أزمة المعارضة الروسية المركبة: تأثير محدود في الداخل وانقسام في الشتات
استمع إلى الملخص
- ركز بوتين في بداية حكمه على إخضاع الأوليغارشيين وترويض أحزاب المعارضة، مما أدى إلى غياب تحركات معارضة قوية حتى حراك 2011 الشعبي.
- مع الحرب على أوكرانيا، انتقل ثقل المعارضة إلى المنفى، حيث تواجه تحديات الانقسامات الداخلية وغياب سياسات واضحة من البلدان المضيفة، مما يحد من تأثيرها في الداخل الروسي.
دأب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، منذ توليه السلطة عام 2000، على تدجين قوى المعارضة الروسية بالترغيب والترهيب، والتخلص من خصومه السياسيين، وإقصاء أو سجن من يغردون خارج السرب. وطوال ربع قرن من حكمه، وجهت منظمات حقوقية وتقارير استقصائية اتهامات لبوتين بالمسؤولية عن حالات تصفية جسدية لشخصيات من المعارضة الروسية وآخرهم المعارض البارز أليكسي نافالني الذي توفي في زنزانته في 16 فبراير/ شباط الماضي، في ظروف غامضة. وأظهرت وقائع الانتخابات الرئاسية لعام 2024 أنّ أحزاب المعارضة الروسية التقليدية باتت تؤدي دوراً ثانوياً ضمن الهامش الذي يحدده لها بوتين. كما أظهرت في الوقت نفسه تراجع الحراك المجتمعي المعارض في الداخل، وضعف تأثير المعارضين الذين انتقلوا إلى الخارج، وفشلهم في احداث تغيير ملموس في الرأي العام الروسي، على الرغم من الفاتورة الثقيلة للحرب على أوكرانيا، والتضييق غير المسبوق على الحريات الفردية ومصادرتها، وتدهور مستويات المعيشة، وعسكرة الاقتصاد.
واجه بوتين حراكاً شعبياً غير مسبوق في عامي 2011 و2012
من إخضاع الأوليغارشيين إلى استهداف المعارضة الروسية
أعطى بوتين خلال المرحلة الأولى من توليه الحكم أولوية قصوى لإخضاع مجموعة الأوليغارشيين، الذين ظهروا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأصبحوا متنفذين ومراكز قوى في عهد الرئيس الراحل بوريس يلتسين. وقام بوتين بإلحاق من خضع منهم بدائرته المقربة، مثل رومان أبراموفيتش وأليشر عثمانوف ويوري ميلنر وأندريه ميلينشينكو وميخائيل فريدمان، وأصبح هؤلاء جزءاً من استراتيجية بوتين لتثبيت نظام حكمه، وخدمة أجنداته السياسية في العلاقة مع الغرب. أما الذين رفضوا الخضوع فكان مصيرهم النفي أو السجن، وأبرزهم بوريس بيريزوفسكي، الذي ساعد بوتين في الوصول للسلطة وكان يعتبر صانع السياسات في زمن الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، وميخائيل خودوركوفسكي، رئيس شركة النفط الروسية العملاقة يوكوس، وسيرغي بولونسكي المطور العقاري، وغيرهم. وضَمِن بوتين بذلك ضبط وتوجيه تأثير الأوليغارشيين في السياسة الداخلية الروسية، وتقويض أهم ركائز النفوذ الغربي في روسيا.
وعلى خط مواز، استهدفت أيضاً السياسات التي اتبعها بوتين، على امتداد الولايتين الرئاسيتين الأولى والثانية من حكمه، ترويض أحزاب المعارضة الروسية التقليدية، من شيوعيين وليبراليين وقوميين، وجعلها ملحقةً بنظام حكمه لتجميل صورته وإكسابه صبغة ديمقراطية وتعددية، من خلال تنافس تلك الأحزاب فيما بينها على أداء دور الوصيف لحزب "روسيا الموحدة"، الذي أسسه بوتين عام 2001، وما زال يحتفظ بالأكثرية في مجلس الدوما حتى الآن. ولم تسجل في الأعوام الثمانية الأولى من حكم بوتين، بين عامي 2000 و2008، تحركات وازنة في الشارع للمعارضة. لكن بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في الرابع من ديسمبر/كانون الأول عام 2011 واجه نظام بوتين حراكاً شعبياً معارضاً وغير مسبوق، احتجاجاً على نتائج الانتخابات التشريعية، التي فاز بها حزب "روسيا الموحدة" وأحاطت بها شبهات تزوير، وعلى إعلان بوتين عزمه ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة في مارس/آذار 2012. ورفع المحتجون شعارات طالبوا فيها بإعادة فرز الأصوات في الانتخابات وعدم ترشح بوتين لولاية رئاسية جديدة.
