آخر مغامرات ترامب تقلق العالم

18 نوفمبر 2020
الصورة
يسعى ترامب لترك إرث صعب لبايدن (جيم واتسون/فرانس برس)
+ الخط -

من إيران إلى أفغانستان والصين، مروراً بالعراق واليمن، تتمدد مغامرات الرئيس الأميركي الخاسر دونالد ترامب في آخر أسابيعه في البيت الأبيض، لترفع منسوب القلق ليس فقط عند خلفه جو بايدن، الذي سيستلم تركة ثقيلة في 20 يناير/ كانون الثاني المقبل، بل أيضاً لدى العالم المتخوف من اندفاع ترامب لمغامرات عسكرية ستكون تداعياتها كبيرة. فالرئيس الأميركي الخاسر، الرافض حتى اليوم لتسليم سلس للسلطة إلى بايدن، لا يفكر فقط بتنفيذ تعهداته بسحب الجنود الأميركيين من أفغانستان والعراق، أو تقليل عددهم بشكل كبير، بل أيضاً بحث فكرة توجيه ضربة عسكرية لإيران، بما يعنيه ذلك من إمكان إشعال توترات في المنطقة بأكملها، بالإضافة إلى عزمه على تصنيف جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) في اليمن ضمن المنظمات الإرهابية.

وتسارعت التسريبات في اليومين الأخيرين حول توجهات عسكرية لترامب قبيل تركه الحكم. وأفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأنّ ترامب استطلع، الأسبوع الماضي، آراء عدد من مستشاريه وكبار المسؤولين بشأن إمكانية "التحرك" في غضون أسابيع ضدّ موقع نووي إيراني. وقالت الصحيفة إنه خلال اجتماع ترأسه، الخميس الماضي، في المكتب البيضاوي، سأل ترامب معاونيه، وبينهم نائبه مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الدفاع بالوكالة كريستوفر ميلر ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، عما "إذا كانت لديهم أي خيارات للتحرك ضد" هذا الموقع النووي "خلال الأسابيع المقبلة". وأضافت أنّ هؤلاء المسؤولين الكبار "أقنعوا الرئيس بعدم المضيّ قدماً في شنّ ضربة عسكرية" ضدّ طهران خوفاً من أن تؤدّي إلى نزاع واسع النطاق. وأكدت الصحيفة أنّ ترامب طرح هذا السؤال على معاونيه غداة تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أفاد بأنّ طهران تواصل تكديس اليورانيوم المخصّب وأن كمية اليورانيوم المنخفض التخصيب المتوافرة لديها الآن تجاوزت 12 ضعفا الحد الذي سمح به الاتفاق النووي. وأشارت الصحيفة إلى أنّ الموقع الذي كان ترامب يريد ضربه هو على الأرجح منشأة نطنز النووية.

ترامب استطلع آراء مسؤولين بشأن ضرب موقع نووي إيراني

ورداً على سؤال بشأن التقرير، قال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي، خلال مؤتمر صحافي، أمس الثلاثاء: "إجابتنا المختصرة كانت دائماً أن أي تحرك ضد شعب إيران سيواجه برد ساحق". وأضاف "قد تحصل محاولات (لضرب إيران)... لكن، في رأيي الشخصي وليس كمتحدث باسم الحكومة... شخصياً لا أتوقع أمراً كهذا. أرجح ألا يرغبوا (أي الأميركيين) بزيادة عدم الاستقرار في العالم والمنطقة".

ودخل وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز على الخط، قائلاً تعليقاً على هذه التسريبات: "لو كنت مكان الإيرانيين لما شعرت بارتياح". وذكر أنه ليس على علم بالمناقشات التي دارت في المكتب البيضاوي يوم الخميس. وأضاف لإذاعة الجيش الإسرائيلي: "من المهم جداً أن يعرف الإيرانيون أنهم إذا انطلقوا حقاً فجأة لمستويات عالية من التخصيب في اتجاه تصنيع أسلحة نووية فسيكونون عرضة لمواجهة القوة العسكرية للولايات المتحدة وربما لدول أخرى أيضاً". وعن الولايات المتحدة قال: "شخصياً، لا أتوقع أنها تريد أن تتسبب في انعدام الأمن في العالم والمنطقة".

