يوم سقطت واشنطن

08 يناير 2021
الصورة

أنصار لترامب يقتحمون مبنى الكابيتول في واشنطن خلال اجتماع الكونغرس (6/1/2020/Getty)

+ الخط -

وقفت أميركا والعالم مَشدوهَيْنِ، يوم الأربعاء الماضي، أمام مشهد اقتحام مبنى الكونغرس في واشنطن من أنصار الرئيس دونالد ترامب، الذي حرضهم هو نفسه على العنف، بذريعة أن الانتخابات الرئاسية سُرقت منه. كانت العظمة الأميركية تتهاوى أمام شاشات التلفزة، وبدت صور عصابات بيضاء متطرّفة، وهي تعبث برمز الديموقراطية الأميركية "المقدّس" وتدنّسه، كأنها آتية من العالم الثالث، أو من الصين أو روسيا، تلك الأجزاء من العالم التي توبّخها الولايات المتحدة مراراً في تصريحات مسؤوليها، أو في التقارير السنوية التي تصدرها وزارة خارجيتها عن حقوق الإنسان والديمقراطية. 

ما جرى كان وصمة عار في جبين الديموقراطية الأميركية، جعلت منها محل سخرية بين خصومها الذين لطالما جرّعتهم من الكأس نفسها. الأخطر أن ما جرى، وهو ما لم تنته فصوله بعد لحظة كتابة هذه السطور، قد تكون له تداعيات مستقبلية كارثية، آنية وفي المديين المتوسط والبعيد. تعيش أميركا اليوم انقساماً مجتمعياً حادّاً، عمودياً وأفقياً، وهو قد يزداد عمقاً وتتسع هوته، خصوصاً في وجود سياسيين انتهازيين، وإيديولوجيين سطحيين نافخين في كير الكراهية، اللهم أن تكون هناك إرادة وقدرة على إنفاذ مشروع إصلاح وطنيٍ شامل ومُتَبَصِّرٍ، وهو أمر مشكوك فيه، في ظل المعطيات الراهنة، وإنْ لم يكن مستحيلاً. 

ما كان ترامب ليُحدِث كل هذا الضرر الفادح بالولايات المتحدة، مجتمعاً ونموذجاً وقيماً ورمزيات ومؤسسات حكم، لولا وجود سياسيين جبناء في حزبه، يتوسّلون رضاه

لا أريد أن أقفز إلى حكم قيمي حول انهيار "النموذج الأميركي"، ففي هذا تعجّل، ويحتاج الأمر مزيداً من الفحص والتدقيق، ولو أنه قد يُجادل كثيرون في أن "النموذج الأميركي" مجرّد وهم، سواء لناحية الاختلالات العرقية والاقتصادية والسياسية في البلاد، أو لناحية افتراق السياسة الخارجية الأميركية عن القيم الديموقراطية الداخلية التي تباهي بها العالم. لكن، في كل الأحوال، إن حجم الضرر المريع الذي لحق بنموذج الديمقراطية الأميركية داخلياً، والصورة المستقرّة عن رسوخ مؤسساتها وعراقة أعرافها وتقاليدها وأمنها الصارم، أكبر من أن يُنْكَرَ أو أن يتجاهله أحد. 

هناك حديث في الولايات المتحدة، ومن أقطاب كبيرة في مؤسسات الحكم والفكر والإعلام، عن أن الديموقراطية الأميركية هشة. لقد عرَّاها ترامب، بل فضحها على رؤوس الأشهاد، ولا يمكن أحداً أن يجادل بعد اليوم بأن في أميركا شرائح مجتمعية واسعة وعريضة تعاني من جهلٍ مطبق، وعنصرية بغيضة، وكراهية عميقة، وعنف متأصل فيها. هي مجرد براميل بارود تنتظر صاعق تفجير، وكان ترامب واحداً من تلك الصواعق. وحتى إذا تجاوزت أميركا حقبته، فإن براميل البارود هذه ستبقى جاهزة للانفجار، في انتظار صاعق جديد، الذي لن يطول أمد غيابه، إلا أن تتمَّ معالجةٌ جذريةٌ لأسباب الغضب، خصوصاً بين نسبة معتبرة من البيض، وهي قضية أخرى سبق أن كتبت فيها مرّات عدّة في "العربي الجديد".

في سياق الأعطاب التي يعاني منها "النموذج الأميركي"، يمكن سرد ثلاثة منها الآن تتصل باقتحام مبنى الكونغرس، خلال تصديق أعضائه على نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها جو بايدن، ويرفضها ترامب، ويعتبر هو وقاعدته الشعبية الواسعة جدّاً أنها خضعت للتزوير من "الدولة العميقة". 