وبرزت في خضم الاحتجاجات تشكيلات معارضة متمردة على نظام الحكم، أو بمعنى آخر غير ممثلة في مجلس الدوما، من أقصى اليسار الراديكالي واليمين الليبرالي وحركة "الروس" القومية. غير أنه في واقع الأمر، فبالإضافة إلى حضور ممثلين عن كل الأطياف في الاحتجاجات الشعبية، إلا أن جوهر التحول الذي عبّرت عنه الاحتجاجات هو تجاوب منظمات المجتمع المحلي مع الدعوات للمشاركة في التظاهرات التي تركزت في العاصمة موسكو ومدينة سان بطرسبورغ وشملت بزخم أقل عشرات المدن الروسية، وانتقلت سريعاً من شعارات مكافحة الفساد إلى شعارات ترفع مطالب سياسية تهدد نظام الحكم شبه المطلق لبوتين. وكان من الملاحظ أن حجم المشاركة الشعبية في الاحتجاجات أوسع من نفوذ مكونات المعارضة الروسية المتمردة. وبالنظر إلى أن غالبية الذين شاركوا في الاحتجاجات كانوا من أبناء الطبقة الوسطى في العاصمة موسكو والمدن الكبرى، يتضح أن نفوذ المعارضة الروسية المتمردة، أو غير التقليدية، يكاد ينحصر في حدود فئات معينة من الطبقة الوسطى.
شنّ بوتين حرباً على جماعات المجتمع المدني في روسيا
ونظر كثيرون إلى الاحتجاجات الشعبية حينها بأنها معضلة خلقها نظام بوتين لنفسه، نجمت عنها إشكالية عميقة في علاقته مع شرائح واسعة من المجتمع. وتكررت الاحتجاجات على نطاق أضيق في السنوات اللاحقة عبّرت عن وجود استياء شعبي، كانت تشعلها غالباً قضايا مطلبية، والتذمر من الركود الاقتصادي جنباً إلى جنب الفساد، قبل أن تعود وترفع شعارات عدم الثقة بالحكومة وبوتين. ورغم الاحتجاجات ظلّت نسبة الثقة ببوتين مرتفعة، في دليل على افتقار المعارضة إلى أطر منظمة تستطيع من خلالها توظيف الاحتجاجات وتوسيع نطاقها، والخروج منها بمكاسب سياسية. وسجل في هذه المرحلة دور متميز للمعارض أليكسي نافالني، سدّ فيه الفراغ الذي تركته اغتيال بوريس نيمتسوف، في 27 فبراير عام 2015.
أسباب فشل المعارضة الروسية في الداخل
أدت أطراف المعارضة الروسية غير الممثلة في البرلمان، وجماعات المجتمع المحلي في روسيا الدور الرئيسي في مناهضة نظام الحكم الشمولي لبوتين، إلا أن المعارضة عانت، وما زالت تعاني، من مشكلة عدم قدرتها على توحيد صفوفها في ائتلاف أو إطار تنسيقي، بسبب تباعدها أيديولوجياً، وعدم الاتفاق على الأهداف السياسية وآليات تحقيقها. وحتى المكونات الأقرب إلى بعضها البعض أيديولوجياً فشلت في بناء أطر تعاون بينها قادرة على الحياة لفترة طويلة، فقد شابت علاقاتها صراعات ذات طابع شخصي كان من الصعب حلها، على الرغم من توافق كل أطراف المعارضة الروسية على رفض نظام حكم بوتين، وتبني غالبيتها أيديولوجيا ليبرالية. على سبيل المثال لا الحصر، في عام 2008 تم تأسيس ائتلاف معارض تحت اسم "تضامن" بالروسية، شارك في تأسيسه بوريس نيمتسوف وإيليا ياشين وغاري كاسباروف وفلاديمير ميلوف وفلاديمير كارا مورزا ونيكيتا بيليك وآخرون. وفي عام 2012، تم تأسيس "مجلس التنسيق للمعارضة الروسية"، وتم انتخاب ياشين ونافالني وبوريس نيمتسوف، قياديين في المجلس من بين آخرين. لكن لم يحقق أي من الإطارين الغرض المطلوب من وراء تأسيسه.
