أزمة ثقة عبر الأطلسي: استراتيجية الأمن القومي الأميركية تهز التحالف
استمع إلى الملخص
- أثارت الاستراتيجية ردود فعل متباينة في أوروبا، حيث يعتبر نصف الأوروبيين ترامب عدواً، لكنهم يفضلون تسوية الخلافات معه، باستثناء بولندا التي تعتبره شريكاً استراتيجياً.
- يشعر الأوروبيون بقلق من ضعفهم العسكري، مما دفعهم لتبني خطة دفاعية مشتركة بحلول 2030، مع استمرار اعتبار الولايات المتحدة الحليف الأكبر.
تعيش العلاقات عبر الأطلسي واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ نهاية الحرب الباردة، بعد أن كشفت أخيراً إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب
عن استراتيجية الأمن القومي الجديدة، التي نُشرت في واشنطن. وجاءت الوثيقة بمثابة صفعة سياسية مباشرة للحكومات الأوروبية، فقد حملت لهجة غير مسبوقة في حدّتها تجاه الحلفاء التقليديين، ووصفت أوروبا بأنها قارة ضعيفة، مضطربة سياسياً، تتراجع عن قيمها الديمقراطية، وتقف على حافة "فناء حضاري" إذا استمرت في سياساتها الحالية.التحوّل في الخطاب لم يكن مجرد صياغة رسمية، بل يعكس توجهاً استراتيجياً ثابتاً في أولويات الأمن القومي الأميركي منذ عهد ترامب السابق، وقد أبرز ملامحه نائب الرئيس جي دي فانس في مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير/ شباط الماضي. وتقول الاستراتيجية بوضوح، إن "أيام دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي بأسره قد انتهت"، وتطالب الدول الأوروبية بتحمّل مسؤولية أمنها الإقليمي بالكامل، ورفع إنفاقها العسكري إلى 5% من الناتج المحلي، بدل 2% المعلن سابقاً. كذلك تتهم الوثيقة حكومات أوروبية بأنها أقلية غير مستقرة، "تدوس المبادئ الديمقراطية لقمع المعارضة"، مستهدفة بشكل خاص ما تصفه باليمين القومي، وهو خطاب لم يُستخدم سابقاً تجاه الحلفاء الغربيين.
لا يقتصر النقد الأميركي على الجانب العسكري، بل يشمل ما تراه واشنطن هشاشة الحكومات الأوروبية سياسياً، واعتمادها على توقعات غير واقعية بشأن الحرب في أوكرانيا، وانفصالها عن إرادة شعوبها، مع التأكيد المثير للجدل أن أوروبا هي المنطقة الوحيدة التي تمثل تهديداً للديمقراطية، وهو ادعاء رفضه قادة وصفوه بـ"الغريب وغير الواقعي". كذلك أعادت الاستراتيجية تعريف التهديد الروسي، داعية أوروبا إلى إعادة فتح التجارة مع موسكو، بدلاً من التركيز على العقوبات، في تحوّل عن استراتيجية 2022 التي صنّفت روسيا والصين ضمن أكبر التهديدات، ويُفسَّر هذا التوجه بأنه يعكس مقاربة أميركية جديدة تركز على المكاسب الاقتصادية المباشرة، والصفقات الثنائية، مبتعدة عن الالتزامات طويلة الأمد تجاه أوروبا.
جذور المواجهة: فانس وأوروبا المنحرفة والضعيفة
يمثل خطاب فانس في ميونخ امتداداً للرؤية التي أصبحت رسمية في الاستراتيجية الجديدة، معتبراً أن أكبر تهديد لأمن أوروبا داخلي، نتيجة انحرافها عن قيمها الديمقراطية. وتصف الاستراتيجية الحكومات الأوروبية بأنها أقلية حزبية غير مستقرة تهدد الديمقراطية، بينما تشجع صعود الأحزاب القومية والشعبوية لتعزيز الاستقرار، وتنتقد سياسات أوروبا تجاه أوكرانيا والهجرة والمناخ، مؤكدة هشاشة القارة وضعفها الرسمي رغم توقع لعبها دوراً أكبر في أمنها الإقليمي.
