وهم الشرف الرفيع

وهم الشرف الرفيع

22 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

رغم تردّدي في خوض النقاشات على صفحات مواقع التواصل، سيما في القضايا الحساسة، ليقيني أنّها عبثية وبلا معنى، سوف تؤدّي، بالضرورة، إلى سوء الفهم، وقد تصل إلى خلافات وخصومة على المستوى الشخصي، غير أنّ منشوراً للزميلة المحترمة، سما حسن، على صفحتها في "فيسبوك" استفزّني وحفّزني للتعليق على  مضمونه. ومع إدراكي التام أسباب سما التي تربطني بها صداقة عن بعد، ودوافعها الإنسانية النبيلة، كاتبة معنية بالشأن العام، وأمّاً مكترثة، غير أنّني وجدت في ما ورد في المنشور ما يمكن أن يثير الاستغراب. كتبت سما كلاماً موجعاً في تعليقٍ على جريمة اغتصاب مروّعة في رفح، أقدم عليها مجرم متجرّد من إنسانيته، فاغتصب ابنة شقيقه ذات الخمس سنوات، مستغلاً انهماك العائلة وثقة الصغيرة بالعم الوحش، الذي تفترض فيه الحماية والحب والحنان. وبعد إدانتها الجريمة، وتنديدها بالمجرم، ومن باب الرأفة بها، وبعائلتها المنكوبة، كتبت الزميلة العزيزة: "دائماً عندما أسمع عن حادثة اغتصاب صبية أو طفلة من وحش بشري، أقول ربما الموت أرحم مما ينتظرها. دعوت الله كثيراً أن يرأف بالطفلة المغتصبة قبل أيام في رفح. يا الله، ما أبشع الوحش الذي يربض في أعماق الإنسان". 
وجدت سما أنّ مصير الموت للضحية الصغيرة ينطوي على عدالة ورحمة بها، وحصانة لها من نظرة المجتمع التي لا ترحم، متوقعة للطفلة حياة مأساوية يجلّلها العار والمذلة، موصومة وعائلتها بالعار إلى الأبد. رددتُ وآخرون على هذا الطرح الذي لا يمثل موقفها بقدر ما يوضح قسوة مجتمعاتنا الذكورية المتخلفة وعنفها، والتي تتعاطى مع جسد الأنثى باعتباره مجلبة للعار من حيث المبدأ، وإذا ما حصل وفقدت شرفها كرهاً واغتصاباً وعدواناً آثماً فالأجدى بها أن تفقد حقها في الحياة. من واجبنا في هذا السياق توجيه أمنيات الموت والعار والمذلة للمجرم الجاني منعدم الذمة والضمير، والعمل على هزّ قناعات مجتمعاتنا البائسة، والدفاع بكلّ الطرق المتاحة عن حق الضحية في الخضوع لعلاج نفسي، وإعادة تأهيلها كي تستعيد طفولتها المنهوبة، وتمضي في حياتها بدل الانصياع والاستسلام لمنطق المجتمع الأعوج المشوّه القبيح العفن، المستعدّ، بلا أدنى رحمة، لتبديد حياة الأنثى الضحية، حفاظاً على وهم الشرف الرفيع وإيقاظ  ضمير مجتمع قاس منافق مزدوج المعايير، يتهاون مع الذكر مهما انحطّ إلى أسفل درك. 
الأصل إنسانياً وحقوقياً ودينياً أن يدفع المجرم ثمن جريمته مضاعفاً، كونه اعتدى على قاصر ضعيفة، غير مدركة لمدى القبح والرذيلة والوحشية الكامنة في نفوس بعض من نُحسن الظن فيهم. قصة هذه الصغيرة البريئة عاثرة الحظ ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة في مجتمعات جائرة، غائصة حتى أذنيها في مستنقع الجهل والتخلف، حيث الحط من شأن الأنثى ومعاداتها بشكل مجاني. وقد شهدت في أثناء عملي محامية في محكمة الجنايات قضايا عديدة مما تسمى جرائم الشرف، ذهبت ضحيتها فتيات في عمر الورد، أقدم أفراد من عائلاتهن على قتلهن بأبشع الطرق بعد اتهامهن بالانحراف وسوء السلوك وتشويه سمعة العائلة، ليتضح في ما بعد أنهن ضحايا اغتصاب من  أحد أفراد العائلة ذاتها، في أحيان كثيرة، بل جرى قتل بعضهن بذريعة الشرف، طمعاً في ميراثهن ليس أكثر. وتم، في معظم الحالات، إسقاط الأم نفسها الحق الشخصي، في تواطؤ مشين مثير للاستهجان. وهو ما يجعل العقوبة، في حالاتٍ كهذه، في حدّها الأدنى، فينجو المجرم من فعلته الشائنة، بعد قضاء بضع سنوات، لا تعوض الحياة الثمينة المهدورة لصبايا طواهن الثرى في ظل مباركة مجتمعاتٍ ظالمة ملطخ وجدانها بدماء البريئات من بناتنا المغدورات ممن لا عزاء لهن.