كانت المرّة الأولى والأخيرة التي اقتحم فيها الكونغرس عام 1814. حينها كان المقتحم جيشاً أجنبياً غازياً، الجيش البريطاني

العطب الأول، أن من حرّض، ولا يزال، على العنف ضد الدولة ومؤسساتها وقياداتها ومواطنيها، هو الرئيس نفسه. الأدهى أن الدوغمائي ترامب، على مدى أربع سنوات تمتع بحصانة من حزبه الجمهوري في الكونغرس، ضد كثير من أفعاله التي وُصِفَ بعضها بالخيانة. فجأة، يصحو نائب الرئيس، مايك بينس، وزعيم الأغلبية (الأقلية الآن) الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، على أن الرجل مصابٌ بجنون العظمة، ومريض نفسياً، وله نوازع استبدادية فاشية تشكّل خطراً داهماً على الجمهورية! ما كان ترامب ليُحدِث كل هذا الضرر الفادح بالولايات المتحدة، مجتمعاً ونموذجاً وقيماً ورمزيات ومؤسسات حكم، لولا وجود سياسيين جبناء في حزبه، يتوسّلون رضاه، علهم يحظون بدعم بعض قاعدته الانتخابية من الغوغائيين.

العطب الثاني، نجده في كيفية تعامل الأجهزة الأمنية مع العصابات المتطرّفة التي اقتحمت رمز الديموقراطية الأميركية "المقدّس"، وعاثت فيه فساداً وتخريباً، مهدّدة سلامة أعضائه في مجلسي النواب والشيوخ، ونائب الرئيس نفسه. كثير من الإعلام والسياسيين الأميركيين تكلموا في هذه النقطة بالذات، عاقدين مقارنة بين تعامل السلطات الخشن مع احتجاجات السود السلمية، في أغلبها، قبل أشهر، وتعاملها مع عصابات بيضاء، تجرّأت على تدنيس مقر السلطة التشريعية الأميركية. لقد تأخرت الحكومة الفيدرالية في نشر قوات الحرس الوطني لحماية مبنى الكونغرس. كانت هناك معلومات استخباراتية عن أن بين المتظاهرين المؤيدين لترامب من ينوي القيام بأعمال شغب في العاصمة، بل إن الرئيس نفسه هو من وجّههم نحو الكونغرس. لم يقف الأمر عند ذلك الحد، حيث رأينا كيف كانت عناصر الأمن، ومن ثمَّ قوات الحرس الوطني التي نُشِرَت بشكل متأخر، تتعامل بضبط نفس كبير مع الذين اعتدوا على أحد رموز الحكم والهيبة الأميركية، بل وعليهم. ترى، لو كان هؤلاء في غالبهم الأعظم بيضاً، أكانت السلطات تعاملت معهم بهذه الطريقة؟ هذا سؤال يطرحه كثيرون في أميركا، وأظن أن الإجابة واضحة، ونماذجها المغايرة أكثر من أن تعد وتحصى هنا. 

تبقى القدرة الأميركية على الإصلاح الذاتي كبيرة، في ظل وجود قيم وأعراف وتقاليد عريقة

العطب الثالث، يتمثل في سقوط الرمزيات الأميركية على يد بعض أبنائها أنفسهم. كانت المرّة الأولى والأخيرة التي اقتحم فيها الكونغرس عام 1814. حينها كان المقتحم جيشاً أجنبياً غازياً، هو الجيش البريطاني، الذي دمر المبنى وأحرقه. وفي السادس من يناير/ كانون الثاني 2021، كان المقتحمون والمخرّبون له مواطنين أميركيين، بذريعة أنهم يريدون حماية نزاهة الانتخابات الرئاسية التي خسرها مرشحهم. هذه لحظة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة، وتؤسّس لسابقة خطيرة قد تقود إلى المسِّ بالهوية الوطنية الجَمَعِيَّةِ الأميركية. ولمن أراد دليلاً على ذلك، فليتابع صور بعض المعتدين على الكونغرس الذين جابوا أروقته وقاعاته، حاملين علم الكونفدراليين الذين أشعلوا حرباً أهلية أميركية (1861-1865) بغرض الانفصال عن الاتحاد. 

باختصار، ما شهدته الولايات المتحدة من أحداث في السنوات الأربع الماضية، وما زالت تحت رئاسة ترامب، ما هي إلا تعبيراتٌ عن أزمة بنيوية يعيشها "النموذج الأميركي". وإذا كانت واشنطن قد سقطت في السادس من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، فإن ذلك ينذر بانهيار كامل لذلك الأنموذج في السنوات المقبلة، وقد يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، وصولاً إلى تفكّك الولايات المتحدة نفسها بأيدي أبنائها. هل هذا قدر محتوم؟ لا. تبقى القدرة الأميركية على الإصلاح الذاتي كبيرة، في ظل وجود قيم وأعراف وتقاليد عريقة، ومؤسّسات قوية ما زالت قادرة على تمتين بنائها.