ولماذا لا ينقلب قيس سعيّد؟

ولماذا لا ينقلب قيس سعيّد؟

28 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

حين زار قيس سعيّد القاهرة، بدعوة من عبد الفتاح السيسي، وأكل خبزه وتحدّث لغته، قلت: يبدو أن قيسًا قد غافلنا جميعًا، وها هو يطل علينا من شرفة زين العابدين بن علي، وعن يمينه عبد الفتاح السيسي، وعن يساره خليفة حفتر، يتضاحكون ويسخرون من تلك الرومانسية الثورية العبيطة.

كل المغريات تجمعت في لحظة واحدة أمام شخصٍ محدود القدرات، معدم القيمة، لكي يقدم على خطوةٍ مجنونةٍ يهدم بها النموذج التونسي، الذي كان كل العرب يتغنّون به بوصفه الديمقراطية الوحيدة الناجية، وسط محيط هادر من الانقلابات والثورات المضادّة.

كل شيء كان يحرّض قيس سعيّد على الانقلاب وتحطيم الصورة الجميلة المرسومة لتونس، فلماذا لا يفعلها وهو يرى المكافآت والجوائز تنهمر فوق كل الانقلابيين وقاتلي أحلام التغيير وكارهي الثورات المنادية بالديمقراطية والحرية؟.

نظر قيس سعيّد حوله، فوجد كل قتلة الربيع العربي غارقين في المنح والهديا والعطايا والمكافآت القادمة من الشرق والغرب، بل إن الذين لطالما قدّموا أنفسهم باعتبارهم أصدقاء الربيع وأحباءه كانوا الأجزل عطاءً والأكثر تفانيًا في تدليل قتلة الربيع، وخطب ودّهم وإسكات كل الأصوات التي يمكن أن تسبب لهم إزعاجًا.

من واشنطن في أقصى غرب الأطلسي إلى بكين وموسكو في أقصى الشرق، مرورًا باسطنبول في شرق المتوسط، كانوا يتنافسون في مكافأة المستبدّين والطغاة ممن يعلنون العداء الصريح للديمقراطية ويشنّون الحرب على الحريات.

كل المقولات والشعارات الفاخرة عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات ديست بأقدام رافعيها ومصدّريها، وجاءت لحظةٌ انتفت معها الفروق الجوهرية بين جو بايدن ودونالد ترامب، وبدا معها الاتحاد الأوروبي وقد تحوّل إلى نسخٍ مكرّرة من إيمانويل ماكرون.

صدق من قال إن العالم الذي يسمّي نفسه متحضرًا وتنويريًا لا يحبّ في عالمنا العربي البائس إلا الجيوش .. هم لا يرون أوطاننا إلا جيوشًا تصلح للاستدعاء والاستعمال في تحقيق أهدافهم وأحلامهم في المنطقة .. هم أصدقاء، فقط، لهذه الجيوش التي تفرّغت لشواء الملامح المدنية في الأمم والتهامها بشهية مفتوحة، فصارت هي السلطات ومصدرها الوحيد.

من حيث القدرات الشخصية، لا يستطيع قيس سعيد القيام بانقلابٍ على مستوى عائلته الصغيرة، ومن حيث الجماهيرية هو أكثر ضآلة من أن يقفز بتونس تلك القفزة المجنونة في عمق محيط الثورات المضادة، وبالتالي هو ليس أكثر من واجهةٍ مدنيةٍ لانقلابٍ عسكري صامت، لم يعلن عن نفسه بشكل كامل، مكتفيًا بتأمين انقلاب الرئيس المدني المنتخب على الدستور، منصّبًا نفسه فرعونًا يشبه تلك المومياوات التي زارها في متحفها بالقاهرة، مدعوًا من الانقلابي الأول في المنطقة، والذي كان رأس الحربة في مشروع الحرب على الربيع العربي.

في بيانه الأول، يكذب قيس سعيّد كما يتكلم ويتنفس، فهو يقول للشعب التونسي "بعد استشارة كلّ من رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب، وعملا بالفصل 80 من الدستور، اتخذ رئيس الجمهورية قيس سعيّد، اليوم 25 جويلية 2021، القرارات التالية حفظا لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها وضمان السير العادي لدواليب الدولة".

باختصار، يقول قيس إنه أطاح ضحاياه بعد استشارتهم، وقتل كل مفردات التجربة الديمقراطية والدستورية، استجابةً للدستور ومقتضيات الديمقراطية، بينما الواقع ينطق إنه بصق على الدستور التونسي، وبال فوق البناء الديمقراطي، وأعلن عداءه الشديد للإعلام الحر، ثم نزل إلى الشارع يستعرض بعضلات عبير موسى وجمهورها.

قرار قيس سعيّد إقالة وزير الدفاع لا يعني أنه لا يحظى بدعم وحماية مطلقة من الجنرالات، بل أن هذه الخطوة التي كان من الممكن أن توصف بالتهور في ظروف عادية إنما تأتي إمعانًا في تأكيد أن انقلابه يأتي برعاية الجنرالات، وبالأحرى بإيعازٍ منهم، إلى الحد الذي يضحون معه من أجله برأس وزير الدفاع شخصيًا، بقصد الإيحاء بأن الرئيس قويٌّ جدًا إلى درجة القيام بعزل وزير الدفاع بأسهل مما يقلم أظافر يده. والأمر ذاته ينطبق على حالة وزير العدل الذي أطاحه وهو في طريقه لتنصيب نفسه فرعونًا وحاكمًا أوحد، هو القانون والدستور والكلمة والبندقية، هو ذلك الجنرال المدني المرعب، حتى للجيش.

هكذا اقتضت ضرورات الإخراج تنفيذ كل هذه الأعمال الخارقة، لكي يظهر ذلك الروبوت المتلعثم المتخبّط في مشيته في هيئة "السوبر رئيس" الذي لا قبل لأحد بمعارضة جبروته، لا حركة النهضة ولا الأحزاب ولا الجماهير، كيف ذلك والرجل التهم وزير دفاع ووزير عدل ورئيس حكومة في عشائه الأول بعد الانقلاب؟.

فعلها قيس سعيّد، أو الذين يديرون قيس سعيّد، لأنهم أدركوا أن لا رد فعل حقيقيًا وجادًا يمكن أن يصدر من العالم الديمقراطي ضد هذه الخطوة، وإن أقصى ما يمكن أن يتعرّض له قيس سعيّد لن يزيد عما حدث مع أستاذه عبد الفتاح السيسي، وها هو الاتحاد الأوروبي يعرب عن أمله في استئناف النشاط البرلماني التونسي في أقرب فرصة، وكأن الديمقراطية عندنا مجرّد أنشطة استعراضية، يمكن أن تعلق ثم يستأنف عرضها في أي وقت، وليست استحقاقًا سياسيًا وقانونيًا ودستوريًا.

***

في كتابه "الثامن عشر من بريميير" عن انقلاب بونابارت الصغير على قيم الثورة الفرنسية، كتب كارل ماركس "الأمة والمرأة لا تغتفر لهما تلك اللحظة التي تفقدان فيها الحذر، ويتمكن أول مغامر يمر بهما من أن ينتهكهما".