ياسر عرفات وجبل الهيكل

ياسر عرفات وجبل الهيكل

28 مايو 2021
+ الخط -

حين عاد الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، من قمة كامب ديفيد كان غاية في التوتر والانزعاج. وفي لقاء مصغر معه، لدى مروره في العاصمة الفرنسية، في طريقه إلى غزة، تحدّث عن أسباب فشل القمة التي دعا لها الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، محاولة أخيرة قبل نهاية ولايته الثانية، من أجل جسر المسافة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، واستغرقت أسبوعين، من 11 إلى 25 يوليو/ تموز 2000، وحضرها عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك. انتهت القمة بدون اتفاق في لحظةٍ حرجة، حيث تواجه عملية السلام استحقاق نهاية سبتمبر/ أيلول أجلا أخيرا للبت في الموضوعات المعلقة من اتفاق أوسلو، وعلى الخصوص مصير القدس واللاجئين. وبعد ثمانية أيام من بدء المباحثات، اندلعت إحدى أعمق الأزمات بشأن مسألة القدس، وبدا واضحا أنها أكثر العناصر تفجّرا في المفاوضات المعقدة، ووصلت إلى حد الانفجار. ومما رواه أبو عمار، في الجلسة الخاصة، الخلاف حول المسجد الأقصى الذي كان يرد في وثائق المباحثات تحت اسم جبل الهيكل. وفي كل مرة كان عرفات يحتج على التسمية، يرد عليه كلينتون بأنها تسمية الطرف الآخر، ولا ضرورة للوقوف عندها، حتى انفجر عرفات، وقال إنه لن يوقع على أي وثيقةٍ يرد فيها مصطلح جبل الهيكل "لن أضع على عاتقي هذه المسألة، وليس لدي أي ضمانة بأن الإسرائيليين لن يهدموا الأقصى، ويقومون ببناء الهيكل المزعوم، وسيتخذون من توقيعي ذريعة". وأضاف عرفات أن الأقصى ليس هيكل سليمان، وإذا كان الهيكل موجودا ذات يوم فهو لم يكن في هذا المكان. ورد عليه كلينتون بغضب "أنا سمعت منذ طفولتي من راعي كنيستي أنه كان هناك معبد يهودي. وربما لهذا السبب حوّل المسلمون الموقع إلى مقدّس عندهم". لكن عرفات ظلّ مصرّاً على موقفه وروايته، ورفض المقترحات الأميركية والإسرائيلية بوضوح، لأنها تنتقص حقوق الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين في المدينة المقدسة، التي أقرّتها قرارات الشرعية الدولية. واعتبر أبو عمار أطروحات الإسرائيليين بشأن القدس خطوةً صغيرةً في الاتجاه الصحيح من جهة، لكنها، من جهة أُخرى، مشوّهة وخطرة جداً، ولا سيما الحديث عن تقاسم السيادة على ما فوق أرض الحرم القدسي الشريف وتحته. واتهم الإسرائيليين بالتخطيط لهدم المسجد الأقصى، وبتحويل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى حربٍ دينية.

وبحسب باراك، فقد قدّم كلينتون اقتراحاً أميركياً تحدّث عن سيادة الفلسطينيين في الحي الإسلامي في البلدة القديمة بالقدس، مع مكانة "أمانة" لعرفات في المسجد الأقصى، لكن عرفات لم يردّ على المقترح. وتأكد الرئيس كلينتون، عبر لقاءاته اليومية الثنائية والثلاثية الطويلة، من أن قضايا الخلاف المدرجة في جدول الأعمال شائكة وحسّاسة، ولها أبعادٌ رمزية عند الطرفين، وخصوصاً قضـيتي القدس واللاجئين، وأن قدرة باراك وعرفات على التصرّف فيهما محدودة، وليس في إمكان أيٍّ منهمـا تقـديم تنـازلاتٍ تقرّب الواحـد منهمـا من الحدود الدنيا التي تلبي قناعة الآخر، وتحقق له أهدافه الاستراتيجية، وتمكّنه من تمرير الاتفاق في إطار مرجعيته الرسمية والشعبية. وتشير رواية باراك إلى أن عرفات أصرّ على عدم التنازل عن أيٍّ من المطالب الفلسطينية في القدس، على الرغم من أنهم قدّموا له عرضا مغريا، يتمثل في دولة فلسطينية على 95% من الضفة، ولذلك حمّله كلينتون وباراك مسؤولية فشل قمة كامب ديفيد، وإضاعة فرصة تاريخية.

وعلى صعيد الشكل، وعلى الرغم من كل ما بذله كلينتون والوفد الأميركي، بقيت الأجواء متوترة بين الوفدين، ونادرا ما جلس كلينتون وباراك وعرفات معا في غرفة مغلقة. وفي مرة جلس عرفات وباراك على جانبي وزيرة الخارجية الأميركية، مادلين أولبرايت، في غرفة الطعام، وطوال المساء لم يتبادلا كلمة واحدة، وكانت عقدة المسألة بالنسبة لعرفات القدس.