أزمة سبتة تضع حكومة سانشيز بين أنياب أوروبا والمغرب ويمين الداخل
- الأزمة كشفت عن هشاشة التفاهمات بين إسبانيا والمغرب، حيث ألقى رئيس الحكومة الإسبانية باللوم على شبكات الاتجار بالبشر، وأثارت تكهنات حول تأثير التنافس الإقليمي على العلاقات الإسبانية المغربية.
- أثارت الأزمة انتقادات أوروبية، حيث أعلنت إيطاليا عن إجراءات رقابية، ودعت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى حماية الحدود الخارجية، مما أضاف ضغوطاً جديدة على حكومة سانشيز.
على الرغم من أجواء التعاون والتنسيق التي أشار إليها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مع السلطات المغربية في مؤتمره الصحافي أمس الجمعة، من مدينة سبتة الإسبانية التي توجه إليها على خلفية أزمة المهاجرين غير الشرعيين الذين عبروا من المغرب إلى المدينة الإسبانية، إلا أنه لم يتردد في وصف ما حدث بأنه "هجوم على سيادة الأراضي الإسبانية"، خصوصاً أن موجة تدفق المهاجرين المغاربة إلى مدينة سبتة الإسبانية، والتي تجاوز عددهم 50 ألف مهاجر غير شرعي بحسب تقديرات وزارة الداخلية، وأدّت إلى مقتل 67 شخصاً في آخر حصيلة أعلنت اليوم السبت، أعادت إلى الذاكرة أزمة مايو/أيار 2021 بين البلدين، حين دخل آلاف الأشخاص بتساهلٍ من السلطات الرسمية المغربية، في واحدة عرفت حينها بأكبر موجات الهجرة غير النظامية في تاريخها.
وكانت أزمة 2021 محطة مفصلية في إعادة رسم العلاقات السياسية بين إسبانيا والمغرب، حيث أثّرت بشكل واضح على الحكومة الإسبانية من أجل إعادة تقييم موقفها حول قضية الصحراء الغربية، فقد تبنت إسبانيا سياسية الحياد لعقود، لكنها على أثر تلك الأزمة أعلنت دعمها مقترح الحكم الذاتي الذي قدّمته الرباط حلّاً للنزاع. ومنذ ذلك التغير في الموقف الإسباني، دخلت العلاقات المغربية الإسبانية في مرحلة جديدة، توجت باتفاقيات أمنية وسياسية، كما زار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الرباط عام 2022، وتعهد الطرفان بتعزيز التعاون في مراقبة تدفقات الهجرة، إضافة إلى تفاهمات حول المعابر الجمركية بين سبتة ومليلة والمغرب.
غير أن التدفق غير المسبوق الذي شهدته المدينة الإسبانية خلال اليومين الماضيين كشف هشاشة العلاقات والتفاهمات بين إسبانيا والمغرب، على الرغم من تركيز الحكومة الإسبانية على تحميل المسؤولية الكاملة لشبكات الاتجار والمافيات، وهو ما أشار إليه رئيس الحكومة الإسبانية في كلمته، الجمعة، بعد اتصالات مكثفة مع الجانب المغربي، ليقول في نهاية الأمر إن اللوم يقع على شبكات الاتجار بالبشر التي استغلت قراراً صادراً عن المحكمة العليا الإسبانية مفاده أن من يدخل سبتة سباحةً لا يمكن إعادته إلى المغرب. غير أن مصادر أمنية تحدثت لـ"العربي الجديد" أفادت بأن "هذا الحجم الهائل من المهاجرين وطريقة تنفيذ العملية، إضافة إلى غياب وجود عناصر الأمن المغربي لحظة الاقتحام، كلّها أمور تثير الكثير من إشارات الاستفهام حول ضلوع السلطات المغربية في الأمر".
