يناير وإن تاب وائل غنيم

يناير وإن تاب وائل غنيم

28 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

عشر سنوات تفصلنا عن صلب الحدث وبهجته في العيون قبل القلوب، عشر سنوات تفصل وائل غنيم "الناشط السياسي" عن وائل غنيم الآن، وائل الذي يعيش في شبه هذيان، تارّة يكون مفتعلا، وتارّة يكون محبوكا، وتارّة يريد أن يكون مرشدا روحيا لمحمد علي، وفي الوقت نفسه، يريد أن يلفّ، ساعتين بسيارته، هذه آخر أماني وائل، كي يميّع كل شيء، حتى ما فعله، وما فعلته الملايين، كي يحكي الناس في سامرهم إن آخر أمنيات مفجر ثورتكم هي ركوب سيارة ساعتين وسيجارة، فأي ندم سيطاول الغلابة من الملايين الذين شاركوا من بعيد أو جرحوا أو سجنوا أو قتلوا أو صودرت أموالهم وأملاكهم وطردوا من وظائفهم أو هاجروا بعيدا، طلبا للسلامة والعيش كبشر سدّت أمامهم سبل العيش؟
عشر سنوات تفصل وائل "الناشط" عن وائل غنيم "المستتاب سياسيا" والمعترف بخطأ ما قام به وخطيئته، ولو أعاده الزمن إلى الوراء ما فعلها ولا خرج كما أكّد هو، عشر سنوات تم إلصاق كل شيء، بمن وقفوا فيها ابتداءً من العمالة وتلقّي الأموال للخيانة للشذوذ، حتى تم الكشف على عذرية البنات فيها، على الرغم من أن بعض من كانوا فيها صاروا أعضاء في البرلمان وتملكوا الأرض، وبعضهم صار نائبا لمحافظ أو أرسل إلى بعثة، فكيف يهدى فصيل من الثوّار بعض هذه المزايا ويقتل الآخر، ويتهم بالشذوذ والعمالة والخيانة؟
عشر سنوات تولّى خلالها خالد تليمة، نائب محافظ، ثم غاب عن الأنظار، وصار جورج اسحق موظفا بحقوق الإنسان، وغسل يديه تماما من الثورة "شفاه الله"، وغيبت "أم الثوّار"، وطلع "والد الثوّار بجلبابه الشهير ويافطته الورقية على صدره، مخبراً، وانتقل فيها إبراهيم عيسى من صوت الثورة إلى قناة ساويرس، إلى "الحياة" و"الحرة"، وأخيراً إلى خلف الحبتور.
عشر سنوات جعلت من طارق الخولي عضوا برلمانيا، ومعه ملف العلاقات الخارجية أيضا، وحقوق الإنسان في السجون للمعفي عنهم من المجرمين أو الضعاف من المستتابين، نظير رفع العلم وتقبيل الأرض على أبواب السجون، وهو من الثّوار، وهذا تأكيدا مني للمرة الثانية. عشر سنوات جعلت من سجون مصر "فندق سبع نجوم"، ومات، خلالها أيضا، حافظ أبو سعدة، طيب الله ثراه، وانتقلت زوجته من الدفاع عن المرأة وحقوقها إلى مذيعة وفقها الله. عشر سنوات، سكن فيها رئيس منتخب إلى جوار ربه، ومات أصغر أبنائه، وله ابن آخر في السجن. عشر سنوات أخرجت وائل غنيم من مكان إقامته في أميركا، بسيجارته يهذي ويسبّ الناس، مثله مثل أي وزير داخلية في نظام حسني مبارك وأحيانا يسفّه أحلامهم.
عشر سنوات يقود فيها أحمد موسى إعلام ثورة خرج لها "33 مليونا"، قائلاً: "أنا عاوز دم، دم يعني دم"، ويدخل أزيد من تسع قضايا في المحاكم، ثم يعود سالما إلى "شطورة"، بالورد والحراسة، وإن عاد إلى القاهرة يطوف على فيلاته السبع، وإن زهد في الإقامة في كل ذلك يذهب لأداء العمرة في السعودية، أو إتمام مناسكها في أبوظبي.
عشر سنوات غاب في آخرها أحمد شفيق تماما عن المشهد، وقائد الجيش سامي عنان وآلاف غيره، وتم فيها تغيير الدستور كما يريد "صاحب المحلّ"، وبانتخاباتٍ راقصةٍ بدلا من ملايين الصفوف التي كانت تنتظر، في وقار، بالساعات في الشمس، في مشهد لم تره مصر طيلة عمرها، وأكاد أقول لن تراه لولا طاقة الأمل التي لا تسدّ أبدا ولن ...
عشر سنوات جعلت من طارق الخولي برلمانيا فوق العادة "وقد كان ثائرا وتمّت استتابته في الخفاء"، مع آخرين سافروا أو صمتوا أو ماتوا بعد وضع أسمائهم على الدستور، قبل أن يتم تغييره، وفقا لرغبات "صاحب المحلّ"، ومزاجه. عشر سنوات تحوّل فيها أيقونة الثورة وأحد شبابها، وائل غنيم، إلى أضحوكة، كي يعتبر الشباب ويبحث له عن سبّوبة هنا أو هناك أو يهاجر إلى أميركا، أو يصنع فيديوهاتٍ يدافع فيها عن السلطة، كما يفعل ثائر قديم هدم سارية العلم في ميدان التحرير، أو يأخذ قطعة أرضٍ ويبتني عليها مصنعا للبسكويت، كما فعل محمود بدر، أو تهدأ ثورتها، وتعود إلى عشّ الزوجية، كما فعلت، كريمة الحناوي، أو يصمت تماما كما صمت عبد الحليم قنديل، وإن ظهر، ففي "إكسترا"، شاتما منابت "الإخوان ومنابعهم". وبالطبع لا ينسي أبدا "أخذ المظروف"، ويعود سالماً إلى منزله، كما يحدث مع أحمد موسى، ومحمد موسى، وعمرو موسى، والمرشّح الرئاسي "الملاكي"، موسى مصطفى موسى.