أزمة اليسار الإسباني: من تجربة الحكم لخطر التآكل الانتخابي
- بعد الأزمة الاقتصادية في 2008، ظهر حزب بوديموس كقوة يسارية جديدة، لكن انتقاله للحكومة أبرز تناقضات أضعفت قاعدته، مما أدى لظهور تكتلات جديدة مثل "يونيداس بوديموس" و"سومار" بخطاب أكثر اعتدالاً.
- مع تراجع فرص الحكم المنفرد، اتجه اليسار للتحالفات، لكن التباينات الداخلية أضعفت قدرته على مواجهة اليمين، مما يشكل تحديًا كبيرًا قبل انتخابات 2027.
منذ استعادة الديمقراطية في إسبانيا أواخر سبعينيات القرن الماضي، شكّل اليسار الإسباني أحد الأعمدة الأساسية للنظام السياسي الجديد، وكان فاعلاً مركزياً في إعادة بناء الدولة، وترسيخ الحرّيات العامة، وتوسيع الحقوق الاجتماعية بعد عقود من حكم ديكتاتوري طويل. غير أن هذا اليسار، الذي دخل العقد الخامس من عمره الديمقراطي، يواجه اليوم واحدة من أكثر مراحله تعقيداً، في ظل انقسامات داخلية وانشراخات عميقة وتراجع في القدرة على تحويل الوزن الانتخابي إلى نفوذ سياسي مستقر. وقد أعادت الانتخابات الإقليمية الأخيرة في أراغون، شمال شرقي إسبانيا، تسليط الضوء على هذه الأزمة، بعدما تحوّل التشتّت اليساري إلى عامل حاسم في إضعاف التمثيل البرلماني، مقابل يمين متطرف نجح في استثمار الانقسام لمصلحته. بالنسبة لكثير من المراقبين، الخسارة في إقليم أراغون هي أكبر من كونها خسارة محلية، إنها إنذارٌ مبكر مما قد يحدث على نطاق وطني إذا استمر الوضع على حاله.
من هيمنة "الاشتراكي" إلى كسر الثنائية السياسية
تاريخياً، كان الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني (بي أس أو إي) القوة اليسارية التقدمية الأكثر رسوخاً منذ الانتقال الديمقراطي في أواخر سبعينيات القرن الماضي. قاد الحزب حكومات مفصلية وأسهم في بناء منظومة اجتماعية حديثة، وكان الطرف اليساري شبه الوحيد القادر على الوصول إلى السلطة حتى مطلع العقد الثاني من الألفية. غير أن الأزمة الاقتصادية عام 2008 أحدثت شرخاً عميقاً في الثقة السياسية. في هذا السياق، ظهر حزب بوديموس (يسار راديكالي) عام 2014، متكئاً على حركة الغاضبين والاحتجاجات الاجتماعية، ورافعاً خطاباً نقدياً حاداً للنخب السياسية والاقتصادية. كان حزب بوديموس التعبير الأبرز عن هذا التحوّل. فقد نجح، بقيادة بابلو إغليسياس، في تحويل الغضب الاجتماعي إلى مشروع سياسي مُنظم، ودخل البرلمان بقوة في انتخابات 2015، محققاً أكثر من خمسة ملايين صوت، ومعلناً نهاية احتكار الحزبين الكبيرين للمشهد السياسي، أي الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، وحزب اليمين الشعبي (بي بي). لكن هذا الصعود السريع حمل في طياته بذور الأزمة. فمع انتقال "بوديموس" من الشارع إلى المؤسسات، ثم مشاركته في الحكومة الائتلافية عام 2020، برزت تناقضات داخلية بين منطق الحركة الاحتجاجية ومتطلبات الحكم.
تحوّل التشتّت اليساري إلى عامل حاسم في إضعاف التمثيل البرلماني
في حديثه لـ"العربي الجديد"، يقول الصحافي والمحلّل السياسي خوان كروث، إن "بوديموس لم ينجح في بناء هوية مستقرة بين كونه حزباً احتجاجياً وحزباً حاكماً، ما جعله يفقد جزءاً من قاعدته لصالح قوى يسارية أخرى". ويضيف أن "الصراعات القيادية والانقسامات التنظيمية ساهمت في تراجع وزنه الانتخابي بشكل ملحوظ، وإلى ظهور تكتل "يونيداس بوديموس" الذي ضمّ تيار اليسار كلّه تقريباً، أولاً، ثم بعد ذلك "سومار"، الذي قدّم نفسه على أنه يسار تقدمي أقل حديّة، استطاع أن يخاطب قواعد المجتمع ويتحدث عن مشاكلهم في السكن والعمل والمساواة وغيرها من الحقوق الاجتماعية بشكل أقرب إلى لغة الناس منه من لغة اليسار الراديكالية عموماً".
