أردوغان وبابا الفاتيكان يدعوان إلى تضامن الإنسانية في مواجهة الأزمات
استمع إلى الملخص
- أكد أردوغان على معالجة أسباب النزوح ودعم المهجرين، مشيراً لدور تركيا في استضافة اللاجئين، ودعا لتعزيز وقف إطلاق النار في غزة والحفاظ على الوضع التاريخي في القدس.
- تضمنت زيارة البابا برنامجاً مكثفاً شمل زيارات دينية وثقافية، ولقاءات مع قادة المجتمعات المسيحية، مما يعكس أهمية تركيا كمركز للتقارب بين الأديان والثقافات.
دعا كلٌّ من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والبابا لاوون الرابع عشر، إلى توحّد الإنسانية في مواجهة الأزمات، مشدّدين على أهمية قيم العائلة وضرورة لقاء الأديان. جاء ذلك خلال لقاء جمعهما في أنقرة، حيث عقدا اجتماعاً ثنائياً، واستمعا إلى أناشيد دينية قبل أن يُلقي كلٌّ منهما كلمة في مكتبة تابعة للقصر الرئاسي.
وقال أردوغان في كلمته: "يسرّني أن أستضيف البابا لاوون الرابع عشر والوفد المرافق له في تركيا. وأجد في زيارته الخارجية الأولى بعد تولّيه منصبه دلالة عميقة. وآمل بكل قلبي أن تُسهم هذه الزيارة الاستثنائية في ترسيخ العلاقات المتجذّرة بين تركيا والفاتيكان، القائمة على الصداقة والتعاون والتفاهم المتبادل". وأضاف: "أؤمن بأن الرسائل التي تقدّمها تركيا ستصل إلى العالم الإسلامي والمسيحي أجمع، بما يعزّز آمال السلام في العالم. وخلال لقائنا المثمر اليوم، تبادلنا الآراء والآمال بشأن إرساء السلام والاستقرار العالميين، وناقشنا القضايا الراهنة التي تهمّ الضمير الإنساني المشترك، بالإضافة إلى ملفات تخصّ بلدينا".
وشدّد أردوغان على معالجة الأسباب الجذرية للنزوح ودعم المهجّرين، في مواجهة التحديات العالمية مثل النزاعات والأزمات الإنسانية والفقر والظلم وتغيّر المناخ، قائلاً: "تشرفت برؤية توحّدنا حول نهجٍ يعلي من شأن السلام، ويعطي الأولوية للعدالة والتعاطف". وأشار الرئيس التركي إلى أن بلاده من أكثر دول العالم تقديمًا للمساعدات الإنسانية نسبةً إلى دخلها القومي، وأنها استضافت على مدار 13 عاماً أكثر من 3.6 ملايين سوري، وفتحت أبوابها للفارين من الحرب في أوكرانيا. كما تتابع أنقرة عن كثب التحركات لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتعمل على تقديم الدعم اللازم.
وأشاد أردوغان بدعوات البابا للسلام والحوار، معتبراً أنها "قيمة للغاية لنجاح العملية الدبلوماسية". وأضاف: "العدالة والرخاء والسلام والطمأنينة للجميع، والقضية الفلسطينية هي جوهر مناخ السلام الدائم في منطقتنا. وقد شهدنا هذه الحقيقة المؤلمة في الهجمات الإسرائيلية التي استمرت لأكثر من عامين، وقتلت أكثر من 70 ألفاً من سكان غزة، معظمهم من الأطفال والنساء، حيث قُصفت دور العبادة، بما فيها كنيسة العائلة المقدسة، الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة".
وأكد أردوغان ضرورة تعزيز وقف إطلاق النار في غزة، وضمان سلامة المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية دون انقطاع. كما شدّد على أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي القائم في القدس الشريف، قائلاً: "أعتقد أننا سنواصل العمل معاً ضد أي عمل عدواني يقوّض الهوية التاريخية للقدس الشرقية". وأشار أيضاً إلى دعم بلاده للخطوات التي اتخذتها سورية نحو دولة تعيش فيها مختلف الأديان والثقافات والطوائف والأعراق بسلام، محذّراً من أن التعصّب يولد الصراع ويؤدي إلى الانقسام والكراهية والعنف. ولفت إلى تصاعد كراهية الإسلام وكراهية الأجانب في الغرب، والتي "تغذّيها وسائل التواصل والسياسيون الشعبويون"، داعياً إلى الحذر من تفاقم هذه الظاهرة. كما وجّه أردوغان رسالة حول أهمية الحفاظ على العائلة باعتبارها ركناً أساسياً في حماية الأفراد والوعي الإنساني.
