يستعجلون الحرب وكأنها نزهة في سورية
الشرع وعبدي يوقّعان اتفاق 10 مارس في دمشق (10/3/2025 موقع وكالة الأنباء السورية)
غارقون حتى الأذنَيْن في ثنائيات قاتلة: إمّا الحرب وإمّا السلم، إمّا تسليم السلاح وإمّا القتل، إمّا الاستسلام وإمّا الإذعان، إمّا أن تُدافع عن هذا الطرف وإمّا ذاك، فتكون في المحصّلة ضمن دائرة التخوين والاشتباه. خلال العام المنصرم، ومع سيولة الظهور الإعلامي لعديد من الكتّاب والنشطاء والسياسيين السوريين، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، كانت التّهم جاهزةً: "أنت مع الجهة الفلانية ضدّ الأخرى". دافع كاتبُ هذه السطور منذ بداية التحرير عن مسارَيْن متلازمَيْن: أولهما تحوّل السلطة إلى دولة تقف على الحياد من جميع المكوّنات، تكون أباً عطوفاً للجميع، ولا تمنح مهزلةَ عقدة التفوّق إلى هُويَّة (أو ثقافة أو مكوّن) دون أخرى. وثانيهما، ضرورة الاعتراف بأن في سورية مشكلة سياسية عمرها أكثر من نصف قرن، ولا يجوز (ولا يمكن ومن غير المقبول) أبداً، وبالمطلق، أن تحلّ مجدّداً حلّاً أمنياً وعسكرياً، خاصّةً القضية الكردية، التي تجاوز عمر تهميشها قرناً من الزمن. ومن دون حلول سياسية تقوم على الحوار والتواصل والاتفاق، فإن جميع الحلول الأخرى (الأمنية والعسكرية والتسويفية والتأجيلية) ليست سوى مضيعة للوقت وتأجيج لمشاعر الغبن لدى الكرد، مع تضخّم مشاعر التفوّق وفائض القوة لدى الطرف المقابل. وهذا الدفاع يأخذ بصاحبه، وفق مزاج بعضهم، إلى خندق هذا الطرف أو ذاك، وهذه الثنائيات قاسية وكاذبة.
لا يدرك مروّجو الحرب بين السلطة و"قسد" حجم الخسائر الاقتصادية لكل معركة أو مواجهة
اتفاقية 10 مارس (2025) الموقَّعة بين قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، تمثّل، في إحدى تجلّياتها، واحدةً من بنى الأزمات الفكرية والثقافية والشعبية في سورية. فإمّا أن يكون المتحدّث عبر شاشات التلفزة متوافقاً بالمطلق مع السلطة، وحينها يصف من يقف مع "قسد" بأنهم "موالون وحاقدون على السُّنة"، أو أن يكون المتحدّث غير منسجم مع تطلّعات السلطة، فيصبح "قسدياً ومتآمراً"… إلخ. والمؤسف أننا لا نسمع صوتاً معتدلاً ليقول إن في هذه البلاد عقولاً وشباباً يبحثون عن المنطقة الوسطى والحلول التوافقية، وليس هذا البحث انحيازاً أو انسجاماً مع هذا الطرف أو ذاك.
في الآونة الماضية، ارتفعت أصواتٌ تطالب بدخول مناطق سيطرة "قسد" عبر الحرب والمعارك، وكأنّ الحرب نزهة أو شيء اعتيادي، متناسين أن هذه الحرب إن جرت فستأتي وبالاً على البلاد كلّها؛ فـ"قسد"، لم ينضمّ إليها جميع الكرد، ولكن للمكوّن الكردي ضمن "قسد" أهلهم وأصدقاؤهم، وللمكوّن العربي ضمن "قسد" أهله وذووه ضمن الجيش السوري. وفي أيّ حال، سيتقاتل الأقرباء والجيران والمعارف وأبناء الحي الواحد فيما بينهم، وستسيل الدماء، وستستمرّ عمليات الثأر عقوداً طويلةً، لتكون هي الهُويَّة السورية المقبلة، فمَن سيتحمّل أكلافها؟ من ناحية أخرى، يجد الشعب الكردي في سورية نفسه أمام مخاوف كبيرة تعتريه، وتشكّل ضواغط على تفكيره المستقبلي حيال الحرب والسلم، وحيال عدم إحراز أيّ تقدّم في ملفّ الحلّ السياسي وجمود عمل الوفد المنبثق عن مؤتمر إبريل (2025)، لأن الكرد يستشعرون في ذلك التأخير تفضيلاً للحلول العسكرية والأمنية على السياسية، وهو ما ترفضه القواعد والنُّخب الاجتماعية والسياسية الكردية: أن يُحكم السياسي من العسكري أو الأمني.
