2020... سنة للنسيان وجسر لعالم جديد

10 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

ونحن نشاهد ما جرى طوال العام 2020، لا يمكن القول إلاّ أنّ الأمر لا يعدو مخاضا لميلاد عالمٍ يكسر رتابة الأحداث التّي لم تكن لتقلب الأمور رأسا على عقب، إلاّ بكونها تحمل هذا الكم من المعطيات التي من شأنها أن تجعل العالم كذلك، حيث أن الجائحة، تصاعد الأزمات في كامل مناطق العالم والتداعيات الاقتصادية، مضافا إليها التحضير لعالم كله رقمي، بشركات افتراضية تستخدم تطبيقات جد معقدة وتعتمد على الذكاء الاصطناعي، ذلك كله جعل تحدّي ما يُحضّر للعام 2021، بل للعقود المقبلة، بمثابة علم الخيال لنا أن نتوقّعه، ولكن من دون الإمساك بكلّ مشاهده وخيوطه.

تعود المقالة على حصيلة عام لم يكن كمثله من الأعوام، انطلق، في بداياته، بحدثين كبيرين، أولّهما قدوم أخبار من الصين تعلن عن وباء غريب، بدأ يخرج عن نطاق السيطرة وقد يصبح جائحةً إذا استمرّ في الانتشار، خصوصا خارج حدود الصين، في حين أنّ الحدث الآخر كان اغتيال قائد كبير في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، ما أدّى إلى توقّع ردّ من طهران، قد يشعل الحرب في الخليج الذي يشهد صراعا في اليمن وحصارا على قطر صعُب على الفاعلين الدُّوليين إيجاد حلّ له.

من ناحية أخرى، شهدت بدايات العام إرهاصات عمليةٍ كبرى، كانت تنذر بإكمال القضاء المبرم على القضية الفلسطينية، بعد اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة للكيان الصُّهيوني، ثمّ نقل سفارتها إلى المدينة المقدّسة. وكانت تلك النُّذّر هي اتّفاقيات تطبيع واسعة مع عواصم كانت متوقعة، ولم تحدث إلاّ في صيف العام، وجاءت متتالية، لتدلّل على أنّ ثمّة استراتيجية أميركية لفسح المجال، واسعا، أمام صفقة القرن، وفق التصوّر الثّلاثي: الأميركي – الصُّهيوني - الإماراتي، بصفة أساسية، حتّى تُكرّس وتصبح واقعا معاشا في الشرق الأوسط. وجاءت تلك الاتّفاقيات لتعزيز فرص نجاح الرئيس المزاجي، ترامب، في الانتخابات الأميركية، والتي انتهت إلى هزيمته، ولكن بخلفية أحداثٍ لم نكن لنتوقعها في بلد ديمقراطي، حيث رفضت النّتائج التي أفضت إليها الانتخابات، كما تمّ اللّجوء إلى المحاكم، لإبطال نتائجها، بل تمّت الاستعانة، على غرار ما يحدث في جمهوريات الموز، بالشّارع في تظاهراتٍ ضخمة زادت من تفاقم الوضع الصّحي في بلد دفع فاتورة ثقيلة، من حيث عدد الإصابات أو الوفيات، بل تفاقم الأمر إلى درجة سعى معها ترامب إلى منع الجهاز التشريعي من التصديق على فوز بايدن بالرئاسة.

ازدادت الأوضاع الاقتصادية انهيارا بفعل السياسات التي بدت كأنّها إجراءات انتقامية من مواطن تجرّأ، يوما، على المطالبة بالتغيير

ولم يمر شهران، من بداية العام 2020، حتى انتشر الوباء في أرجاء العالم، لتبدأ مراحل من الإغلاق للمدن والتوقّف للاقتصاد، وتنطلق نظرية المؤامرة، يقودها الرئيس الأميركي، ترامب، بأنّ الفيروس هو جندي في حرب بيولوجية بطلتها الصين، تهدف من ورائها إلى السيطرة على الاقتصاد العالمي، وخصوصا في جانبها الافتراضي، وهي، أميركا التي كانت تجهّز نفسها، بكلّ مقوّماتها، لتنقل ثقل العلاقات الدولية إلى منطقة الباسيفيكي التي استشرف منظّروها، سياسيون واقتصاديون، بل وإستراتيجيون، أيضا، بأنّها ستكون قلب العالم في العقدين المقبلين. 