خوان كروز: أزمة سبتة جاءت بعد زيارة سانشيز إلى الجزائر، ولذلك استغلتها أحزاب اليمين الإسباني
وكانت مصادر إعلامية قد ربطت التطورات في سبتة بزيارة رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر (في يوليو/تموز الماضي)، مشيرةً إلى التنافس بين المغرب والجزائر، ورابطةً هذه التطورات بأي تقارب تقوم به إسبانيا تجاه الجزائر، لا سيما في ظلّ عدم حسم قضية الصحراء الغربية. غير أن مصادر في وزارة الخارجية الإسبانية نفت لـ"العربي الجديد" وجود أي علاقة بين التقارب مع الجزائر والتطورات في سبتة، وأكدت التنسيق الكامل مع الجانب المغربي.
في حديثه مع "العربي الجديد"، يقول المحلل السياسي الإسباني خوان كروز إن "أزمة سبتة تأتي في وقت حسّاس، لا سيما أنها جاءت بعد زيارة رئيس الحكومة إلى الجزائر، ولهذا ربطت بعض الأوساط السياسية الأمر بالزيارة، خصوصاً الأوساط المحسوبة على اليمين واليمين المتطرف، مركّزة على أن العلاقات الإسبانية لا تتحرك وفق المصالح الثنائية فحسب، بل أيضاً هناك ملفات إقليمية معقدة تؤثر على العلاقات، في مقدمتها الصحراء الغربية، ومستقبل العلاقات مع الجزائر، وهناك أيضاً قضايا تاريخية لم تُحل مثل وضع سبتة ومليلة. لذلك ربطت تلك الأوساط، وفق كروز، الأزمة الحالية في سبتة بالسياسة الخارجية الإسبانية، كي تُبرز فشل حكومة سانشيز في إدارة السياسية الخارجية للبلاد، وهو نوع من الضغط الذي تمارسه أحزاب المعارضة على الحكومة الإسبانية، وقد استطاعت أن تجد في هذه الأزمة فرصةً لتعزيز ضغطها".
ويتابع كروز: "بالطريقة نفسها التي وجد اليمين الفرصة مناسبة لانتقاد سياسيات سانشيز الخارجية، نرى أيضاً أن أوساط اليسار، والقريبة من الحكومة بشكل عام، ربطت الأزمة بضغوط تمارسها قوى دولية، على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، بسبب مواقف حكومة سانشيز في كثير من الأمور، أبرزها القضية الفلسطينية". لكنه يلفت إلى أن ذلك "يبقى مجرد قراءات سياسية لصالح طرف أو آخر، فيما واقع الحال يقول إن هناك أزمة إنسانية كبيرة تفوق الأزمة السياسية"، متسائلاً: "ما الذي يدفع هؤلاء الأشخاص كي يخاطروا بحياتهم برّاً وبحراً ويتركوا بلدانهم؟".
وكانت أحزاب المعارضة الإسبانية المتمثلة في حزب الشعب اليميني المحافظ وحزب فوكس اليميني المتطرف قد استغلت الأزمة لمهاجمة حكومة ساشيز محمّلةً إياها مسؤولية ما يحدث، ومطالبةً بتعديل قانون الهجرة بما يضمن تطبيق إجراء "الإعادة على الحدود" ليشمل المهاجرين الذي وصلواً بحراً إلى مدينتي سبتة ومليلة. ودعا الحزب اليميني في بيان صدر أمس الجمعة إلى عقد جلسة خاصة لمجلس النواب لمناقشة أزمة سبتة، وطالب بمثول سانشيز أمام البرلمان لشرح موقف الحكومة وإجراءاتها.
أما حزب فوكس اليميني المتطرف، فاعتبر أن ما يحدث ليس عملية هجرة بل "غزو" للحدود، وحمّل حكومة سانشيز المسؤولية الكاملة بسبب سياستها في الهجرة، لا سيما بعد التسوية الاستثنائية التي سبق أن أعلنت عنها في إبريل/نيسان الماضي، والتي جرت بموجبها تسوية أوضاع أكثر من مليون شخصاً، داعياً إلى إغلاق الحدود بشكل كامل وتعزيز الوجود الأمني.
