‬من المغرب ‬العربي ‬الكبير إلى المغرب الإسلامي

‬من المغرب ‬العربي ‬الكبير إلى المغرب الإسلامي ‬الصغير

09 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

أحدثت تصريحات ‬رئيس حركة ‬النهضة (إسلامي) في تونس، راشد الغنوشي، ‬رجّة كبيرة في ‬أوساط مغاربية متعدّدة، ‬هالها أنه ‬يدعو إلى "‬ائتلاف ثلاثي ‬بين تونس والجزائر وليبيا"، ‬نواة مُحيَنة (معدّلة) للحلم المغاربي ‬الكبير ‬الذي ‬انبنى على خماسية تضم المغرب وموريتانيا علاوة على هذا الثلاثي. ‬وجاءت الدعوة في ‬وقتٍ تعيش فيها المنطقة على صفيح ساخن، ‬مفتوح على كل التوقعات من جهة، ‬وتسير كل دولة من الدول المذكورة ‬فيه، ‬حسب مدار سياسي ‬وإقليمي ‬متراكب ومتشابك بالنسبة لكل واحدة منها، ‬من جهة ثانية.‬ ومما زاد من هول التأثير، ‬التقاط إسلامي ‬آخر، ‬من داخل الجزائر، رئيس حركة مجتمع السلم (حمس)، عبد الرزاق مقري، هذا النداء، فدعا إلى التنفيذ الفوري، ‬أو على الأقل الانحياز السريع لأطروحة المغرب الثلاثي، ‬لعزل المغرب، ‬ودفعه بعيدا عن المغرب الكبير، بدعوى استئناف العلاقات مع إسرائيل.‬
ومن حيث التعليل العابر أو المحايد‬، ‬تبدو الفكرة ‬ظاهريا ‬غير مرفوضة، ‬إذا ما قسناها على الماضي ‬الخمسيني ‬من القرن المنصرم، ‬أو عطفناها على تجارب مغرية بالتقليد.‬ ‬ونقصد بالماضي ‬القريب، مغاربيا، ‬انطلاق اتحادات وخطوات وحدوية كثيرة، ‬ذات مقاصد وجودية، ‬من قاعدة ثلاثية تضم تونس والمغرب والجزائر، عوض ليبيا.‬ أولى تلك الخطوات ما سمي، ‬في ‬1927، ‬ميلاد جمعية شمال أفريقيا للطلبة المسلمين‬، ‬وهي ‬انطلقت في ‬فرنسا ‬التي ‬كانت ‬الدولة المستعمرة للأقطار المغربية الثلاثة. ‬وفي ‬عاصمتها رأت النور جمعية طلابية، ‬وحاضنة مدنية للفكرة المغاربية، ‬سرعان ما برز من بين مؤسسيها ورؤسائها سياسيون كبار، ‬من المغرب وتونس والجزائر، ما حوّلها إلى مشتل مغاربي ‬لتخريج الأطر الوطنية التحرّرية، ‬ذات الانتماء المعلن إلى المغرب الكبير، ‬منهم ‬صالح بن ‬يوسف، أحد أبرز قادة الحركة الوطنية التونسية، ‬والأمين العام ‬للحزب الحر الدستوري ‬الجديد، وأحمد بلافريج ‬من وزراء أول حكومة مستقلة في ‬المغرب ‬وقيادي ‬في ‬حزب الاستقلال، ومحمد الفاسي، ‬وعمر بنجلون، القيادي ‬التقدّمي ‬الذي ‬اغتالته في ‬1975 ‬تيارات دينية. ‬وعن الجزائر، مالك بن نبي، ‬وأحمد فرنسيس ‬رفيق فرحات عباس ‬بعد مؤتمر الصومام، ‬وعضو المجلس الوطني ‬للثورة الجزائرية الذي ‬عين أمينا دائما في ‬مؤتمر طنجة لوحدة المغرب العربي في ‬1958. و‬الفارق القوي ‬بين التجربة في ‬ميدان التاريخ وفي ‬حاضر الدعوة أن الأقطار الثلاثة كانت تستعمرها فرنسا، ‬وكان مجال تحرّكها هو المجال الفرنكفوني، ‬في ‬حين كانت ليبيا تخضع للاستعمار الفاشي ‬الإيطالي. ‬أما موريتانيا فلم تكن موجودة وقتها.‬