عراقيل كثيرة أمام وقوع الحرب، لكن مشكلة مروّجي الحرب أنهم لا يدركون حجم الخسائر الاقتصادية لكل معركة أو مواجهة. وإذا كان الوضع الاقتصادي تجاوز مرحلة الانهيار، فكيف ستُدار المعارك؟ وهي معارك لا فائز فيها، بل هي على مبدأ خاسر – خاسر. وأيّ حرب أو معركة لبضعة أيام تقود إلى ابتعاد المُستثمِرين دولاً وأفراداً عن سورية. وبالرغم من أن متحدّثين عبر شاشات التلفزة المختلفة استقوى بتركيا، وأنها ستكون إلى جانبهم في هذه المعركة، فإن الوضع اليوم مختلف: سورية جزء من التحالف الدولي ضدّ الإرهاب، و"قسد" أيضاً جزء منه، ولتركيا في عمقها الداخلي من المشكلات ما يمنعها من القيام بأيّ عملية عسكرية جديدة، خصوصاً تلك التي تتعلق بالصراع بين النظام الجديد والمعارضة، وهناك دور الأصوات الكردية في الانتخابات المقبلة، وتفعيل عملية السلام بين تركيا وحزب العمّال الكردستاني، ليكون السؤال الدولي والمحلّي: لماذا تذهب تركيا باتجاه عملية سلام مع "العمّال الكردستاني" في الداخل التركي، وما يستتبعها من حلول سياسية وتغيير دستوري، وتكون الحلول في سورية مع "قسد" عسكرية؟ عدا أن راعي اتفاق 10 مارس (الإدارة الأميركية)، غير وارد في أجندته أيُّ نيّة للحلول العسكرية، بل إن المبعوث الأميركي، توم برّاك، اتهم الطرفَيْن (السلطة و"قسد") بالتلكؤ وعدم الجدّية في التنفيذ، خصوصاً أن الدور الأميركي في المنطقة لا يزال يركز في مواجهة خطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والقضاء النهائي عليه، وتجنّب أيّ حرب ستمنح "داعش" فرصةَ الانتعاش مجدداً. ولا يتصوّر كاتب هذه السطور أن ما حصل في تدمر والهجوم على الجنود الأميركيين سيمرّ مرور الكرام أو يُنسى بسهولة.
ويستغرب الكاتب من النُّخب والسياسيين مروّجي الحرب؛ فهم يتناسون أو يتغافلون، أو ربّما يسعون لتقديم صورة مقبولة لدى السلطة عن أنفسهم. فإذا كانت صورة السلطة هي ثوب الانتهاكات في الساحل والسويداء، ولم تُقدِّم أيَّ حلول هناك، ومع تقارير تحمّل عناصر قوات حكومية مسؤولية تلك الانتهاكات، فإنّ أيّ صدام مع المكوّنات في شمال شرقي سورية أو المنطقة الكردية في سورية سيعني انتهاكاً جديداً ضدّ الأقليات. خاصّة أن تجميد أو توقيف ملفّ عقوبات قيصر سيُعاد النظر فيه بعد ستة أشهر، وهي المهلة التي سيتم تقييم التصرّفات والممارسات خلالها عبر تقرير سيُرفع إلى الرئيس الأميركي "ترامب".
يتفق الرئيس السوري مع قائد "قسد"، في حين أن النُّخب والسياسيين والنشطاء والإعلاميين منشغلون بالحرب الإعلامية وشيطنة الآخر
وأمام هذا المشهد المعقّد و"المكركب"، فإن الإدارة الذاتية تستمرّ على مبدأ "أذن من طين وأخرى من عجين": لا خدمات، ولا فرص عمل، ولا رواتب تكفي لأكثر من أسبوع، ولا توسيع لهوامش الحريات والرأي، مع وضع اقتصادي قاتل وارتفاع منسوب شبح المجاعة والجوع. من دون إغفال دورها أيضاً في الاشتباك الإعلامي مع إعلاميي السلطة. ويبقى المجلس الوطني الكردي في مرحلة الكمون والاستاتيك الإعلامي والحواري، من دون مغازلة أو طرق أبواب دمشق، ولو بندوة حوارية أو جلسة تعارف وشرح لحقيقة القضية الكردية وعدالتها.
قصارى القول إن المدافعين عن السلطة يتّهمون "قسد" بالإرهاب، ويتناسون أن الرئيس السوري وقّع اتفاقاً معها. ومناصرو ومروّجو سياسات "قسد" والإدارة الذاتية يصفون الرئيس السوري وهيئة تحرير الشام بالإرهاب، ويتناسون أن قائد "قسد" وقّع الاتفاق مع الشرع. أيُّ عقل يتحكّم في مفاصل هذه البلاد، وأيُّ مستقبل ينتظرنا؟
والأكثر دهشة من هذا وذاك أن الرئيس السوري يتّفق مع قائد "قسد"، في حين أن النُّخب والسياسيين والنشطاء والإعلاميين منشغلون بالحرب الإعلامية وشيطنة الآخر، وكلٌّ يشوّه الآخر. ما يُخشى أن تصل سورية إلى شيطنة الآخر وتشويهه سرديةً جماعيةً كبرى. حينها... هي طريق اللاعودة.