وإذا نظرنا إلى إقليمنا، الشرق الأوسط، فإن بطلة العام، بدون منازع، هي اتفاقيات التطبيع التي يمكن النظر إليها، رفقة استمرار تركيا في الارتفاع، على الرغم من كل العراقيل، وبخاصة في شرق المتوسط وعلى مستويات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على أنها ثمرة ذلك التوجه الأميركي المستقبلي نحو الباسيفيكي، وحاجتها إلى تصفير الإقليم من المشكلات، مع التصديق على وكالة تسيير الشؤون الخاصة بالمنطقة، برمتها، للكيان الصهيوني المعزّز بذلك التطبيع الذي تتوسّع رقعته، وصولا إلى غرب العالم العربي إيذانا، حتما، بانتهاء القضية الفلسطينية، بل تصفية تامة لها.

من ناحية أخرى، وفي صمت رهيب، بلغ ربيع العالم العربي عقده الأول بنتائج، يمكن القول إنها أكثر من كارثية، لأنّ مؤشّرات الحرية، العدالة وكرامة المواطن، لم تتحرّك إلى الأمام. بل، في بعض البلدان التي شهدت ثورات ذلك الربيع، في موجته الأولى، تردّت الأوضاع إلى درجةٍ تمنى معها ساكنوها، لو أنّ محمد البوعزيزي لم يضرم النار في نفسه، ولو أنّ خالد سعيد بقي ذكرى، وعلي عبد الله صالح مكث رئيسا لليمن.

الأوضاع السياسية والديمقراطية تحولت إلى ثوراتٍ مضادّة، حيث تردّت الانتخابات إلى مجرد كرنفالات للرقص

بلغ الرّبيع عقده الأول، وما زالت الأوضاع الاقتصادية متردّية، بل ازدادت انهيارا بفعل السياسات التي بدت وكأنّها إجراءات انتقامية من مواطن تجرّأ، يوما، على المطالبة بالتغيير ورفع صوته، نعم، رفع صوته، عاليا، للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن حالة التردّي، كما أن الأوضاع السياسية والديمقراطية تحولت إلى ثوراتٍ مضادّة، حيث تردّت الانتخابات إلى مجرد كرنفالات للرقص، التعيين والتزوير، كما ازدادت منظومة حقوق الإنسان انهيارا بمؤشّراتٍ أضحت معها تقارير المنظمات الحقوقية لا تفي بالغاية، بل أصبحت القضية لا تقتصر على بلد واحد في صورةٍ تجسّد معها المثل "إذا عمّت خفّت". في طول العالم العربي وعرضه مواطن مسجون، مختف قسريا أو صامت لا يخشى على نفسه، إلى زرّ هاتف، يكون قد أخطأ في استخدامه بكتابة منشور، على وسائل التواصل الاجتماعي، قد يغيبه عن بيته وأبنائه أو...

لا يمكن مغادرة الشرق الأوسط، من دون الإشارة إلى استمرار اجتراره الصراعات والأزمات نفسها، في شرقه وغربه، مع استمرار مؤشّرات تردي الاقتصاد ومؤشرات الحكامة للشأن العام وغياب التخطيط لسياسةٍ عامة ناجعة لتغيير الوضع. وذلك، كله، بمرجعية الأحوال الأمنية، أو ما ترسمه القوى الكبرى من مخططاتٍ إستراتيجية، للمنطقة، لا يمكن معها المغامرة بفتح مجال التغيير أو الانفتاح على الآخر، المعرّض، كونه يشكّل خطرا وتهديدا على الأمن، وقد يكون أداةً لتخريب ما يخطط للمنطقة، وهو ما لا يرضى عنه صنّاع القرار هنا وهناك، كونه لا يخدم الغد المنشود، بلغة البيانات الرّسمية، طبعا.