ما نعجز عن تحقيقه مع دولة هزّازة ‬لا ‬يمكن أن ‬يتحقق بثلاث دول هزّازة، ‬مهما كانت بلاغة الأمل وإعجاز الوحدة وحسن النية

‬التجربة الثانية التي ‬لا تخلو من دروس هي ‬‬مكتب المغرب العربي ‬في القاهرة، ‬والتي ‬تمت تحت رئاسة الأمين العام لجامعة الدول العربية، عبد الرحمن عزام، في ‬نهاية الأربعينيات، ‬و‬ترأسه القائد الأسطوري ‬لثورة الريف، ‬محمد بن عبد الكريم الخطابي، ‬إلى ‬جانب قادة كبار من المغرب الكبير، ‬من بينهم الفقيه عبد الخالق الطريس والزعيم ‬علال الفاسي ‬من المغرب، ومحمد بن بلة، ثم محمد خيضر وحسين أيت أحمد ‬من الجزائر. ‬وكان الهدف توحيد الجهود من أجل تحرير المغرب ‬الكبير، ‬بالسير نحو إنشاء جيش تحرير المغرب العربي ‬الكبير، بقيادة من صاحب معركة ‬أنوال (المغربية) الشهيرة.
لا ‬يخلو إغراء التاريخ من شاعرية في ‬المقارنة، غير أن ما ‬يجب تثبيته هنا أن هذا المشترك البعيد لا ‬يبدو أنه هو الذي ‬يجرّ إليه العقل الإسلامي ‬في ‬القُطرين المغربيين، تونس والجزائر. ‬يبدو أن هناك محاولة الاقتراب من تجربة البينيلوكس، ‬(benelux)، والتي تضم بلجيكا ‬وهولندا ولوكسمبورغ ‬التي ‬كانت اللبنة الأولى في ‬بناء أوروبا، ‬وهي ‬ثلاث دول تجتمع في ‬فضاء مشترك، ولها حدود جمركية موحدة، ‬سهلت قاعدة انطلاق ‬التوحيد الأوروبي ‬في ‬غياب دولتين كبيرتين تقودانه حاليا، فرنسا وألمانيا.‬
‬بيد أن المقارنة تشكو من مثالب ثلاثة لا ‬يمكن القفز عليها:‬ ‬الدول الأوروبية التي ‬شكلت قاعدة تجسيد الحلم الأوروبي ‬الثلاثي، ‬كانت قد خرجت للتو من الحرب العالمية الثانية، ‬وهو وضعٌ قد نشبهه بالربيع العربي، ‬بالنسبة لتونس وليبيا على درجة أقل. أما بالنسبة للوضع في ‬الجزائر فلا ‬يقدم أي ‬باب نحو الحل، لا على الطريقة التونسية، ولا الليبية، لا قدر الله. الدول الأوروبية الثلاث كانت ديمقراطية قبل الحرب، ‬واستأنفت ديمقراطيتها وتعدّديتها بدون إعادة بناء ثقافية ومؤسساتية ودستورية كبرى. ‬في ‬حين أن دول المغرب الثلاث الواردة في ‬مقترح راشد الغنوشي واحدة منها تشكو مخاضاتٍ بعد الثورة، ‬بصعوبةٍ لا تخفى على أحد واستقرار هش للغاية. ‬والثانية لم تجد بعد لحمتها الوطنية المبتغاة، لكي ‬تفكر في ‬إعادة بناء تكتل أكبر من دولتها. ‬والثالثة، وهي ‬الجزائر، لم تستطع بعد أن تنجح انتقالها، بعد أن كانت قد أضاعت فرصتين لربيع سابق، ‬ربيع بداية التسعينيات من القرن الماضي ‬الذي ‬أعقب سقوط المعسكر الشرقي ‬الذي ‬أعطى ما أعطاه من نتائج في ‬ليبيا، ‬وما زالت احتمالاته ‬الصعبة تخيّم على الجزائر ‬‬التي ‬تأخرت عنهما معا بعشر سنوات. إن محاولة بناء تكتل بحجم المغرب الثلاثي ‬المقترح ‬لا ‬يمكن أن ‬يسعف العقل في ‬التفكير فيه والدفاع عنه، ‬في ‬هذه الحالة، ‬إذ أن ما نعجز عن تحقيقه مع دولة هزّازة ‬لا ‬يمكن أن ‬يتحقق بثلاث دول هزّازة، ‬مهما كانت بلاغة الأمل وإعجاز الوحدة وحسن النية.