تآلف بدأ مقسّماً
مع تراجع فرص الحكم المنفرد، دخل اليسار الإسباني مرحلة التحالفات. وفي عام 2016، شكّل حزب بوديموس ائتلافاً انتخابياً مع قوى يسارية أخرى، أبرزها "اليسار الموحد" (آي يو) تحت اسم "يونيداس بوديموس"، ومثّل هذا التحالف محاولة لتوحيد اليسار غير الاشتراكي في كتلة واحدة قادرة على منافسة الحزب الاشتراكي واليمين معاً. نجح "يونيداس بوديموس" في ترسيخ نفسه قوةً برلمانية ثالثة، وأصبح لاحقاً الشريك الرئيسي للحزب الاشتراكي في أول حكومة ائتلافية تُشكّل عام 2020، حيث حصل على 35 مقعداً كانت حاسمة من أجل الائتلاف مع الحزب الاشتراكي والحصول على 167 صوتاً معاً في البرلمان. ولكن سرعان ما كشفت تجربة الحكم التباينات العميقة داخل المعسكر اليساري. فبينما تبنّى الحزب الاشتراكي نهجاً إصلاحياً حذراً، دفع بوديموس نحو سياسات أكثر تصعيداً في ملفات سوق العمل والسكن والضرائب، ما أدّى إلى خلافات متكررة داخل الحكومة.
في هذا السياق، برزت وزيرة العمل يولاندا دياز شخصيةً مختلفة، إذ اعتمدت أسلوباً تفاوضياً وبراغماتياً مكّنها من تمرير إصلاحات عمّالية كبرى بدعم النقابات وأرباب العمل. ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، بدأت تُقدَّم بوصفها القادرة على إعادة ترتيب الفضاء التقدمي وتجاوز الاستقطاب الحاد داخله.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي والباحث في شؤون اليسار إنريكي سانتياغو، القريب من أوساط الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني، أن انقسام اليسار غير الاشتراكي لا يشكل مكسباً حقيقياً للحزب الاشتراكي، حتى وإن بدا ذلك انتخابياً على المدى القصير. ويضيف سانتياغو في حديثه إلى "العربي الجديد"، أن "ضعف الشريك اليساري يجعل الحكومة أكثر هشاشة برلمانياً، ويقلّص قدرتها على تمرير إصلاحات طموحة، ويدفعها للاعتماد بشكل أكبر على تفاهمات مع قوى قومية أو إقليمية"، لافتاً إلى أن "التوازن داخل المعسكر التقدمي لا يتحقق بغياب أحد أطرافه، بل بوجود شريك قوي ومنظم قادر على تحمّل كلفة الحكم".
تقدّم وزيرة العمل يولاندا دياز بوصفها قادرة على إعادة ترتيب الفضاء التقدمي وتجاوز الاستقطاب الحاد داخله
إشكالية تكتل سومار
هكذا وُلد مشروع "سومار" بوصفه امتداداً سياسياً لتجربة "يونيداس بوديموس"، لكن مع محاولة واضحة لإعادة صياغة الخطاب والتنظيم. استطاع المشروع ضمّ قوى يسارية متعددة، مثل "اليسار الموحد"، و"ماس مدريد" و"كومونيس" وغيرها من الأحزاب اليسارية التي كانت جزءاً من الائتلاف السابق، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام قطيعة مع أصدقاء الأمس، مع بوديموس نفسه، الذي رفض الذوبان داخل الصيغة الجديدة. وفي انتخابات يوليو/تموز 2023، حصل تحالف سومار على نحو 31 مقعداً في البرلمان، فيما احتفظ بوديموس بـ10 مقاعد مستقلة، بينما حصل الحزب الاشتراكي على 121 نائباً من أصل 350. هذا الانقسام البرلماني كرّس عملياً وجود يسارين غير اشتراكيين متنافسين داخل المعسكر التقدمي. ومنذ تلك اللحظة، بات المعسكر اليساري موزعاً بين شريك حكومي يسعى إلى الاستقرار والاستمرارية تمثل في "سومار"، وقوة يسارية أخرى تفضّل التموضع في موقع نقدي، حتى من داخل الأغلبية البرلمانية نفسها، تمثّلت في "بوديموس".
وفي هذا الإطار، يربط الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة كومبلوتنسيبمدريد، خوسيه إغناسيو كوندي - رويث، أزمة اليسار الإسباني بالتحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها البلاد. ويقول في حديثه إلى "العربي الجديد" إن "جزءاً واسعاً من القاعدة التقليدية لليسار لم يعد يشعر بأن الخطاب السياسي الحالي يعكس مخاوفه اليومية الحقيقية، خصوصاً في ما يتعلق بأزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم استقرار العمل"، مضيفاً أن "تعدد القوائم اليسارية لا يُربك الناخب فقط، بل يعزز الانطباع بأن هذه القوى منشغلة بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها بتقديم حلول ملموسة".
