تبعات اختطاف نيكولاس مادورو من فنزويلا.. ذهول في واشنطن وتخوف من الأفظع

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 07:51 (توقيت القدس)
مسلحون وأنصار لمادورو يحرقون علم أميركا في كاراكاس، 3 يناير 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قامت إدارة ترامب بعملية عسكرية سرية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما أثار جدلاً حول قانونية ودستورية العملية واحتمال وجود تواطؤ داخلي.
- أثارت العملية مخاوف بشأن نوايا إدارة ترامب في فنزويلا، مع تصريحات متناقضة من المسؤولين الأميركيين، مما زاد الغموض حول الأهداف الحقيقية.
- العملية أثارت تساؤلات حول تأثيرها على السياسة الدولية، خاصة مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا، ودفع الديمقراطيين للتخطيط لمواجهة قانونية مع ترامب.

كان من المتوقع في ضوء حجم الحشد العسكري الأميركي قبالة شواطئ فنزويلا منذ أشهر، أن تقوم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعمل عسكري ما ضد نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. إلا أن الوصول صبيحة أمس السبت إلى غرفة نومه والقبض عليه مع زوجته سيليا أديلا فلوريس بسهولة، كان له وقع المفاجأة المذهلة في واشنطن. العملية التي بقيت سرية ومن دون إبلاغ أقطاب الكونغرس بها حتى الجمهوريين، أثارت حالة اعتراض واسع لعدم قانونيتها ولا دستوريتها. سلاسة حصولها جعلتها تبدو وكأنها جرت بتواطؤ جهات عسكرية في نظام مادورو أو من داخل بطانته الضيقة.

كذلك ليس من المستبعد أن تكون قد جرت مع معرفة أن بعض القوى الكبرى قد لا تتخذ منها موقفاً متشدداً، مثل الصين التي اكتفت بالإدانة ووضع العملية في دائرة "الانتهاك للقانون الدولي" وليس في خانة "الجريمة والعدوان"، كما جاء في الرد الروسي الشديد اللهجة. ربما لأن الصين أرادت حفظ خط الرجعة عبر الإدانة المخففة لترك الباب مفتوحاً إذا أقدمت في يوم ما على استعادة تايوان بالأسلوب نفسه.

قبل 36 سنة جرت واقعة من هذا النوع. ففي 3 يناير/ كانون الثاني 1990 ألقت القوات الأميركية القبض على رئيس بنما مانويل نورييغا. لكن ذلك حصل في سياق مختلف. آنذاك صدر حكم بحق نورييغا بتهمة الاتجار بالمخدرات. طالبت واشنطن بتسليمه. رد برلمان بنما بإعلان الحرب على أميركا. لكن بعد الضغوط استسلم نورييغا للقوات الأميركية ودخل السجن. في الحالة الحاضرة لا تتوفر المشروعية للقبض على مادورو بصرف النظر عن الخلاف السياسي معه. بالمناسبة، منح الرئيس ترامب أخيراً العفو لرئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز الذي حُكم عليه في الولايات المتحدة عام 2024 بالحبس 45 سنة لإدانته بالاتجار بالمخدرات والأسلحة النارية.

الخلاف مع فنزويلا سياسي بالأساس، ومن هنا الاعتراض والقلق بشأن ما جرى. وما زاد المخاوف أن إدارة ترامب قررت أن تتولى واشنطن "إدارة شؤون فنزويلا لفترة انتقالية"، من دون تحديد أفق زمني، وقد كشف ذلك أن البيت الأبيض ليس في جيبه خطة لمرحلة ما بعد خلع مادورو. وقد استحضر ذلك تجربة العراق المشابهة وأكلافها وبما يفرض السؤال عن دواعي نسخها، وهي التي لا تزال حيّة في الذاكرة. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال قبل حوالى أسبوع، إن إدارة ترامب لا تسعى إلى تغيير النظام في فنزويلا، فيما عرض مادورو قبل يومين الحوار مع واشنطن. فما الذي دفع إلى القيام بعملية اليوم؟ هل كان ذلك من لوازم المفاجأة؟ أم الخديعة العسكرية؟ أم كان بهدف تغيير الحديث وحرف الأنظار عن تحديات اللحظة وإخفاقاتها المحلية والخارجية؟

الرئيس ترامب أشار الى النيّة بإحياء ما يسمى بـ"مذهب مونرو" الذي اعتمده الرئيس الأميركي جيمس مونرو في 1823، الذي يؤكد "هيمنة الولايات المتحدة على النصف الغربي للكرة الأرضية" والذي حذر القوى الأوروبية آنذاك من التدخل في شؤون دول أميركا اللاتينية. لماذا جدد الرئيس الجمهوري طرح هذا المذهب الآن؟ هل أراد به تذكير موسكو، التي لم تُسهل مهمته لوقف حرب أوكرانيا، بضرورة الكف عن التدخل وبناء علاقات متنامية مع فنزويلا؟

كانت معلومات أميركية قد ذكرت أخيراً مع بدايات التصعيد بين واشنطن وكاراكاس، أن موسكو "قد بعثت بأحد جنرالاتها إلى فنزويلا" لمساعدتها في إعداد قواتها للتصدي لأي عمل عسكري ضدها. هل في هذا التطور محاولة لضرب عصفورين بحجر واحد: بعث رسالة إلى الكرملين ووضع اليد على نفط فنزويلا؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يقوى ترامب بعد الآن على لعب دور إطفائي الحروب كما يزعم؟ أم أنه بذلك انضم الى قافلة مشعلي نار الحروب؟ والسؤال الأهم الذي شدد عليه المراقبون والمتخوفون من الآتي: هل يقوى الرئيس ترامب بعد فنزويلا على المحاججة ضد دخول الصين عسكرياً إلى تايوان لاسترجاعها؟

العملية أثارت كماً من الأسئلة المقلقة بقدر ما عززت الاعتقاد بأن توقيتها من شأنه أن يعطي شحنة زخم لمناخ التسيّب والانفلات السائد على الساحة الدولية والذي يعزز خيار الاحتكام للقوة في أكثر من خريطة دولية، بدءاً من أوكرانيا إلى غزة والضفة ولبنان والسودان وربما إيران... والحبل على الجرّار. أصوات كثيرة في الكونغرس، وتحديداً في صفوف الديمقراطيين، عبّرت عن مثل هذه المخاوف ووعدت بفتح ملف فنزويلا بقوة وإصرار فور عودة الكونغرس إلى دورته العادية التي تبدأ عادة في 3 يناير، لكنها تأجلت بحكم إجازة نهاية الأسبوع إلى غد الاثنين.

عادة ومنذ الحرب العالمية الثانية، دخل عدة رؤساء أميركيين في حروب من غير إذن الكونغرس الذي يقتضيه الدستور. فهذا الأخير يجيز للرئيس استخدام القوات المسلحة لمدة 30 يوماً قابلة للتجديد لمرة واحدة من غير العودة إلى الكونغرس، بشرط ألا يعلن الحرب. فهذه الصلاحية تعود إلى الكونغرس. الدخول إلى فنزويلا والقبض على رئيسها مادورو يقول المعترضون، إنه بمثابة إعلان حرب لا يحق للرئيس القيام به. وعلى هذا الأساس يعدّ الديمقراطيون لمنازعة قانونية مع ترامب فور التئام الكونغرس. لكن المرجح أن تبقى محاولتهم تلك في إطار السعي لتسجيل مخالفة على الرئيس إن استطاعوا، لصرفها في الانتخابات النصفية القادمة.