البابا لاوون الرابع عشر يحذّر من مخاطر حرب عالمية
وفي كلمته، قال البابا لاوون الرابع عشر: "يسرّني أن أبدأ رحلتي البابوية الخارجية بزيارة بلدكم. فهذا البلد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجذور المسيحية، وهو اليوم يدعو أبناء إبراهيم والبشرية جمعاء إلى أخوّة تعترف بالاختلافات وتقدّرها". وأضاف: "صحيح أن التاريخ البشري عانى قروناً من الصراعات، وأن عالمنا لا يزال غير مستقر بسبب طموحات وخيارات تنتهك العدالة والسلام، لكن عندما تبرز التحديات، فإن كوننا شعباً ذا ماضٍ عريق هو هبة ومسؤولية في آن واحد".
وتابع مؤكداً: "إن صورة الجسر فوق مضيق البوسفور، التي اختيرت شعاراً لرحلتي، تعكس ببراعة الدور الخاص لتركيا، فهي تحتل مكانة متقدمة في حاضر ومستقبل منطقة البحر الأبيض المتوسط والعالم، وفوق كل ذلك تثمّنون تنوعكم الداخلي". وأضاف: "قبل أن يوحّد هذا الجسر آسيا وأوروبا، والشرق والغرب، فهو يربط تركيا بنفسها وبمناطقها المختلفة، ويشكّل نقطة تقاطع. فالمجتمع ينبض بالحياة إذا امتلك التعددية، وما يجعل المجتمع مجتمعاً مدنياً هو الجسور التي تربط أفراده".
وتطرّق البابا إلى المخاطر التي تواجه البشرية، قائلاً: "في أعقاب حربين عالميتين، نشهد فترة من الصراع العالمي الحاد، تهيمن عليها استراتيجيات القوة الاقتصادية والعسكرية. وهذا يمهّد الطريق لحرب عالمية ثالثة تُشنّ على مراحل. ويجب ألا نستسلم لذلك أبداً، فمستقبل البشرية على المحك". وختم بالقول: "العدل والرحمة يتحدّيان عقلية القوة على الحق. والعائلة هي النواة الأولى للحياة الاجتماعية، وهي جوهرية في الثقافة التركية. وبالطبع يمكن لكل عائلة أن تنعزل عن محيطها، ولهذا نأمل أن تكون تركيا مصدراً للاستقرار والتقارب بين الشعوب، خدمةً لسلام عادل ودائم".
ووصل بابا الفاتيكان إلى العاصمة التركية أنقرة، في زيارة تمتد ثلاثة أيام، ويجري خلالها زيارات وقداسات ولقاءات مختلفة. وحطّت الطائرة التي تقلّ البابا في مطار أسن بوغا في أنقرة، رافعة علم الفاتيكان وعلم تركيا، واستقبله وزير السياحة والثقافة محمد نوري أرصوي، ومسؤولون في الرئاسة التركية، حيث من المقرر أن يتضمن برنامج اليوم الأول زيارة ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك والمتحف الخاص بضريحه.
وأفاد رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، أمس، بأن بابا الفاتيكان سيزور تركيا في الفترة من 27–30 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بناء على دعوة من أردوغان، في وقت استعدت فيه السلطات التركية بإجراء الترتيبات اللازمة في دور العبادة بإسطنبول المشمولة في برنامج الزيارة. وبحسب البرنامج، وصل البابا لاوون الرابع عشر إلى أنقرة في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه في مايو/ أيار الماضي.
ويعتزم البابا زيارة مسجد السلطان أحمد وكنيسة مور أفرام السريانية الأرثوذكسية القديمة صباح السبت، ويعقد اجتماعات مع أعضاء الكنيسة وقادة المجتمعات المسيحية. وبعد ذلك سيزور كنيسة القديس جورج وبطريركية فنر للروم الأرثوذكس، ويلتقي البطريرك برثلماوس، حيث سيوقعان إعلاناً مشتركاً، كما يقيم قداساً عاماً في مركز "فولكس واغن" بإسطنبول قبيل مغادرته إلى لبنان الأحد.
وتعد مدينة نيقية أو إزنيق، التي تبعد ساعتين عن إسطنبول، مركزاً رمزياً مهماً للمسيحيين، إذ كانت عاصمة للإمبراطوريات البيزنطية والسلجوقية والعثمانية، ويبلغ عدد سكانها حالياً 45 ألف نسمة. كما أنها شهدت انعقاد المجمع المسكوني الأول عام 325م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين، الذي اعتمد "إعلان الإيمان النيقاوي" وهو أساس العقيدة المسيحية. واختتم فيها المجمع المسكوني السابع عام 787 النقاش حول تحطيم الأيقونات، وأعيد التأكيد على تبجيلها.