنماركية والأميركية، مشدداً على أن الاستقلال هو السبيل الوحيد لضمان احترام سيادة غرينلاند. وفي تصريحات للتلفزة الدنماركية، أكد أن الدنمارك لا تتعامل مع الجزيرة على قدم المساواة، ما يدفع حزبه للمطالبة بإعادة تعريف العلاقة بين الطرفين. كما يرفض فينكر الاتهامات التي طاولته بعد زيارته لواشنطن العام الماضي، مؤكداً أن هدفه ليس استبدال تبعية بأخرى، بل بناء استقلال يتيح علاقات متوازنة مع كل من الدنمارك والولايات المتحدة.

شلل سياسي وتوتر اجتماعي

انعكست هذه الخلافات على عمل البرلمان الغرينلاندي "إيناتسيسارتوت"، حيث جرى تعليق الجلسات بذريعة الحاجة إلى التهدئة في ظل الأزمة، وهو ما فاقم التوتر بين الحكومة الائتلافية والمعارضة، وتحول سريعاً إلى مواجهة علنية على وسائل التواصل الاجتماعي.

في الشارع الغرينلاندي، الذي لا يتجاوز عدد سكانه 56 ألف نسمة، يسود قلق متزايد من مآلات التفاهمات السياسية بين واشنطن وكوبنهاغن وحلف شمال الأطلسي، بالتوازي مع تصاعد الانقسام الداخلي. فبينما يرى بعض المواطنين أن الاستقلال يتطلب وقتاً واستقلالاً مالياً قد يستغرق سنوات، يعتبر مؤيدو الاستفتاء على تقرير المصير أنه حق سيادي لا يجوز رهنه بالحسابات الظرفية.
في المقابل، يؤكد مسؤولون ومواطنون دنماركيون أن غرينلاند تملك حق الاستقلال قانونياً بموجب اتفاقية الحكم الذاتي، مع التشكيك في جاهزيتها العملية، وهو موقف تتقاسمه أطياف واسعة من الوسط واليمين في كوبنهاغن، مقابل دعم يساري لحق غرينلاند غير المشروط في تقرير مصيرها.

وبين الواقعية وحلم الاستقلال، يقرّ موتي بوروب إيغيدي بأن حلم الاستقلال لا يزال حاضراً في الوجدان الغرينلاندي، لكنه يشدد على أن الظرف الراهن لا يحتمل انقسامات داخلية قد تُضعف موقف البلاد، معتبراً أن حماية الوطن أولوية تتقدم على سائر الخلافات. وفي المقابل، يلخص كونو فينكر المشهد باستعارة لافتة حين يقول: "الولايات المتحدة دب قطبي، والدنمارك كلب صغير، ونحن جروه. الصراخ لن ينقذنا، الدبلوماسية وبناء الدولة هما الحل". وعلى وقع هذين النهجين، تقف غرينلاند أمام مفترق طرق حساس، يتقاطع فيه طموح الاستقلال مع اعتبارات الأمن والواقع الجيوسياسي، في لحظة مفصلية قد تحدد مستقبل الجزيرة لعقود مقبلة.