2021 .. فرح وحذر

03 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

لم يكن 2020 عاماً عادياً. منذ بدايته كان حافلاً بالأحداث والتطورات على الصعد كافة التي رسمت مساراً جديداً للعالم. افتتاح العام كان مع اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وما تبع ذلك من تحسب عالمي لاندلاع حرب كبيرة في الشرق الأوسط قد تتمدّد شرارتها إلى بقاع أخرى في العالم. الحرب لم تندلع، والرد الإيراني على الاغتيال كان مضبوطاً، فتنفس العالم الصعداء بأن محنة مرت بسلام. لكن الأنفاس لم تكد تلتقط، حتى ظهر انتشار فيروس كورونا عالمياً، ليمضي في مسار تصاعدي دفع العالم إلى الإغلاق على نفسه، وهو الأمر الذي لا يزال مستمراً، ويحمل في طياته تغييراً في طبيعة النظام العالمي.

أحداث أخرى أقل وقعاً كان هذا العام مسرحاً لها في بقاعٍ كثيرة في العالم، ما دفع المراكز العلمية إلى تصنيف هذا العام بأنه الأسوأ في التاريخ الحديث، وجعل البشرية بأسرها تترقب انقضاءه على أحرّ من الجمر. ورغم أن احتفالات نهاية العام قبل أيام كانت أقل صخباً على الصعيد الاحتفالي، بسبب إجراءات الإغلاق والعزل العامة في غالبية الدول، إلا أن بهجة رحيل 2020 لم تكن لتضاهيها بهجة أخرى، وهو ما ظهر في الاحتفالات الافتراضية التي عمّت وسائل التواصل الاجتماعي.

الأمل اليوم في أن يمحي العام الجديد ما حمله سلفه من أزمات ومآس للبشرية، وهو أمل مشروع، غير أنه لا يمكن الإفراط في التفاؤل، وخصوصاً أن بداية العام الجديد تحمل عناصر مشابهة لبداية العام الذي سبقه، لجهة التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران والمخاوف العامة من حرب كبيرة، لها كثير من الأسباب والخلفيات.

قد تكون ذكرى اغتيال سليماني أحد أسباب هذا التوتر، وسط التحذيرات (الأميركية خصوصاً) من إقدام إيران على تنفيذ عملية في الذكرى السنوية الأولى للاغتيال، وما يترافق مع ذلك من أجواء حربية بفعل نشر قطع بحرية أميركية في الخليج العربي. ورغم أن قراءة السياسة الإيرانية اليوم تستبعد أي خطوة انتقامية من طهران في هذه المرحلة، وخصوصاً خلال الفترة الانتقالية الأميركية، إلا أن هناك معطى آخر يزيد من احتمالات المواجهة. فالرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، يسعى بكل الوسائل إلى التهرب من تسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب، جو بايدن، أو على الأقل يرغب في توريطه بأزمات منذ بداية عهده، لذا فمن غير المستبعد الإقدام على خطوة تصعيدية ضد إيران، مشابهة لاغتيال سليماني، وجر طهران إلى مواجهة تساعده في تمديد فترة حكمه.

هذه الأجواء الحربية الحالية تحيل إلى بدايات العام المنصرم، رغم أنها حتى اليوم لم تصل إلى حدود الفعل المباشر كما كان اغتيال سليماني، غير أنها ستمضي على نفس الوتيرة من التوتر حتى تسليم ترامب السلطة لخلفه، وترقب تعاطي الأخير مع الملف الإيراني.

بداية مشابهة، إلى حد ما، في ما يتعلق بجائحة كورونا. فمع نهاية 2020 كان الوضع بدا أن الفيروس، ورغم اكتشاف عدد من اللقاحات له، في طور التحضر لانطلاقة جديدة مع الطفرات التي أحدثها وما خلفته من مضاعفة سرعة انتشاره، وهو ما انعكس في عدد حالات الإصابة والوفيات التي قاربت، وربما زادت في بعض الدول، عدد الإصابات والوفيات في الموجة الأولى من انتشار الفيروس. معطيات العام الجديد تدفعنا إلى الترقب والحذر من التفاؤل المفرط، مع التمسّك بالأمل الذي له ما يبرره، خصوصاً في ما يتعلق بالجائحة العالمية، مع توقع تعميم اللقاحات بحدود خريف العام الحالي، ما قد يدفع الفيروس إلى حدود المرض القابل للاحتواء والعلاج.

بكل الأحوال، فإن مجرد انقضاء 2020 بكل ما حملته هو مدعاة للفرح، فأياً كان ما يحمله العام الجديد، لن يكون بمستوى سوء الذي سبقه.