اكتشفنا، مع العام 2020، أيضا، أنّ النيوليبرالية أضحت عقيدة العالم للعقود المقبلة، حيث لا أهمية إلا لمنحنيات البورصات العالمية ومؤشرات العائد على الرساميل المستثمرة في هذا المجال أو ذاك، مع التركيز على مجالين اثنين، الذكاء الصناعي والخوارزميات الرقمية، مضافا إليها، بفعل الجائحة، المجال الصحي، سعيا وراء اكتشاف اللقاح الذي سيدرّ أموالا كثيرة على خزائن الشركات الصحية المملوكة لقلاع النيوليبرالية، حتما، والمتنافسة على مقاعد الصدارة في العالم الجديد، عالم ما بعد كورونا.

استمرار مؤشّرات تردي الاقتصاد ومؤشرات الحكامة للشأن العام وغياب التخطيط لسياسةٍ عامة ناجعة لتغيير الوضع

هل يمكن إنهاء الحصيلة لعام استثنائي، على كل المستويات، من دون الحديث عن الأيديولوجيات التي تتغيّر، ومن دون الحديث عن تردّي القيم الديمقراطية، بفعل الارتباك الغربي بين واجب احترام تلك القيم الإنسانية المتضمنة للحرية وكرامة الإنسان، بل نشرها، والضغوط التي تشكلها المنافسة الإستراتيجية على ريادة الشؤون العالمية، وهي وضعية أضحت مربكة حتّى لتلك القيم في الغرب، نفسه، مع ما نراه في أميركا من الحديث عن التزوير في الانتخابات، أو عمليات التلاعب بعقول المواطنين، لاختيار اتجاه سياسي بعينه في أفق انتخاباتٍ يراد لها أن تجري في بلاتوهات شاشات التلفزيون، وليس وفق أداء البرامج الاقتصادية، بل يجري، فيها، بخوارزمياتٍ رقمية معقدة، التلاعب باتجاهات الرأي العام، فرضا لنتائج مزورة، ولكن بسحر الشفافية الديمقراطية، كما نراها ماثلة في الغرب. 

هل يمكن مغادرة العام، أيضا، من دون التّركيز على حدث الغزو الإلكتروني الذي كانت المؤسسات الرسمية الأميركية ضحية له، ذلك أنّ صورة العالم القادم، حتما، سيكون بصراعات الجيل غير الحامل لرقم محدد و لكن نعلم أنه العالم الذي سيغيبنا، تماما، عن ساحة القيم التي لم نصل إليها وقد لا نصل إليها، مستقبلا، في حين أن العالم يتنافس على أشياء أخرى بدأنا، بالكاد، نسمع بها أو ندرك كنهها.

هذه مجرّد أفكار بشأنٍ عام سيكون له ما بعده، والسّؤال: أين مكاننا من هذا كله، وهل نستحق التفكير، مجرد التفكير، في تلك المؤشّرات والأحداث؟ ذلك أن التفكير مناطه الكرامة ومناط الكرامة حرية الوصول إلى المعلومة التي يملكها من يصنع الحدث، ويصوّره كما يشاء، لندركه كما يريد. وهناك سؤال آخر لا يمكن تجاوز المقالة من دون طرحه، والمتصل بأجواء التفكير في أن اللقاح، في جزئه الأكبر، من إنتاج عقول مبتكرة، وجزء كبير منها عربية مهاجرة: لماذا يا ترى؟ يجيب المنطق، هنا، إن تلك المقدمات لا تؤدي إلاّ إلى تلك النتائج.