ومن إيران إلى أفغانستان، كشفت وسائل إعلام أميركية أن البنتاغون تلقى تعليمات للتحضير لسحب ألفي جندي من أفغانستان و500 جندي من العراق قبل أن يسلّم ترامب السلطة إلى بايدن، في خطوة ستعني في حال حصولها أنّ الولايات المتّحدة ستبقي على كتيبة عسكرية واحدة في كلّ من هذين البلدين قوامها حوالي 2500 جندي. ولم تؤكّد وزارة الدفاع الأميركية صحّة هذه التقارير الإعلامية التي أشارت إلى أنّ ترامب قد يعلن بنفسه عن هذا القرار خلال الأسبوع الحالي. من جهتها، نقلت شبكة "سي إن إن" الأميركية عن مسؤولين أميركيين لم تسمّهم، قولهم إن "البنتاغون أصدر إشعارا للقادة، يعرف باسم (أمر تحذير)، لبدء التخطيط لخفض عدد القوات الأميركية إلى 2500 جندي في أفغانستان و2500 في العراق بحلول 15 يناير/ كانون الثاني".

وبعث ميلر رسالة تبدو متناقضة إلى الجيش، قائلاً: "الولايات المتحدة يجب أن تواصل معركتها ضد القاعدة والقوى الإرهابية التي كانت وراء أحداث 11 سبتمبر/ أيلول" 2001، بينما قال أيضا إن "الوقت قد حان لإعادة القوات إلى الوطن". وتابع: "هذه الحرب لم تنته بعد... نحن على وشك هزيمة القاعدة والمرتبطين بها، لكن يجب أن نتجنب خطأنا الاستراتيجي السابق المتمثل في الفشل في رؤية المعركة حتى النهاية... في الواقع، لقد كانت هذه المعركة طويلة، وكانت تضحياتنا هائلة، والكثيرون سئموا الحرب - أنا واحد منهم - لكن هذه هي المرحلة الحاسمة التي ننقل فيها جهودنا من دور القيادة إلى الدور الداعم". وأضاف ميلر: "يجب أن تنتهي كل الحروب... إنهاء الحروب يتطلب التنازلات والشراكة. لقد واجهنا التحدي، أعطيناه كل ما لدينا... الآن، حان وقت العودة إلى المنزل".

سوشيال ميديا
التحديثات الحية

ولاقت هذه التسريبات تحذيرات من حلفاء ترامب ومن الخارج حول تداعياتها. وقال زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأميركي ميتش ماكونيل، في خطاب في المجلس، إن "عواقب انسحاب أميركي سابق لأوانه قد تكون أسوأ حتّى من انسحاب باراك أوباما من العراق في 2011، والذي أدّى إلى صعود تنظيم داعش". وأضاف أنّ انسحاباً كهذا سيمثّل "تخلّياً" من جانب الولايات المتّحدة عن حلفائها وسيفسح المجال أمام حركة "طالبان" لبسط نفوذها في أفغانستان وسيتيح لتنظيمي "داعش" و"القاعدة" إعادة تجميع صفوفهما في العراق. وحذّر من أن "مشهد تخلّي الجنود الأميركيين عن منشآتهم ومعداتهم سيبثّ في جميع أنحاء العالم على أنّه رمز لإذلال وهزيمة الأميركيين وانتصار للتطرف الإسلامي".

