وقود سريع الاشتعال

26 أكتوبر 2020
الصورة

(إبراهيم جوابرة)

+ الخط -

حين يعود طفلٌ صغير في المرحلة الابتدائية إلى البيت باكيا، لأن زميله في الصف ضربه على إثر خلاف ما وقع بينهما، يتوقع، بكل براءة، أن يلقى من عائلته بعض التعاطف والمواساة التي من شأنها أن تخفف عنه مشاعر الحزن والقهر والمهانة والغيظ، غير أنه يُواجَه باللوم والتقريع، وأحيانا العقاب، ذلك أن الغضب ينتابنا، كأولياء أمور، نرفض أن يكون طفلنا مهزوما ضعيفا عرضة للتنمّر والاستقواء، يحول ذلك الغضب دون إدراكنا ضرورة دعم الصغير ومساندته نفسيا، من خلال تبسيط الحدث، في نظره، باعتباره مجرّد مشاجرةٍ عابرة بين صغيرين، ستنتهي بمصالحةٍ ومواصلة للعب، وكأن خصومةً لم تحدث، ذلك أن الصغار، بذاكرتهم قصيرة الأمد، أكثر قدرة على التسامح والنسيان والتجاوز. لا يحقدون ولا يحملون ضغينة، وقديما قيل "قاضي الصغار شنق حاله"، لأن لهم منظومة تعامل خاصة بهم، تمكّنهم من حلّ أعتى الخلافات بأبسط الطرق، من دون تدخل من الكبار. غالبا ما تأتي ردة فعل الأهل في موقفٍ كهذا حادّة متشجنة، تترجم إلى تقريعٍ للصغير على ضعفه وتخاذله، وتحريض له على الانتقام والأخذ بحقه من الطفل المعتدي "اللي ضربك اضربه".

وهكذا يتعلم الصغير على يد ذويه أول دروس الكراهية والحقد، غير أن قلة واعية من الناس تتعامل مع الموقف بهدوء، فتحاور الطفل وتفسح له المجال للتعبير عن مشاعره، وتحاول فهم ملابسات الخلاف التي أدّت إلى السلوك العنيف، وتقلل من وقع الحادثة على الصغير المُعتدى عليه، وترشده إلى سبل سلمية غير عدائية، تضمن له حقه، مثل تقديم شكوى إلى المعلم المسؤول الذي يفترض به أن يقرّر، بالتنسيق مع ذوي الطفلين، العقوبة التأديبية المناسبة بحق الطفل المعتدي، مثل حرمانه من نشاطٍ يحبه، وكذلك تعليمه شجاعة تقديم اعتذار علني إلى زميله، يستعيد به إحساسه بكرامته وثقته بنفسه، وبالأهل وبالمؤسسة، بعد توعية الطرف المعتدي بخطأ تصرّفه العنيف الذي سوف يرتب عليه عقوباتٍ عادلة يستحقها، وحثّ المعتدى عليه على قبول الاعتذار، فتؤتي العملية التربوية المسلكية ثمارها من دون تجريح لفظي أو مزيد من العنف.

في المقابل، للأسف هذه الحلول الحضارية ليس لها متسع في ثقافتنا القائمة على الانتقام والأخذ بالثأر، الأمر يحتاج إعمال العقل وإبداء أعلى درجات ضبط النفس، عند معالجة مواقف يتعرّض لها صغارنا يوميا، وتتطلب منا التروّي والتفكير، ونحن نصيغ شخصيات صغارنا، حين ننشئها على اللجوء إلى العنف وسيلة وحيدة لاسترداد الكرامة والدفاع عن الذات. بعد ذلك، نجرؤ على طرح أسئلتنا الغبية عن سبب تفشّي العنف في المدارس والجامعات، ونستهجن ظهور جيل من البلطجية والزعران، غير الآبهين بسلطة القوانين، أو المعترفين بهذه السلطة التي تنظم العلاقات بين الناس وتصون حقوقهم، في مأمن عن بطش تلك الفئة، وهي ضحية الجهل والفقر والبطالة المقيمة جبريا على هامش المجتمع في عالمها السفلي، حيث البقاء للأقوى، وهي المسكونة برغبة الانتقام من كل شيء. وبحسب علم النفس، تعدّ الرغبة في الانتقام من الغرائز الأساسية، ويرى باحثون أن الناس عموما يمتلكون دوافع انتقامية عند التعرّض للإساءة أو الظلم، حيث يجدون في الانتقام تحقيقا للعدالة. وهذا ما يفسّر ظاهرة الأخذ بالثأر، سيما في المجتمعات ذات الطابع القبلي العشائري، حيث يعتبر عدم الأخذ بالثأر عارا تحمله العائلة، لن يزول إلا بمزيد من العنف، يرتكبه أفراد تربوا، منذ الصغر، على الحقد والكراهية. جيل ضائع سيدفع عمره هباءً، في سبيل تكريس منظومة بائسة متهالكة، لا تقيم وزنا لحياته المهدورة وقودا سريع الاشتعال لروح الانتقام الكريهة التي لا تُفضي إلا إلى مزيد من الفوضى والعبث.