إلى روح الطفلة نبال

إلى روح الطفلة نبال

03 ابريل 2019
+ الخط -
صغيرتي الراحلة عن هذا الخراب، فلترقد روحُك في سلام. لا تندمي أنك لم تبقي كثيراً وسط هذا العالم المجنون. صدقيني أنني، للوهلة الأولى، حين رأيت جمالك البريء وطفولتك المتوثبة من خلال صورك التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي، لم أتمالك نفسي من البكاء، حزنا على جمالك وطفولتك. لم أستطع أن أمنع نفسي من أضرب بقبضتي على الطاولة القريبة مني حتى آلمتني، لأنني شعرت بالسخط مع الحزن، وتساءلت: كيف طوعت نفس القاتل على قتلك؟ ولكني التقطت أنفاسي، ورددت لنفسي أن ما حدث معك ولك قصة مكرّرة ما زالت تحدث منذ زمن بعيد، أبعد مما نستطيع أن نحصي أو نتخيّل.
كنت أتمنّى أن أرى صورتك، وأنت تضعين التاج الورقي الملون الذي تصنعه المعلمات في الروضة لتلميذاتهن الصغيرات، بمناسبة تخرجهن من رياض الأطفال وترفعهن للمدرسة. وكنت أتمنى أن أرى صورتك وأنت تكرّمين في المدرسة، أو أن أرى صورة لك وأنت كبيرة، وتنجحين بتفوق في الثانوية العامة، ويطرق الصحافيون باب بيت أهلك، ليجروا لقاءاتٍ معك ومع والديك، وتطل علينا صورة أمك والفرحة لا تسعها، لتخبرنا أنك كنت ذكيةً لمّاحة منذ صغرك، وأنك كنت ابنةً مطيعةً منذ نعومة أظفارك، وأن ما حققته من تفوق ليس بعيدا عليك، وليس غريبا فهو المتوقع من طفلةٍ متّقدة العينين ذكاءً وشقاوة.
ولكن التوقعات الجميلة لم تحدث، يا صغيرة، وفجعنا بصورتك وأنت في كفنك الأبيض. وقبل ذلك فجعنا بصورك وأهلك يعلنون عن اختفائك عن البيت عدة أيام. وقد كانت كل صورة مذيلة بآلاف الدعوات أن تعودي سالمةً إلى عشك الصغير، ولكن القاتل لم يمهلك، فسلبك حياتك، بعد أن فكّر بأن يسلبك براءتك وطهرك.
لا أخفي عليك، يا ملاكي الراحل عن دار الشقاء، أنني قد رأيت شريطا قصيرا يشرح طريقة سهلة لكي يحمي الطفل نفسه من الاختطاف، أو الاعتداء الجنسي. والمختطف عادة ما يكون هدفه هو الاعتداء، فالأفلام العربية القديمة وحدها كانت تعرض أسباب اختطاف الأطفال لسرقة حليهم، أو ابتزاز ذويهم الأثرياء. ويبدو أن هذه أسباب عفا عليها الزمن، مع انتشار ظواهر شاذة عن مجتمعنا وقيمنا وديننا، ومنها التحرّش الجنسي بالصغار من المحارم أو الأقارب أو الغرباء. وغالبا ما تنتهي الجريمة بجريمة أكبر، وإن دفع المجني عليه حياته ثمنا، فقد يكون صمته ثمنا أكبر، خصوصا بالنسبة للبنت التي سوف تفاجأ حين تتزوج بمجتمعٍ يصمها بالعار، وبأنها قد فرّطت بدليل عذريتها، وقد تقتل ليلة زفافها، فيما الجاني يرتع ويلهو، ويخوض في أعراض الناس، ناسيا جريمته القديمة التي لم يمحُها الزمن.
هل تعلمين، يا صغيرة، أنني استحسنت الفيديو في البداية، ولكنني فكرت بأننا لو علّمنا صغارنا هذه الطريقة السهلة والاحتيالية، والتي لا تزيد عن لف قدمي الصغير حول ساقي المعتدي بقوة، بحيث يعيقه عن الحركة، ويمنعه من حمله، ولكني انتبهت إلى أننا لو علّمنا أطفالنا هذه الطريقة، فسوف نحولهم أطفالا مذعورين، يشكّون بكل من حولهم، سيكبرون وهم يشعرون بالخوف من المجهول، سيموت السلام في قلوبهم، وسيحل مكانه القلق. تخيلت كل صغير وصغيرة وهما ينامان عاقدين أقدامهما بقوة، والواحد منهم يدافع عن عدو مجهول حتى في منامه.
صغيرتي الراحلة: لقد دفعت حياتك ثمنا لمكاييل مجتمعية خرقاء، مكاييل لم تتوقف عن النداء إن قاتلك لا زال حدثا، ولا يمكن أن يصنف بالغا تجري عليه عقوبة القتل ومحاولة الاغتصاب. ولذلك، ليس بعيدا سماعنا خبر مقتل طفلة أخرى في بقعة ما على هذا الكوكب البغيض الذي يحكم بمكيالين، فكيف يزوّج الفتيات في سن الرابعة عشرة، ويطلب منهن أن ينجبن ويربين ويرعين أسرة، ويتذرّع بأن ابن السادسة عشرة لم يزل طفلا. قصور العدالة وعدم تطبيقها يفتح الباب للشر، يا صغيرة، لكي يكبر ويكبر. نامي في مرقدك الأخير، يا صغيرة، وتذكري أن صورة رأسك الصغير المهشّم ستقض مضجع كل من تقاعس عن القصاص لك ولأمثالك.
avata
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.