يموتون من أجل إسرائيل

27 يوليو 2026

لم يعد سرّاً أنّ السبب الرئيس في شنّ الولايات المتحدة حربها الجارية على إيران التحريض المستمرّ من إسرائيل. وبعد خمسة أشهر من القصف المتبادل وقدر هائل من الخسائر في الجانبين، وعلى الرغم من توقّف إيران عن قصف إسرائيل منذ أسابيع،  لم تتوقّف الأخيرة عن تأليب إدارة دونالد ترامب ضدّ طهران. صحيحٌ أنّ المسافة اتّسعت بين واشنطن وتل أبيب بعد أن حاول نتنياهو، بأقصى ما في وسعه، منع المفاوضات بين واشنطن وطهران ثمّ إفشالها. ولأنّ استمرار الحرب يساوي حياة سياسي أو موته بالنسبة إلى نتنياهو، لم يستسلم، ولا يزال يحاول محاصرة ترامب كي يمضي في العمليات العسكرية ضدّ طهران، فضلاً عن الاصطفاف إلى جانب إسرائيل في المسار التفاوضي مع لبنان. 
لكنّ التوتّرات بين ترامب ونتنياهو انحصرت في نطاق ضيّق مرتبط بنرجسية ترامب واستيائه من أيّ شخص يرفض له طلباً أو يعارضه. فكان ترامب يتشاحن مع نتنياهو، بل يهدّده علناً، ويسرّب محتوى مكالماتهما الساخنة، ثمّ يستأنف تصدير الأسلحة والذخائر إلى إسرائيل، ويضغط بشدّة على الحكومة اللبنانية لتقبل اتّفاقاً يلبّي إلى حدّ كبير مطالب إسرائيل ومصالحها بخصوص الجنوب ووضعية حزب الله.
لم يعترف ترامب بأنّ الحرب برمّتها لا تزال مستمرّةً لصالح إسرائيل، بسبب غروره ونرجسيته اللذين يرفضان الاعتراف بأنّه يعمل من أجل إسرائيل وحدها، فيدّعي أنّه يعمل من أجل "أميركا عظيمة ثانيةً" ولتحقيق مصالح أميركية لم يحدّدها، لأنّه ببساطة لا يعرفها. ثمّة تجسيد آخر بالغ الدلالة لتلك المغالطات الترامبية هو وضعية دول مجلس التعاون الخليجي التي لم تكن معنيةً بهذه الحرب، وليس مؤكّداً ما تردّد عن تحريض بعض تلك الدول دونالد ترامب على شنّ تلك الحرب للتخلّص من الخطر الإيراني والقضاء على "فوبيا" إيران في المنطقة. بينما الثابت أنّ دول الخليج العربية، وغيرها، قد تورّطت بالفعل في تلك الحرب؛ تارةً بعد أن أصبحت مستهدفةً إيرانياً للردّ على الهجمات الأميركية، وتارةً أخرى لاضطرار بعضها إلى تفعيل مبدأ الدفاع عن النفس لحماية أراضيها وسيادتها ومواطنيها.
لم يكتف دونالد ترامب بتوريط دول الخليج ودول عربية أخرى في تحمّل أعباء تلك الحرب، بل أخذ يستدرجها لتحمّل استحقاقات ما بعد الحرب، خصوصاً في حال التوصّل إلى اتفاق مع إيران، من منطلق افتراضي لا أساس له، مفاده أنّ دول الخليج ستكون المستفيدة من إنهاء تلك الحرب، وبالتالي سيكون عليها تحمّل تكاليف إعادة إعمار وترميم ما دمّرته الحرب في إيران (!). وهو لم يتطرّق بعد إلى تعويض واشنطن عن الموارد التي خصّصتها لتلك الحرب. ولا يعني الصمت عن هذا الجانب أنّه غير موجود، بل على العكس منذلك. فبداهةً، ستكون كلفة الحرب مسؤوليةً خليجيةً لا محالة، ولا حاجة إلى طرحها علناً إذ ليست محلّ نقاش.
ولأنّ الحرب إسرائيلية الهوى والهُويّة، يحاول ترامب إخفاء الخسائر البشرية من مصابين وقتلى بين صفوف الجيش الأميركي. فتزعم الأرقام الأميركية الرسمية أنّ المصابين نحو مئة فقط، والقتلى لا يزيدون على 18. بينما تحمل التسريبات والتحقيقات الاستقصائية الصحافية أرقاماً مفزعة، تصل إلى 800 قتيل ومصاب. أي إنّ الحرب الأميركية على إيران، التي بدأت بتحريض من إسرائيل ولا تزال مستمرّةً لصالحها بالأساس، لا تجري فحسب على حساب دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، شعوباً وحكوماتٍ وسيادةً ومكانةً واقتصاداً، وإنّما يتحمّل كلفتها أيضاً، ومباشرةً، المواطنون الأميركيون الذين لا يدفعون الضرائب فقط لدعم إسرائيل، بل يقدّمون أبناءهم أيضاً ليموتوا من أجل إسرائيل.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.