عاشت أجيال المغرب الكبير ‬قطيعة أولى، تحت هدف أسمى، هو النهضة والخروج من سؤال التأخر التاريخي

لعل الأبرز الذي ‬سيتولاه الفكر والعقل المغاربيان في ‬المستقبل أن القطيعة الرابعة، ‬لدى ‬النخبة في ‬الدول الشمال أفريقية لم تتحقق، على الرغم من كل الدعوات والتطلعات، إلا في ‬صورة ضعيفة، إن لم نقل باهتة، ‬فقط أن القطيعة ‬التي ‬كان من المنتظر أن ‬يحققها الإسلاميون في ‬المغرب الكبير جاءت أقل بكثير من سقف التاريخ، فقد عاشت أجيال المغرب الكبير ‬قطيعة أولى، تحت هدف أسمى، هو النهضة والخروج من سؤال التأخر التاريخي. ‬وكان رواد هذه القطيعة علماء وفقهاء وزعماء النهضة من تأثيرات مغربية ومشرقية. ‬ثم أعقبتها قطيعة أخرى، انتقلت بالسؤال ‬من منطق الإصلاح إلى مرتبة التحرّر، ‬وكيفية بناء الحرية في ‬الفضاء المشترك، وبأدوات مشتركة قدر المستطاع. ثم جاءت القطيعة التي ‬أعقبت ذلك، بكل آلامها وعقباتها، والتي ‬كرّسها سؤال: ‬كيف نبني ‬الدولة الوطنية الديمقراطية، ‬القوية والعادلة. ‬وقد عاشت دول المغرب الكبير كل هذه القطائع بألم وقسوة، لكن بوضوح كبير في ‬الهدف المغاربي، على الرغم من اقترابه من دائرة المستحيل. ‬وكان المتوقع أن سؤال محاربة الفساد وبناء الديمقراطية ‬سيجد في ‬الصوت الإسلاموي، ‬صوت الجنوب بلغة ‬فرانسوا بورغا‬، ‬التعبير عنه بأدوات التحليل النابعة ‬من عمق الصرخات الشعبية التي ‬أطّرت الشارع المغاربي. ولكن ‬يبدو أن جزءا من هذا الصوت قد تم "‬تجبيره" ‬لفائدة الأنظمة التي ‬تعيد "رسملته" ‬لفائدة رهاناتٍ قطريةٍ ضيقة محكومة بمنطق الصراع.‬
لقد تقزّمت فكرة الأمة‬، ‬إلى أن أصبحت تابعة لفكرة الدولة القُطرية، ‬وأقل من مغرب عربي ‬كبير. ‬وإذا كان من التاريخي ‬الإيجابي ‬أن ‬يتحدّث الإسلاميون في ‬تونس والجزائر ‬من داخل منطقة الدولة، ‬فإن من ‬غير المقبول أن تنحصر مهامها في ‬مواجهة دولةٍ أخرى، ‬لعرقلة فكرة منتجة تاريخيا وشعوريا وثقافيا وجغرافيا واقتصاديا، من قبيل فكرة المغرب الكبير.