2026... عام تقسيم المنقسم

29 ديسمبر 2025
+ الخط -

تنتظر منطقة الشرق الأوسط في العام الجديد نقلات نوعية ومنعطفات مفصلية في أزماتها المتفجّرة. ليس هذا رجماً بالغيب أو تنبّؤاً فلكياً، وإنما هو استقراء واقعي لتطوّرات العام الجاري (2025)، إذ لا بدّ للمقدّمات من نتائج.
حالياً، تتوالى تحرّكات واتصالات ظاهرها البحث عن تسوياتٍ سياسيةٍ لقضايا المنطقة وأزماتها، فيما يُضمر باطنها أهدافاً خبيثةً، أو على الأقلّ مساعيَ من الأطراف المتواصلة لتحقيق مكاسب تتباين إلى حدّ التناقض أحياناً. وهنا تكمن خطورة تلك المحاولات، إذ تبدو في ظاهرها حسنة النيّة؛ فيما تكشف الخطوات العملية على الأرض الحقيقة.
يتكرّر هذا النمط في غزّة والسودان واليمن وليبيا ولبنان وسورية، فكلما تعثّر تحقيق الأهداف الخفيّة عبر الدبلوماسية والحوار، سارع أحد الأطراف إلى فرض أمر واقع (ولو جزئياً) ليغيّر المعادلات ويجبر الأطراف الأخرى على قبول ما كان مرفوضاً طوعاً.
في ليبيا، مثلاً، قبل أيام من بداية العام الجديد، لقي رئيس أركان القوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، محمّد الحدّاد، مصرعه في سقوط غامض لطائرته وهو عائد من زيارة أنقرة، لتتعطّل بذلك جهود إجراء انتخابات رئاسية بوصفها خطوةً مفصليةً نحو تسوية سياسية شاملة، ما يعني أن استعادة ليبيا موحّدةً، وتجميع شتاتها عسكرياً وأمنياً وسياسياً مؤجَّل إلى حين. ليس لأهمية الحدّاد ودوره الفاعل في ذلك الاتجاه فقط، بل لما سيستتبعه مصرعه من اتهامات متبادلة وتوسيع للهوّة القائمة أصلاً بين الفرقاء الليبيين وامتداداتهم الخارجية.
وفي اليمن، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي أوائل ديسمبر/ كانون الأول الجاري عسكرياً على مناطق في محافظتي حضرموت ثم المهرة، في خطوة تكرّس النزعة الانفصالية والمنطق المنفرد الذي يتعامل به "الانتقالي" مع الأوضاع الميدانية. وهو منطق سيُترجم سريعاً نهجاً شاملاً يجسّد توجّهات المجلس الانتقالي الجنوبي حصرياً، رغم أنه (مثل بقية المكوّنات) ينضوي تحت لواء مجلس القيادة الرئاسي، المُفترض أنه المظّلة الشرعية للأطياف اليمنية كلّها. وبعد سيطرة "الانتقالي" منفرداً على مناطق في الجنوب، ثم في الشرق، يتكرّس أمر واقع جديد له تبعاته ومحاذيره عند أيّ توجّه نحو تسوية ما لمستقبل اليمن، سياسياً أو بوسائل أخرى.
ولا يختلف النمط كثيراً عن ذلك في السودان أو لبنان أو حتى سورية، فالمشاورات السياسية والاتصالات التي تضمّ أطرافاً داخلية وإقليمية وخارجية تجري على نحو حثيث، فيما تتّجه الأوضاع على الأرض من سيئ إلى أسوأ. إذ لا طرف (ولا قوة واحدة) في أيٍّ من تلك الدول يملك السلطة كاملة، لا سياسياً، ولا عسكرياً، ولا اقتصادياً. ما يعني أن كيان "الدولة" مهدّد لحظياً فيها جميعاً.
وبمدّ الخطّ على استقامته، فإن التقسيم الحاصل فعلياً في اليمن، وكذلك في ليبيا، مرحلة سابقة زمنياً فقط على المتوقّع في السودان وسورية ولبنان. فما أسهل تحويل الانقسام السياسي والمؤسّسي والعسكري والمجتمعي إلى تقسيم فعلي للسلطة، وتوزيع ميداني للسيادة والحكم.
ويقدّم الصومال نموذجاً واقعياً لذلك التسلسل المأساوي: من فشل الدولة إلى انهيارها وتفكّكها، ثم تقسيمها. وبينما يوجد اتفاق إقليمي وعالمي على أن تفكيك الدول وتقسيمها دعوة صريحة للانهيار والتطرّف والإرهاب، فإن الذريعة المشتركة بين القوى الساعية نحو التقسيم والتفتيت هي "محاربة الإرهاب" و"مواجهة التطرّف".
وبحكم اختلاف المعطيات وطبيعة كل حالة، ليس منطقيًا حدوث التقسيم في كل الحالات في وقت واحد وبالتزامن. لكنّه الخطّ العام الذي تشير إليه المعطيات والتطوّرات المتراكمة. وحتى إن لم تكتمل تلك الصورة الفسيفسائية في عام 2026، فالمؤكّد أنه سيكون عام "حلحلة" تلك الملفّات، لا لحلّها، بل لدفعها نحو ذلك الاتجاه.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.