أظهرت استطلاعات الرأي الروسية أن غالبية الشعب الروسي تؤيد الحرب على أوكرانيا
ومن أسباب تراجع دور المعارضة الروسية في الأعوام الأخيرة، شنّ بوتين عام 2021 حرباً على منظمات المجتمع المدني أو المنظمات غير الحكومية، كان من بين أدواتها مصادقة مجلس الدوما (البرلمان) الروسي على إلزام المنظمات غير الحكومية، التي تحصل على مساعدات مالية خارجية، بتسجيل نفسها لدى وزارة العدل الروسية، ممثلا لمؤسسات أجنبية ينطبق عليها تصنيف "العملاء الأجانب"، مما شكّل ضربة قوية لمنظمات المجتمع المحلي الممولة من الغرب، التي كانت تضطلع بدور محوري في الاحتجاجات ضد بوتين، وارتد ذلك سلباً على المعارضة الليبرالية. يشار إلى أن الحملة على منظمات المجتمع المدني جاءت على خلفية عودة التظاهرات في أغسطس/آب 2019، احتجاجاً على رفض لجنة الانتخابات قبول ترشيحات ممثلي المعارضة للانتخابات المحلية في موسكو. كذلك برزت تظاهرات في خاباروفسك بأقصى شرقي روسيا، في يوليو/تموز 2020، ضد قرار اعتقال حاكم الإقليم سيرغي فورغال، وتظاهرات أخرى في موسكو وسان بطرسبورغ، في يناير/كانون الثاني 2021، للمطالبة بالإفراج عن نافالني.
ومع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، في 24 فبراير/شباط 2022 راج اعتقاد بأن المعارضة الروسية أمام فرصة سانحة للحشد ضد بوتين، وجذب فئات أوسع للمشاركة، إلا أن الاحتجاجات التي اندلعت كانت محدودة، وتعاملت معها السلطات بالقمع، وجرى اعتقال ما يقارب ستة آلاف متظاهر، فقررت قوى المعارضة الروسية بعدها الاكتفاء بتنظيم احتجاجات فردية في مجموعات صغيرة، توقفت لاحقاً. وأظهرت استطلاعات الرأي الروسية أن غالبية الشعب الروسي تؤيد الحرب على أوكرانيا، وهو ما فسره ياشين، في مقابلة مع قناة "دوجد" التلفزيونية الروسية المستقلة، بالقول إنّ "الناس في روسيا يعانون من صدمة شديدة بسبب الحياة في ظل الديكتاتورية لدرجة أنهم يستطيعون قول أشياء لا يقصدونها حقاً". ولا شك في أن ما قاله ياشين، الذي يعيش حالياً في ألمانيا بعد صفقة تاريخية لتبادل معتقلين مع الغرب، وصف دقيق لواقع الحال المجتمع الروسي بعد ربع قرن على نظام الحكم الشمولي لبوتين.
لكن إجابته أضاءت على جزء من الحقيقة وأخفت جوانب مهمة كثيرة، من ضمنها تجاهل حقيقة ضعف وتراجع المعارضة، فإذا كانت الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها بوتين ساعدته في تضييق الخناق على المعارضة الروسية وحظر أنشطتها، إلا أن تنفيذ ما أراده الرئيس الروسي لن يكون سهلاً لو كانت المعارضة موحدة، ولديها حضور وتأثير جماهيري وازن. ومن الجوانب الأخرى أن التوجهات الليبرالية للمعارضة لا تلقى قبولاً في صفوف الروس الذين يصرّون على إرثهم المحافظ، كما أن الفكر الليبرالي يرتبط بذاكرة مريرة عن سنوات التسعينيات الصعبة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي. ويجب عدم إهمال أن معظم الروس ينظرون إلى المعارضة الليبرالية على أنها مجرد أداة بيد الغرب لتفتيت روسيا وجعلها تابعة ضعيفة.