الانقسام الأوروبي: ترامب صديق أم عدو؟
ردود الفعل الأوروبية كانت مختلطة، ويتوقع أن تتزايد في الأيام المقبلة مشاعر الصدمة. فرئيس وزراء السويد الأسبق كارل بيلت، اعتبر بوضوح أن الوثيقة قريبة من خطاب الكرملين، متسائلاً عن سبب اعتبار الديمقراطية الأوروبية مهدَّدة، بينما وصفت ألمانيا الخطاب بأنه "أقرب إلى خطاب (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين منه إلى خطاب حليف عبر الأطلسي"، وفق قول المتحدث باسم السياسات الخارجية في التحالف الديمقراطي المسيحي يورغن هاردت. في المقابل، رأت المجر أن التوجه الجديد يمنح القوى الوطنية الأوربية هامشاً أكبر لاستعادة زمام المبادرة، مؤكدين السيادة الاقتصادية والسياسية.
من جهة أخرى، كشف استطلاع أوروبي واسع أجرته من فرنسا مجلة لو غران كونتينينت ومعهد كلاستر 17، أن نحو نصف الأوروبيين يرون ترامب عدواً لأوروبا، مع اختلاف النسب بين الدول: 62% في بلجيكا، 57% في فرنسا، و53% في إسبانيا، مقابل 10% فقط يعتبرونه صديقاً. ورغم ذلك، يفضل 48% من الأوروبيين الحل الوسط، وتسوية الخلافات مع الولايات المتحدة، بدلاً من الانزلاق في مواجهة مفتوحة، ما يعكس خوفاً من انهيار التحالف الأطلسي بالكامل. وحدها بولندا تشكل استثناءً، إذ تعتبر ترامب شريكاً استراتيجياً مهماً، نظراً لتاريخها الطويل مع روسيا، واعتمادها على الحماية الأميركية.
القلق الأمني يتزايد: الخوف من الحرب والعجز الدفاعي
يشعر الرأي العام الأوروبي بضعف عسكري ملموس، إذ يرى 69% أن بلدانهم غير قادرة على مواجهة عدوان روسي، وتصل النسبة إلى أكثر من 80% في البرتغال وإيطاليا وبلجيكا، فيما يعتبر 51% احتمال اندلاع حرب مرتفعاً، و18% يراه مرتفعاً جداً، وكلما ابتعدت الشعوب عن الاحتكاك بروسيا، قلت نسب الخوف من حرب معها. كذلك يُعدّ 63% الإرهاب تهديداً كبيراً، وسط مخاوف من الانقسامات الداخلية، والتطور التكنولوجي، ومسار الرفاه الاجتماعي.
رداً على ذلك، تتبنى المفوضية الأوروبية خطة دفاعية مشتركة لتمكين القارة من إدارة شؤونها العسكرية بحلول 2030، وهو اعتراف ضمني بعدم جاهزيتها حالياً، ما يطرح تحدياً مزدوجاً: تعزيز القدرات الدفاعية داخلياً، والتعامل بحذر مع النفوذ الأميركي الذي يركز على مصالحه الذاتية. وعلى الرغم من الانتقادات الأميركية الحادة، لا يزال الأوروبيون يعتبرون الولايات المتحدة الحليف الأكبر، ويأملون إعادة العلاقات إلى ما كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية، خشية العواقب الاقتصادية والسياسية لأي انفصال.
ويصف مراقبون الوضع بأنه "علاقة متصدعة يخشى الطرفان فكّ ارتباطها"، إذ يدرك الأوروبيون أن القطيعة ستكون مكلفة للغاية، فيما تدرك واشنطن أن نفوذها العالمي مرتبط بشكل كبير بوحدة الغرب. على تلك الخلفية، جاء تأكيد مقررة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أمس السبت، لأهمية العلاقات بواشنطن رغم الاختلافات.
مستقبل غامض: أوروبا بين إعادة البناء والارتهان
في ظل استراتيجية ترامب الجديدة وتصاعد التوترات، تواجه أوروبا خياراً تاريخياً: إما تعزيز قدراتها الدفاعية والسياسية داخلياً واستعادة توازنها الاستراتيجي، وإما الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة في عالم سريع التغير ومليء بالتهديدات الوجودية. فالاستراتيجية الأميركية الجديدة التي تصف أوروبا بأنها ضعيفة سياسياً وهشة اقتصادياً، تصطدم بقلق شعبي عميق، وتجعل من أي تحرك أوروبي نحو الاستقلال الذاتي مشروعاً صعب التنفيذ، لكنه في الوقت نفسه ضرورة للحفاظ على استمرارية القارة، ودورها في النظام الدولي.