البستنة إسرائيلياً

البستنة إسرائيلياً

01 مايو 2019
+ الخط -
توظف الباحثة الجامعية الإسرائيلية، نوريت بيلد - إلحنان، في دراستها الجديدة بعنوان "كيف يعلم الطُغاة أطفالهم.. شرعنة إقصاء الفلسطينيين في الكتب المدرسية الإسرائيلية رمزيًّا وماديًّا"، استعارة البستنة لتناول خطاب الضحايا والسلطة في الكتب المدرسية المتداولة في إسرائيل، وكيف يعمل على شرعنة احتلال فلسطين. ووفقًا للباحثة، يغرس هذا الخطاب في النفوس الخوف من الأغيار، ويرسّخ مبدأ سيادة الأغلبية اليهودية، ويساهم في تشكيل الهوية الإسرائيلية القائمة على السلب والنهب. 
وتوظف بيلد- إلحنان، في دراساتها المتمحورة على الكتب المدرسية الإسرائيلية، والتي سبق أن صدرت أجزاء منها في كتب تُرجم بعضها إلى العربيّة، منهجية اجتماعية- سيميائية في تحليل متعدّد الوسائط، حيث تتعامل مع إشارات من قبيل الكلمات أو النحو، والأنواع، والصور والألوان، والتأطير والتصميم، باعتبارها تعكس الأيديولوجيا والمصالح ووجهات النظر والقيم السائدة في ثقافة بعينها.
وتتطرق الدراسة الجديدة إلى نصوص لفظية وبصرية مقتبسة من ثلاثين كتابًا من كتب التاريخ والجغرافيا والدراسات المدنية (المدنيات) المتداولة في المدارس الإسرائيلية، والمنشورة بين الأعوام 1994- 2017. وهي تتوصل إلى نتيجة مؤداها أن هذه الكتب المدرسية تستخدم وسائل متعددة الوسائط، من أجل شرعنة الاستيطان الكولونيالي الإسرائيلي، ومن ثم شرعنة حالة الإقصاء الدائبة التي تستهدف المواطنين الفلسطينيين وغيرهم ممن يخضعون لحكم إسرائيل. وقد صُممت هذه الكتب على نحو تظهر فيه كما لو كانت حالة طبيعية، وتتماشى مع حاجات البقاء التي تلزم إسرائيل باعتبارها "ديمقراطية تدافع عن نفسها" في صحراء الاستبداد العربيّة.
وبموازاة ذلك، يجري تمثيل الفلسطينيين بوصفهم مشكلاتٍ ينبغي إيجاد حلّ لها، أو بوصفهم "العدو من الداخل"، حيث يكونون غير مرئيين في العادة، أو يجري تمثيلهم من خلال صور أو رسوم كاريكاتورية نمطية.
وتكتب بيلد- إلحنان أنه "لا يجري تمثيل الفلسطينيين مطلقًا بوصفهم أناسًا، نستطيع أن نتماهى معهم، أو نرغب في التقارب معهم، ولا يشكل العدد الضئيل من الصور التي تصورهم سوى دليل على الإرهاب والتخلف. ولا تلقى روايتهم التاريخية من يسردها على الإطلاق". وهي تعتقد أنه ليس هناك أفضل من إطار استعارة البستنة الذي سكّه زيغمونت باومان، لتفسير عملية الشرعنة هذه، حيث تفسرها وتبيّنها في إطار المخطط الصهيوني العام الذي يرمي إلى إيجاد مجتمع مصطنع على الوجه الذي ترغب فيه الصهيونية وتتطلع إليه.
تقف في صلب فكرة البستنة، التي يعتقد كثيرون أن ثمة من سبق باومان في الهجس بها، رؤية البستانيين الذين يكره بعضهم الأعشاب الضارّة التي تتلف تصميمهم، وبعضهم الآخر لا يبدون أي عاطفةٍ تجاهها بتاتًا، فما هي إلا مشكلة ينبغي إيجاد حل لها، ومهمة إضافية يتعين إنجازها. ولا تكمن المسألة في أن ذلك يُحدث فرقًا بالنسبة إلى تلك الأعشاب الضارة، فالبستانيون بشقيهم يستأصلونها. ويتفق الطرفان على ما أنه يجب أن تموت الأعشاب الضارّة، ليس بسبب ما هي عليه، بل بسبب ما ينبغي أن يكون عليه البستان من "جمال وترتيب"!
وعلى منوال هؤلاء البستانيين، تغرس الكتب المدرسية المتداولة في إسرائيل في نفوس التلامذة منطقًا استيطانيًا كولونياليًا، يقوم على الإقصاء، بوصفه المنطق الوحيد الذي يتصل بالعلاقات القائمة مع أقرانهم وجيرانهم من الفلسطينيين. وتعمل هذه الكتب على تعزيز ما تسميه الباحثة "العنصرية النخبوية"، والتي يجري إملاؤها من الأعلى وغرسها في الأذهان، وفي أشكال الخطاب والتمثيل التي تعبّر عن الحاجة إلى تطهير الجسم الاجتماعي، من أجل المحافظة على النفس أو على الهوية من جميع أشكال الاختلاط أو التزاوج أو الغزو.
ويتعدّى فعل البستنة الفلسطينيين إلى الإسرائيليين اليهود أنفسهم، كما يمكن أن نستشف من الوقوف أمام تداعيات اللامساواة المكانية القائمة، والمتجذّرة في إسرائيل، من خلال تجييش تقسيمة ألويتها الجغرافية الرسمية. وثمة دراساتٌ مُحدثة عديدة تناولت هذه المسألة تحديدًا، وجديدها دراسة متعلقة بعملية تخطيط وإسكان منطقة لخيش في شمال النقب في خمسينيات القرن الفائت.