أزمة النيل تتجدّد بين مصر وإثيوبيا

18 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:15 (توقيت القدس)
قرب سد النهضة الإثيوبي، فبراير 2022 (ميناسي وينديمو هايلو/الأناضول)

عادت أزمة مياه النيل بين مصر وإثيوبيا تثير توتراً إقليمياً، على خلفية تصريحات لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا بشأن قدرة بلاده على التحكم في تدفقات النهر إلى دول المصب، بالتزامن مع استمرار أديس أبابا في خططها لتطوير عدد من السدود الجديدة على النيل الأزرق. وقال الوزير الإثيوبي، في مقابلة تلفزيونية، إن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده. وأثارت التصريحات، رد فعل مصرياً حاداً، إذ اعتبرت القاهرة أن أي توجّه إثيوبي للتحكّم في تدفقات مياه النيل يمثل تجاوزاً لقواعد القانون الدولي ومحاولة لفرض أمر واقع جديد على نهر دولي تتشارك فيه دول المنبع والمصب، وفق ما نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية عن مصدر مصري مسؤول.

أزمة مياه النيل

وتعليقاً على ذلك، قال وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي بشأن وضع تدفقات مياه النيل المتجهة إلى دول المصب تحت السيطرة الإثيوبية لا تخدم العلاقات بين دول حوض النيل، ولا تساعد على بناء الثقة المطلوبة لإدارة مورد مائي مشترك، وأضاف أن المسألة بالنسبة إلى مصر تتجاوز الخلاف حول مشروع بعينه، لأنّ الموارد المائية تمثل عنصراً أساسياً في حياة الدولة المصرية، وبالتالي فإن أي محاولة للسيطرة على تدفقات المياه أو استخدامها كورقة ضغط تفرض التعامل معها باعتبارها قضية تتصل مباشرة بالأمن القومي.

محمد علام: أي محاولة للسيطرة على تدفقات المياه أو استخدامها كورقة ضغط تفرض التعامل معها باعتبارها قضية تتصل مباشرة بالأمن القومي

وأكد علام أن القاهرة لا ترفض حق إثيوبيا في التنمية أو إقامة مشروعات لتلبية احتياجات شعبها، وإنما تتمسك بأن يجري ذلك في إطار يحترم مصالح دول المصب، وبالتنسيق مع مصر والسودان، خصوصاً عندما تكون المشروعات ذات تأثير محتمل على تدفقات النهر. ورأى أن طبيعة بعض المشروعات الإثيوبية وسعاتها التخزينية الكبيرة تطرح تساؤلات تتجاوز مسألة إنتاج الكهرباء أو خدمة التنمية الداخلية، معتبراً أن امتلاك قدرات كبيرة على تخزين المياه يمكن أن يمنح أديس أبابا هامشاً أوسع للتأثير في تدفقات النهر، وهو ما يمثل مصدر القلق الأساسي بالنسبة إلى القاهرة. وشدد على أن إقامة مشروعات على الأنهار الدولية ليست مسألة تخضع لإرادة دولة واحدة، وإنما تحكمها قواعد ومبادئ مستقرة في القانون الدولي، وفي مقدمتها إخطار الدول المتأثرة بالمشروعات وعدم التسبب في أضرار لها.

تساؤلات حول أهداف إثيوبيا

من جهته، قال أستاذ الزراعة والموارد المائية في جامعة القاهرة، نادر نور الدين، إن تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي قد تفتح الباب أمام أزمة قانونية وسياسية أكبر، خصوصاً أن قواعد القانون الدولي للمياه العابرة للحدود تقوم على احترام مصالح الدول المتشاطئة وعدم اتخاذ إجراءات تؤدي إلى إلحاق ضرر ملموس بها، وأكد في حديث لـ"العربي الجديد" أن دول المنبع ليست صاحبة سلطة مطلقة على تدفقات الأنهار الدولية، مشيراً إلى أن المشروعات المائية الكبرى لا ينبغي أن تؤدي إلى تغيير جوهري في كميات المياه أو توقيت وصولها أو نوعيتها إلى دول المصب، وأن إدارة الموارد المائية المشتركة تتطلب قدراً من التنسيق والإخطار والتوافق بين الأطراف المعنية، بما يمنع تحول المشروعات المائية إلى مصدر دائم للتوتر بين دول الحوض.

نادر نور الدين: تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي قد تفتح الباب أمام أزمة قانونية وسياسية أكبر

وطرح نور الدين تساؤلات بشأن الأهداف الفعلية للتوسع الإثيوبي في إنشاء السدود، قائلاً إنّ إنتاج الكهرباء، باعتباره أحد المبررات الرئيسية للمشروعات المائية، يمكن تحقيقه من خلال مصادر متعددة للطاقة، من بينها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود، في حين لا توجد بدائل حقيقية للمياه بالنسبة للدول التي تعتمد على النهر في احتياجاتها الأساسية. ومن هذا المنطلق، اعتبر أن تقييم التحركات الإثيوبية لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الفني المرتبط بإنتاج الطاقة أو التنمية، وإنما يجب أن يشمل أيضاً أبعادها السياسية والإقليمية.

ولفت أستاذ الموارد المائية إلى أنّ الخلاف المصري الإثيوبي قد يتأثر كذلك بالتطورات السياسية في منطقة القرن الأفريقي، في ظل سعي أديس أبابا إلى تعزيز حضورها الإقليمي والبحث عن منفذ بحري، معتبراً أن تزامن هذه الملفات قد يفسر جانباً من التصعيد في الخطاب المتبادل بين القاهرة وأديس أبابا، خصوصاً مع تمسك مصر برفض إقامة مشروعات جديدة على النيل الأزرق بصورة منفردة ومن دون ترتيبات تضمن عدم الإضرار بمصالح دول المصب. ولا تأتي التصريحات الإثيوبية الأخيرة بمعزل عن تحركات عملية على الأرض، إذ أعلنت أديس أبابا في مارس/آذار الماضي خططا لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق. وتقول إثيوبيا إن هذه المشروعات تستهدف بصورة أساسية إنتاج الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية وربط البلاد بشبكات الطاقة الإقليمية، فيما تنظر إليها القاهرة من زاوية مختلفة، باعتبار أن زيادة عدد المنشآت الإثيوبية على مجرى النيل الأزرق تمنح أديس أبابا قدرة أكبر على تنظيم تدفقات المياه قبل وصولها إلى السودان ومصر.

دلالات