في السياق، حذر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، أمس، من أن انسحاباً متسرعاً للحلف من أفغانستان سيكون "ثمنه باهظاً جداً" مع خطر تحول هذا البلد "مجدداً إلى قاعدة للإرهابيين الدوليين". وقال ستولتنبرغ إن "أفغانستان تواجه خطر التحول مجدداً إلى قاعدة للإرهابيين الدوليين الذين يخططون وينظمون هجمات في بلداننا، ويمكن أن يعلن داعش مجدداً في أفغانستان خلافة الرعب التي خسرها في سورية والعراق". وتابع أن "حلف الأطلسي ذهب إلى أفغانستان بعد هجوم ضد الولايات المتحدة لضمان أن هذا البلد لن يكون أبداً ملجأ للإرهابيين الدوليين. انضمّ مئات آلاف الجنود من أوروبا وغيرها إلى القوات الأميركية في أفغانستان، وأكثر من ألف دفعوا ثمن ذلك". وأوضح أن "لدينا حالياً أقلّ من 12 ألف جندي من حلف الأطلسي في أفغانستان، أكثر من نصفهم قوات غير أميركية. حتى مع تخفيض أميركي جديد (لعديد الجنود)، سيواصل حلف الأطلسي مهمته في تدريب القوات الأفغانية وتقديم المشورة لها ومساعدتها، وقد تعهّد بتمويلها حتى العام 2024".

وفي اليمن، ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية أنّ إدارة ترامب تستعدّ لتصنيف جماعة "أنصار الله" منظمة إرهابية، ما يعزز المخاوف من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تعطيل جهود السلام الأممية، وفق مصادر دبلوماسية تحدثت للمجلة. وقالت "فورين بوليسي" إن الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية حاولت ثني إدارة ترامب عن القيام بهذه الخطوة، إلا أن القرار بات وشيكاً. وقال مصدر دبلوماسي للمجلة إن الإدارة تفكر بهذا الأمر منذ فترة، إلا أن وزير الخارجية مايك بومبيو يريد وضع الأمر على المسار السريع. وأوضحت المصادر أنّ المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث كان يضغط في الأسابيع الأخيرة على الولايات المتحدة للتراجع عن الأمر ويناشد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس للتدخل مع بومبيو. ولفتت إلى أنه يبدو أن جهود غوتيريس تعثرت، وأن الأمم المتحدة بدأت تحضير الأرضية لقرار أميركي بإدراج الحوثيين على قائمة الإرهاب.

إدارة ترامب تستعدّ لتصنيف جماعة "أنصار الله" منظمة إرهابية
 

وفي سياق مغامرات ترامب، ذكرت شبكة "سي أن أن" نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن إدارته تنوي مواصلة سياساتها المتشددة تجاه الصين خلال الشهرين المقبلين قبل تسلُّم بايدن مهامه. وقال أحد المسؤولين داخل الإدارة للقناة إن صقور النهج المتشدد ضد الصين داخل إدارة ترامب يعتقدون أن في وسعهم اتخاذ بعض الإجراءات التي ستورط إدارة بايدن في مواجهة مع بكين. وأشارت إلى أنه بعد خسارة ترامب للانتخابات، فإن إدارته تسرّع الخطى من أجل اتخاذ بعض الإجراءات التي تخطط لها بعدما تحررت من مخاوف انهيار اتفاق التجارة مع الصين.

مقابل القلق من آخر قرارات ترامب، يبرز أمل أوروبي بعودة بايدن للتعاون مع الحلفاء، وهو ما أعربت عنه وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب كارينباور، التي قالت إن بايدن قد يعيد النظر في خطط أعلنت عنها إدارة ترامب خلال الصيف لإجراء خفض كبير في عدد القوات الأميركية في ألمانيا. وأضافت في تصريحات، أمس: "على الأقل هناك فرصة لتغيير الخطط. وسنرى ما إذا كان هذا يعني سحب هذه الخطط تماما أم مجرد تعديل أجزاء منها". ولفتت إلى أن أوروبا لن تكون قادرة على القيام بأعباء أمنها من دون مساعدة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لعقود مقبلة، رافضة دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استقلال استراتيجي أوروبي.

المساهمون