أنطونيو ماييّو: الوحدة لم تعد خياراً أيديولوجياً، بل ضرورة سياسية
وفي السياق ذاته، يقول المؤرخ الإسباني خوان سيسينيو بيريز غارثون، مؤلف كتاب "تاريخ اليسار في إسبانيا"، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إن "سومار يعكس أزمة اليسار الإسباني أكثر مما يحلّها، إذ يجمع قوى متعددة دون أن ينجح بعد في صياغة خطاب موحد قادر على منافسة بساطة خطاب اليمين". ويضيف أن "الناخب اليساري بات يعاقب الانقسام أكثر مما يكافئ التنوع. عدا عن أن هذا الانقسام انعكس على الأداء السياسي والانتخابي لليسار، لا سيما على المستوى الإقليمي والمحلي، حيث تتنافس قوى يسارية متقاربة البرامج على قواعد انتخابية محدودة، ما يؤدي إلى تشتيت الأصوات وإضعاف القدرة على مواجهة اليمين المحافظ". ويقدّم مثالاً "في الانتخابات الأخيرة في أراغون، حين أظهر الواقع أن مجموع أصوات اليسار المنقسم لا يترجم إلى تمثيل فعلي، في حين يستفيد اليمين من وضوح قيادته وتماسك خطابه".
اليسار الإسباني وانتخابات أراغون
جسّدت انتخابات إقليم أراغون التي أقيمت في الثامن من شهر فبراير/شباط الحالي، هذا الواقع اليساري المنقسم بوضوح. فعلى الرغم من أن مجموع أصوات اليسار في الإقليم كان كافياً لتحقيق تمثيل أوسع، فإن تشتتها بين قوائم عدة أدى إلى نتائج كارثية: خروج بوديموس من البرلمان الإقليمي، وحصول تحالف "سومار - اليسار الموحد" على مقعد واحد فقط. في المقابل، استفاد اليمين من وحدة صفوفه، محققاً مكاسب فاقت وزنه الحقيقي.
بعد مشهد أراغون المفزع بالنسبة لليسار، والذي يعكس ما قد يحصل في الانتخابات العامة، بدأت أربع قوى يسارية مشاركة في الحكومة العمل على إطلاق مبادرة جديدة تُعرف بـ"تحالف اليسارات"، تهدف إلى بناء إطار تنسيقي دائم استعداداً لانتخابات 2027. ويُنظر إلى هذه الخطوة، بما تتضمنه من عقد اجتماع في 21 فبراير الحالي لبحث التوافق بين تكتلات اليسار، بوصفها اعترافاً صريحاً بأن التشتت بات يهدّد قدرة اليسار الإسباني على البقاء في موقع التأثير. في حديثه لـ"العربي الجديد"، يقول منسق اليسار الموحد، أنطونيو ماييّو، إن "الوحدة لم تعد خياراً أيديولوجياً، بل ضرورة سياسية"، محذّراً من أن "أي قوة ترفض الانخراط في مشروع جامع ستدفع ثمن ذلك انتخابياً، ولذلك لا بدَّ من إعادة تعريف دور اليسار الاجتماعي والسياسي في زمن لم تعد فيه إنجازات الماضي كافية لضمان ثقة ناخبي الحاضر".
لا شك أن اليسار الإسباني يقف اليوم أمام اختبار تاريخي. فالتعددية التي كانت مصدر غنى سياسي تحوّلت، في غياب التنسيق، إلى عامل إضعاف بنيوي. وبين حزب اشتراكي يقود الحكومة لكنه يفتقر إلى أغلبية مريحة، ويسار غير اشتراكي متشظٍ، يتقدم اليمين بخطاب أكثر وضوحاً وتنظيماً، حتى وإن لم يخلُ بدوره من تناقضات داخلية. وفي ظلّ صعود اليمين المتطرف ممثلاً بحزب فوكس، الذي نجح في فرض أجندته على النقاش العام في قضايا الهوية والهجرة والمركزية، يصبح أي انقسام إضافي داخل المعسكر التقدمي مكسباً سياسياً مباشراً لمنافسيه. وإذا لم تنجح محاولة إعادة ترتيب البيت الداخلي، فقد يجد اليسار نفسه في انتخابات 2027 أمام مشهد سياسي مختلف جذرياً عن سنوات صعوده، مشهد يتسم باستقطاب حاد، وتراجع في هامش المناورة، وربما عودة إلى ثنائية قطبية أكثر صلابة لا تترك مجالاً واسعاً للتجارب الائتلافية التي ميّزت العقد الماضي.