أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد: حذر دنماركي سياسي وتعاطف صحافي مع فرنسا

27 أكتوبر 2020
الصورة
الدنمارك هي الدولة الأولى المصدرة لأزمة الرسوم المسيئة للنبي (Getty)
+ الخط -

تتعاطى الدنمارك، صاحبة التجربة الأوروبية الأولى في "أزمة رسوم النبي محمد"، بحسب التسمية الرسمية، عام 2005، بكثير من الحذر على المستويين السياسي والصحافي، مع الأزمة الحالية التي تعيشها فرنسا والمسلمين. 
وعلى الرغم من ذلك، فثمة بين سطور التغطية الصحافية حالة تضامن مع باريس، وإطلاق بعضها تسميات على الأزمة الحالية على طريقة أن مفتعليها هم "الإخوان المسلمون" والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ودولة قطر، كما ذهبت صحيفة "بيرلنغكسا" الدنماركية في تغطيتها لحملة مقاطعة البضائع الفرنسية. 

مواجهة أردوغان
وفي السياق، أفردت صحيفة يومية "بوليتيكن" الدنماركية، اليوم الثلاثاء، 3 تقارير لأزمة فرنسا مع الرسوم المسيئة، معتبرة أنه "على أوروبا إظهار التضامن مع باريس في مواجهة أردوغان". 
وعلى الرغم من ذلك يبدو المستوى السياسي حذراً أكثر، باستثناء "حزب الشعب الدنماركي" اليميني المتشدد، الذي فجرت مؤسسته، رئيسة البرلمان سابقاً بيا كيرسغوورد، سجالاً حول "جنون هؤلاء البشر في مقاطعتهم لفرنسا"، مطالبة بموقف سياسي دنماركي مؤيد لباريس. غير أن البعض رد عليها بمطالبتها بالصمت "وعدم إقحام بلدنا الصغير في النزاع الحالي". 
وتبدو مساعي اليمين المتشدد، مع حزب "فينسترا" الليبرالي الذي اندلعت في زمن حكمه برئاسة أندرس فورغ راسموسن أزمة مقاطعة الدنمارك في 2006، لفرض تشريع يجبر المدرسين على إقحام الرسوم كمادة إلزامية في مناهج التعليم، فاشلة بعد تأكيد وزارة تعليم حكومة يسار الوسط أنها لن تفرض سياسياً هذا الأمر. 
بينما صحيفة "إنفورماسيون" الدنماركية ذهبت لاستطلاع آراء طلاب ثانويات حول إلزامهم بـ12 رسماً كاريكاتيرياً تمثل النبي محمد، فأبدى كثيرون رفضهم لذلك، وسجل بعضهم أنه "لا ضرورة لتعلم حرية التعبير بالإساءة إلى معتقدات المسلمين"، وبعض هؤلاء التلاميذ لا يذكر أصلاً أن بلده عاش تلك الأزمة (في 2006). 
المعلمون الدنماركيون انقسموا حول القضية، فأبدى نصفهم تقريباً رفضه للرسوم، وعبر آخرون عبر عن الخشية من نتائج إلزامهم بها في المنهاج. 

فرنسا لا تستسلم
وعودة إلى تغطية "بوليتيكن"، فقد رأت أن ما يجري بين فرنسا وتركيا وشعوب إسلامية أمر يمس أوروبا. فتحت عنوان "فرنسا لا تستسلم للمقاطعة وحملة الكراهية"، نشرت لمراسلها في باريس، ميكال سايدلين، أن "تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هي جزء من حملة ضد أوروبا، ويلعب (أردوغان) لعبة كبيرة". 
وتناولت الصحيفة موقف رئيس نقابة أرباب العمل الفرنسيين، جيفري رو بيزوس، في تصريحاته لـ"مونتي كارلو"، والتي قال فيها إن "استمرار حملة المقاطعة، بسبب اتهام ماكرون بمهاجمة الإسلام، لا يجب أن تخيفنا"، داعياً "الشركات الفرنسية إلى عدم الاستسلام للابتزاز، فيجب أن تكون مبادئنا فوق أعمالنا وتجارتنا". 
وقدمت صحيفة "بوليتيكن" ما يجري على أنه "محاولة لماكرون لمحاربة توسع المجتمعات الإسلامية الموازية في بلده". 
ونقلت عن أحد المدرسين في باريس (دون ذكر اسمه)، موقفاً نمطياً تعميمياً يسود أيضاً في الدنمارك، يشير إلى أنه "حتى وقت قريب لم يكن بإمكاننا مواجهة المسلمين وتحرشهم بالشابات، وسكتنا على عدم احترام المهاجرين لقوانيننا، والخوف من تصنيفك بعنصري، والتي تسببت برقابة ذاتية، انتهت الآن". 