وبعيداً عن التجاذبات السياسية الحاصلة بين الأحزاب، أكد رئيس الوزراء الإسباني التنسيق والتعاون مع المغرب لمعالجة الأزمة، وهذا ما بدا واضحاً حين أعلنت وزارة الداخلية عودة أكثر من 48 ألفاً و300 مهاجر غير نظامي إلى الأراضي المغربية بعد التنسيق مع السلطات المغربية، أي ما يعني أنه لم يبق إلا ألفي شخص من الوافدين داخل الأراضي الإسبانية.
الضغط الأوروبي
واليوم السبت، أعلن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا ارتفاع عدد ضحايا تدفق المهاجرين إلى 67 قتيلاً، مؤكداً أن الوضع بات تحت السيطرة. وأثارت أزمة التدفق الجماعي للمهاجرين غير الشرعيين إلى مدينة سبتة موجة من التحركات والانتقادات الأوروبية ضد حكومة سانشيز، لعل أبرزها إعلان رئيسية الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن قرار فرض إجراءات رقابية على القادمين من إسبانيا في رحلات جوية أو بحرية، معتبرة أن هذ القرار لن يشمل سوى المواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي "واستثنائياً لحماية الأمن القومي".
وكانت قد أعلنت تعليق العمل مؤقتاً بحرية التنقل داخل اتفاقية شنغن مع إسبانيا، إلا أنها أوضحت أن الإجراءات لن تطاول المواطنين الإسبان أو مواطني الاتحاد الأوروبي.
وردّت الخارجية الإسبانية على إجراءات السلطات الإيطالية، وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس إن "سلامة فضاء شنغن مضمونة بالكامل"، داعياً إلى وضع حد لما وصفه بـ"التباس متعمد" تثيره إيطاليا.
وكانت أحزاب اليمين الأوروبي قد شنّت في وقت سابق هجوماً لاذعاً على حكومة سانشيز، حيث اتهمت الحكومة الإسبانية بتحمل مسؤولية "الانهيار الحاصل".
وفي بروكسل، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين أن "الصور القادمة من سبتة غير مقبولة"، مشدّدة على ضرورة حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وتسريع عمليات إعادة المهاجرين.
في المقابل، أرسل رئيس الوزراء الإسباني، أمس، رسالة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، أعرب فيها عن استيائه من مواقف بعض الدول الأوروبية، وداعياً إلى اجتماع عاجل لوزراء داخلية الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد.
ودافع عن سياسية بلادة في ملفات الهجرة خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أنها أسهمت بشكل كبير في تخفيض أعداد المهاجرين غير النظاميين وجعلت إسبانيا "ثاني أكثر الحدود الخارجية أمناً في الاتحاد الأوروبي" على الرغم من أنها العضو الوحيدة التي تمتلك حدوداً برّية مع القارة الأفريقية.
وتضيف هذه الأزمة ضغوطاً جديدة على حكومة رئيس الوزراء الإسباني باعتبارها ضغوطاً أوروبية، لا سيما أن حكومته تمرّ أصلاً بمرحلة سياسية معقدة في ظل أزمات الفساد التي طاولت مقربين من الحزب الاشتراكي، بمن فيهم زوجته بيغونيا غوميز وشقيقه ديفيد، إضافة إلى رئيس الوزراء الأسبق خوسيه رودريغز ثاباتيرو، إلى جانب تداعيات حرائق الغابات الواسعة التي استنزفت جهود الدولة وأثارت انتقادات في طريقة إدارة الأزمة وعدم الوقاية المسبقة، وضغوط المعارضة من أجل تقديم استقالته وإعلان انتخابات مبكرة، ليجد سانشيز نفسه اليوم أمام تحد جديد في احتواء التداعيات الداخلية والأوروبية لأزمة جديدة، جاءته من بلاد يحاول حتى الآن أن يكون دبلوماسياً معها إلى أبعد الدرجات.