انتقال ثقل المعارضة الروسية إلى المنفى
فتحت تداعيات الحرب على أوكرانيا فصلاً جديداً في تاريخ المعارضة الروسية اختلفت فيها الرهانات، بانتقال مئات الآلاف من الروس إلى أوروبا وبعض بلدان الجوار الروسي، خوفاً من التجنيد الإجباري والاضطهاد السياسي. من بين هؤلاء، مئات السياسيين والصحافيين والآلاف من نشطاء المجتمع المدني الروسي، بعضهم أجبر على الذهاب إلى المنفى، مثل السجينين السياسيين الروسيين إيليا ياشين وأوليغ أورلوف، اللذين كانا من بين المشمولين بصفقة تبادل بين روسيا والغرب، في أغسطس 2024. وساهم انتقال أعداد كبيرة من القادة والنشاط السياسيين الروس في ضخ دماء جديدة في عروق الأطر المعارضة الروسية القيادية والقاعدية في المنفى، واستفاد الوافدون الجدد من شبكات دعم طورها السياسيون المعارضون الذين كانوا منذ فترة طويلة في المنفى. وتراهن البلدان الأوروبية المضيفة على أن تعزيز العلاقات مع المعارضين الروس في الخارج، وتمكينهم من استثمار شبكاتهم في الداخل الروسي، من شأنه الإسهام في مصير روسيا مستقبلاً، بزيادة إمكانيات التحول الديمقراطي فيها، جنباً إلى جنب مع تأمين المصالح الأوروبية من خلال علاقات تعاون وصداقة معها. وبدورهم يراهن المعارضون الروس ونشطاء المجتمع المدني الروسي في المنفى على أن التعاون مع البلدان الأوروبية المضيفة واعداً، ويمكن أن يعطي نتائج أكبر في المدى المنظور لاتساع قاعدة المعارضة خارج روسيا.
إيليا ياشين: أتعاطف مع أوكرانيا لكن ليس لدي رغبة في إرضاء الأوكرانيين
في المقابل، فإن هذه الرهانات تصطدم بالافتقار إلى الروافع المطلوبة، في مقدمها امتلاك البلدان الأوروبية المضيفة سياسات واضحة في التعامل مع السياسيين ونشطاء المجتمع المحلي الروس في المهجر، ومن دونها ستواجه البلدان الأوروبية مخاطر تجعل مجتمع المهاجرين الروس مطمعاً سهلاً للسياسات الشعبوية المعادية، مما سيصيبهم بخيبة أمل قد تمكن دعاية نظام بوتين من التأثير عليهم. وبالإضافة إلى ما سبق، تتجسد العقبة الأكبر في التشرذم داخل الشتات الروسي، والذي يتسم بانقسامات شخصية وتنظيمية وأيديولوجية وصراعات بين الأجيال، تقوض تماسكه وتؤثر سلباً على فاعليته، ما يجعل من الصعب الاستفادة من الامكانات الحقيقية التي يمكن أن يقدمها الروس في المنفى. وسلط ياشين الضوء على إشكالية أخرى، في مقابلة مع صحيفة "داغنز نيهيتر" السويدية في 26 ديسمبر 2024، تتمثل في ممارسة ضغوط على السياسيين الروس في المنفى للتركيز على الاحتجاجات ضد الحرب، مشيراً إلى أنه "سياسي روسي، مرتبط بالمجتمع الروسي".
وأضاف يومها: "أشعر بتعاطف كبير مع أوكرانيا، التي هي ضحية للعدوان. وأنا أؤمن بأنه يجب أن يغادر الجيش الروسي أوكرانيا وأن تحصل أوكرانيا على ضمانات لاستقلالها، لكنني سياسي روسي أعمل من أجل المجتمع الروسي، وليس لدي أي رغبة في إرضاء الأوكرانيين". ويُمكن القول إن المعارضين الجدد في المنفى أصبحوا غير مريحين لأولئك الذين يبنون سمعتهم في مجال خطاب مناهضة الحرب والتصورات المجردة لمستقبل روسيا. ولفت ياشين إلى عقبة أخرى مهمة، إذا لم تكن الأهم، وهي أن العديد ممن يغادرون روسيا يفقدون الاتصال بوطنهم، ولم يعودوا يفهمون أفكار الناس أو يأسهم. وأكبر ما يخشاه تيار واسع من المعارضين الروس في المنفى أن يكون مصير الشتات الروسي كمصير الشتات الإيراني والكوبي والفنزويلي والسوري، الذين فشل قادتهم في تحقيق التغيير الديمقراطي والعودة إلى ديارهم، وهذا ما تزكيه التجربة السورية أيضاً، فالقوى المعارضة التي بقيت في الداخل السوري هي من يعود لها الفضل الأكبر لها في إسقاط نظام بشار الأسد. وواقع حال المعارضة الروسية في المنفى اليوم، تراجع قدرتها على التأثير في الداخل الروسي، وفشلها في توظيف الإمكانات التي يوفرها الشتات لتقديم بدائل واقعية بشأن مستقبل روسيا، والعمل على خلق فرص لتنفيذها بالتراكم.