أزمة أبعد من الرسوم
وترى "بوليتيكن" أن الأزمة الحالية تتعلق بما هو أبعد من الرسوم، مشددة على أن مسعى ماكرون لـ"خلق إسلام فرنسي بتخريج أئمة محليين واستبعاد نحو 300 إمام من الخارج، ووقف استقبال أئمة من الخارج، جزء هام من النزاع". 
وأشارت الصحيفة إلى أن المسالة تمس "أئمة من تركيا"، وهو ما ترى أنه يتسبب بتصريحات أردوغان "وهو ما دفع لتشبيه أحد مساعديه، فخر الدين ألطون، شيطنة المسلمين في أوروبا بأوضاع اليهود في عشرينيات القرن الماضي". وأكدت الصحيفة أنه بات يتشكل موقف أوروبي داعم لفرنسا "من خلال تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين". 
وتتوقع الصحيفة في الاتجاه نفسه "عقوبات أوروبية على تركيا". لكن تلك العقوبات، برأي "بوليتيكن"، "تصطدم بموقف ألماني معارض، وباعتبار تركيا شريكا تجاريا كبيرا، وامتلاك أردوغان ورقة 3 ملايين لاجئ هم على أهبة الاستعداد لاقتحام حدود أوروبا. وورطة ألمانيا يدركها ماكرون، الذي يضرب على الطاولة مطالباً بتضامن أوروبي، وهو تضامن يتعرض اليوم لامتحان". 
الخبير في شؤون الشرق الأوسط، كبير مراسلي الصحيفة أندرس جيركو، اعتبر أيضاً أن ما يجري "يأخذ منحى أبعد من أزمة رسوم النبي محمد". وتساءل جيركو عما إذا كان على مدارس أوروبا إظهار تلك الرسوم؟ وهل يجب أن تكون المجتمعات العربية هي التي تمنع ذلك؟ ليجيب "الأمران سيئان، فلدينا تجربتنا الدنماركية في قضية الرسوم، وهي التي تتخذ هذه الأيام منحى جديداً، ومرة أخرى يكلف دماء، ويفجر تهديدات تؤدي إلى مقاطعة، ويخلق أجواء زائفة عن صدام بين عالمي الغرب والإسلام". 
وأكد جيركو على اتساع ظاهرة أن الشعوب تتخذ قرارها "فالمستهلكون العرب، من الكويت إلى الجزائر والسعودية والأردن وقطر ومصر، هم الذين يقفون بوجه الرئيس الفرنسي، الذي اعتبر أن الإسلام يعيش أزمة، وانتقد ما سماه الانفصالية الإسلامية بمجتمعات موازية في بلده، مع تأكيده على ضرورة فصل الدولة عن الدين". 
ويرى جيركو أنه "على المدى القصير يبدو أن الرقابة انتصرت، فأستاذ قتل، وصحافة في أغلب الدول، بينها دنماركية، تتجنب الرسوم، خشية العنف، وهو ما يفعله أيضاً كتاب الرأي والمدرسون في المؤسسات التعليمية، وفي بالهم خوف من رجال يمارسون العنف، والأخيرة تتحكم في غرب أوروبا والمجتمعات العربية". 
وحمل جيركو من سماهم "الظلاميون" مسؤولية ما اعتبره "حمل السلاح، حيث من يدفع الثمن في العالمين العربي والأوروبي الغربي هي المجتمعات، الصحافة والطلاب والنقاش العام وحرية التجارة، التي تقع جميعها تحت ضغوط قوى متعصبة، تظن نفسها أنها تتصرف نيابة عن الرب". 

تجربة الدنمارك
للدنماركيين تجربتهم الخاصة بمسألة مقاطعة العالمين العربي والإسلامي لبضائعهم. فمن كوبنهاغن انطلقت في 2005 "أزمة الرسوم الكاريكاتيرية"، حين ذهبت صحيفة "يولاندس بوستن" (ليبرالية محافظة، أقرب إلى سياسات واشنطن)، لإجراء مسابقة رسوم كاريكاتيرية للنبي محمد. 
12 رسماً تقدم بها رسامون دنماركيون، أشهرهم ذلك الذي تخيل عمامة الرسول كقنبلة بفتيل، للرسام كورت فيسترغورد. 
وعلى أثر ذلك، انطلقت حملة مقاطعة واحتجاجات في يناير/كانون الثاني 2006، عمت دولاً إسلامية وعربية، وقتل في الاحتجاجات عشرات الأشخاص. لكن، ما ميز الحالة الدنماركية عن مثيلتها الفرنسية أن ساسة كوبنهاغن، يمين الوسط بزعامة رئيس الوزراء الأسبق (أمين عام حلف الناتو السابق) أندرس فوغ راسموسن، لم يستطع تقديم أي اعتذار عن خيار محرر الشؤون الثقافية في "يولاندس بوستن" آنذاك، فليمنغ روسا، نشر الرسوم، بحجة حرية الصحافة والتعبير، إلا أنه لم يجر تبن رسمي للرسوم، كما ذهب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعيد مقتل المدرس الفرنسي صامويل باتي. 
وخلال الأيام الماضية كانت كوبنهاغن تتابع بحذر ما يجري، فأدانت بالطبع قتل باتي وتضامنت مع باريس، وخصوصاً أن الطرفين تربطهما علاقة مصاهرة، فزوج ملكة الدنمارك مارغريت الثانية الراحل، الأمير هينري، فرنسي الأصل، وبالتالي ولي عهد البلد، الأمير فرديريك وأخيه يواكيم، فرنسيان أيضاً. 

المساهمون